As Safir Logo
المصدر:

»ترميم« الحكومة بإضافة وزيرين أرمني وعلوي يزيد من تكريس المقاييس الطائفية عدالة التمثيل في الوزارة رهن بالنسبية في عدد المقاعد النيابية

المؤلف: زين احمد التاريخ: 2000-11-01 رقم العدد:8746

تتجاوز الحكومة في الساعات المقبلة عقدة »التمثيل الأرمني« بإضافة وزيرين اليها لتصبح بذلك أوسع حكومة عرفها لبنان حتى اليوم. فمن المرجح ان يصدر قبل مثول الحكومة امام مجلس النواب لنيل الثقة مرسوم بتسمية النائب أحمد حبوس وزير دولة من الطائفة العلوية والوزير السابق اغوب دمرجيان وزير دولة عن الطائفة الأرمنية. وبمثل هذا »الترميم« تتوقع اوساط نيابية ان تنال حكومة الرئيس رفيق الحريري الرابعة ثقة مجلس النواب بما يقارب الماية صوت او يزيد. وبصرف النظر عن »العدالة في تمثيل الطوائف في تشكيل الحكومة« التي تشير اليها المادة 95 من الدستور تظهر العقدة الأرمنية التي واجهتها الحكومة الحالية مفارقة ملفتة تتمثل في صمود البعد الطائفي امام أي اختراق وأخذ الحكم بكل مكتسبات الطوائف ولو بمفعول رجعي في الوقت الذي يصرف فيه النظر نهائيا عن تقويم او »الأخذ بيد المحاولات« التي من شأنها ان تخترق جدار ذاك الصمود حتى ان تفسير القوانين والاعراف والسوابق والوثائق والدستور يكون دائما في مصلحة تكريس الطائفية وتعميقها وكأنها هي المدعى عليه والنظام والمصلحة الوطنية والاهداف البعيدة المدى المحددة في الدستور هي المدعية. وما يمكن طرحه في هذا المجال ان ما تنص عليه المادة 95 من الدستور لجهة العدالة في تمثيل الطوائف في الحكومة هو نص قديم عمره من عمر الدستور اللبناني الصادر سنة 1926. إلا ان التعديل الذي تم بموجب اتفاق الوفاق الوطني سنة 1990 أوجد »مبررا قانونيا« للابقاء على هذا النص وربطه »بالمرحلة الانتقالية« التي نصت عليها المادة 95 نفسها وذلك وفق اصول النظام البرلماني الديموقراطي، عندما نص في الفقرة 24 دستور على ان يكون توزيع المقاعد النيابية حتى يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين ونسبيا بين طوائف كل من الفئتين. فالتساوي والنسبية في تشكيل المجلس النيابي يفترضان بالضرورة ان يكون تمثيل الطوائف في تشكيل الحكومات بصورة عادلة باعتبار ان الحكومات في النظام تمثل الشرائح المتواجدة في المجلس. ولكن هذه العلاقة بين ما يمكن اعتباره »السبب والنتيجة« هل تقوم حقا على »العدالة الطائفية«؟ أي هل ان النسبية في توزيع المقاعد النيابية بين طوائف كل من المسيحيين والمسلمين قائمة على العدلة؟ إذا كان الجواب سلبيا فكيف يمكن الاستناد الى »عدالة التوزيع النيابي« لتحقيق عدالة التمثيل في الحكومة؟ اما إذا كان الجواب ايجابيا فالى ماذا يعود وكيف يمكن تفسير تفاوت عدد الناخبين بين المذاهب في كل طائفة عند تحديد عدد نواب كل مذهب؟ هذه المسألة لا تسمح بالقول بامكانية صرف النظر عن تمثيل طائفة ما في تشكيل الحكومات إذا ما كانت الحكومة ذا طابع وفاقي وموسعة، ولكن مثل هذه المسألة لا تسمح في الوقت نفسه بقياس عدالة التمثيل في الحكومة على اساس حجم هذا التمثيل فقط من دون النظر الى وجود هذا التمثيل. وبمعنى آخر إذا كان عدد نواب الموارنة في المجلس 34 نائبا وعدد نواب الأرمن (أرمن أرثوذكس وأرمن كاثوليك) ستة فإن تحديد »الكوتا« الأرمنية في الحكومة بوزيرين حكما يعني، من وجهة نظر عدالة التمثيل المعتمدة، ان يتمثل الموارنة بخمسة وثلثي هذا العدد من الوزراء أي حوالى ستة اضعاف أي بما يقارب 12 وزيرا. وبهذا تصبح اضافة وزير الى الحكومة استنادا الى »عدالة تمثيل الطوائف« في الوزارة تعني في ابسط الأمور عدم الالتزام لا بنسبية توزيع المقاعد النيابية بين كل طائفة من المسيحيين والمسلمين ولا بالنتائج العادلة لتلك النسبية المعمول بها كمقياس لرسم عدالة تمثيل الطوائف في الحكومة. وما تمكن اثارته لمناسبة »حل العقدة الأرمنية« ان معظم الحكومات التي كانت تتشكل من اقل من 16 وزيرا لم تكن تضم ممثلا عن الطائفة الأرمنية حتى ان حكومة الرئيس رشيد الصلح سنة 1992 تشكلت من 24 وزيرا ولم تضم اليها إلا وزيرا ارمنيا واحدا وكذلك حكومة الرئيس الصلح سنة 1974 التي تشكلت من 18وزيرا. فكيف يمكن القبول بحكومة من 14 وزيرا من دون ارمني ولا يمكن القبول بحكومة من 30 وزيرا فيها أرمني واحد؟ ان مسألة عدالة التمثيل بالنسبة لهذا المنحى قد يكون مشكوك في امرها أيضا. ان طرح مثل هذه التساؤلات وغيرها ليس برسم الطائفة الأرمنية بقدر ما هو برسم مطبخ تشكيل الحكومات في لبنان خصوصا بعد اقرار وثيقة الوفاق الوطني سنة 1989. وما تمكن اثارته في المناسبة الآتي: أولا: هل أقدم الحكم في مرات سابقة على عدم الأخذ بتسوية مطلب طائفي او »تسوية« وضع طائفي سيان كان مطلب التسوية صحيحا أم غير صحيح؟ وفي المقابل هل اقدم الحكم على الأخذ بتسوية مطلب لمصلحة غير طائفية إذا ما كان هناك مطلب بذلك؟ ثانيا: ان تحقيق عدالة تمثيل الطوائف في الحكومة وفق التفسير الذي قضى بتوسيع الحكومة يفترض ايضا النظر الى تسوية اوضاع طوائف اخرى غير ممثلة في الحكومة حتى ولا بوزير واحد. فكيف يمكن تطبيق عدالة التمثيل في تفسيرها لجهة حجم التمثيل بالنسبة للعقدة الأرمنية ولا يمكن ان يندرج هذا التفسير على تمثيل الطوائف الأخرى بوزير واحد؟ ثالثا: ان توسيع الحكومة بوزيرين أرمني وعلوي لم يكن يهدف لتطبيق عدالة التمثيل على الطائفة العلوية، إنما لعدم خرق المناصفة في عدد الوزراء بين المسيحيين والمسلمين لأن زيادة وزير لأي طائفة من المسلمين سيخل بالتوازنات مع الطوائف الأخرى، كما ان اقتصار الزيادة على وزير أرمني يعني ان وزراء الطائفة المسيحية قد أصبح يفوق عدد الوزراء المسلمين. وفي هذا يقول أحد النواب البارزين عن الطائفة العلوية »ليس المهم من سيكون الوزير العلوي. المهم هو تثبيت المقعد الوزاري«. لذلك فإن »ترميم« الحكومة باضافة وزيرين اليها سيؤسس مرة ثانية، وربما ثالثة، لحكومات في المستقبل ستكون محكومة أكثر فأكثر للمقاييس الطائفية البحتة، لأن مثل هذه الاضافة ستشكل سابقة تكمن خطورتها في اتجاه الدولة نحو تعميق الطائفية وتجذيرها بدلا من العمل باتجاه ما تنص عليه وثيقة الوفاق الوطني وما ينص عليه الدستور لجهة اعتباره الطائفية علة وإلغائها هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية، فهل هكذا تتحقق الاهداف الوطنية الأساسية، ان من المعنيين بالمطبخ الحكومي وان من الطوائف نفسها التي »تنذر ذاتها« دائما وأبدا لمصلحة لبنان وسمو احكام الدستور وخضوعه لأحكامه؟

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة