As Safir Logo
المصدر:

جائزة »غونكور« لجان جاك شول و»رينودو« لأحمد كوروما كافن تعتذر ليهود القدس وبيراهيما في قارة البراز

شول وكوروما معا
المؤلف: حبش اسكندر التاريخ: 2000-10-31 رقم العدد:8745

أي »مصادفة سعيدة« في اعلان اكاديمتي »غونكور« و»رينودو« عن جائزتيهما للرواية الفرنسية لعام 2000، اللتين منحتا نهار أمس لكل من الكاتب الفرنسي جان جاك شول عن روايته »انغريد كافن« (منشورات غاليمار) وللإيفواري (ساحل العاج) احمدو كوروما الذي يكتب بالفرنسية عن روايته »الله ليس مضطرا« (منشورات لوسوي). صحيح ان الروايتين جميلتان، وتملكان الكثير من مقومات الادب، حتى إنهما من افضل الكتب المختارة في هذه السنوات الماضية، الا ان »الصدفة« تدفعنا الى التفكير قليلا، فجائزة »غونكور« تأتي على خلفية انتفاضة الأقصى، بينما »الله ليس مضطرا« تأتي على خلفية الاحداث في ساحل العاج. لا اريد الحديث عن »الديموقراطية الغربية« ولا عن المواقف السياسية، ولا ايضا عن كل هذا الكلام »الممجوج« الذي نذهب إليه في معظم الوقت، بيد ان المصادفة البحتة ربما تدفعنا الى التفكير قليلا بذلك. تغني كافن فوق »قلعة داوود« في القدس، معتذرة عن الجرائم التي ارتكبت بحق اليهود ، في حين ان رواية كوروما تتحدث عن حرب العصابات التي تدور في افريقيا، وأبطالها الجنود/ الصغار، الملطخون بحمامات الدم، بينما تشهد ساحل العاج، اليوم، أحداثا قد تكون مشابهة. جان جاك شول قد لا يكون جان جاك شول على قدر كبير من الشهرة عند قراء اليوم، الا انه حظي باعتراف النقاد في السبعينيات، عبر روايتيه الوحيدتين اللتين أصدرهما: »زهر الغبار« (1972) و»تيليكس رقم 1« (1976) وقد وسمتا يومها جيلا بأكمله، كان يجد نفسه في موسيقى الروك وحفلات القصور الصاخبة كما الحفلات الاجتماعية. ما يقوم به جان جاك شول (59 عاما) في كتابه هذا، إعادة إحياء سنوات السبعينيات »التي اصبحت بعيدة جدا« عبر كتاب/ تحية، يحمل ببساطة اسم المغنية والممثلة الالمانية، زوجة فاسبندر (المخرج الالماني الشهير)، اذ انها بالنسبة إليه »ارشيف حي في المنزل« (هي صديقته). مع الرواية كما مع الجائزة يقوم شول بعودة استعراضية الى الساحة الادبية الفرنسية، بعد 25 سنة من الغياب، والعزلة... وهو يعتبر ان القرن العشرين انتهى في الثمانينيات: »لقد حدث تطور غريب خلال عشرين سنة، تطور اكبر بالتأكيد مما حصل ما بين بداية القرن والعام 1978 »(...) نسينا كل ذلك، لم يعد موجوداً، وكأننا دخلنا في عملية تحذير ضجة« (كما يقول في روايته) معتبرا ان »الصدفة لم تعد تشكل جزءا من اللعبة«. منذ ثلاثين سنة، تقريبا، ابتعد شول عن الحياة الادبية، لم يفعل شيئا سوى السفر والقراءة، ولا يعرف الناشرون والصحافيون عنه، سوى أنه »ولد في 9 تشرين الثاني 1941« (بحسب ما قاله الناشر حين سأله، أمس، الصحافيون عن سيرة الكاتب). لكن لحسن الحظ، ولنفهم ماضيه، علينا قراءة كتاب »انغريد كافن« التي التقى بها خلال تصوير فيلم »عشيقاتي الصغيرات« لجان اوستاس. رواية »قريبة وبعيدة« في الوقت عينه، تسير ما بين الشغف المدمر والحنين، مليئة بالسخرية السوداء، يجاور عالم الجن فيها عالم البشرية. نستمع فيها الى هذه الفنانة التي غنّت الاناشيد الدينية وكذلك »أناشيد الشارع«. رواية ليست سيرة للمطربة. ربما هناك عملية جمع لذكريات حقيقية وخيالية، ربما هناك تحية للمرأة المحبوبة. من هنا، تحتوي معزوفته الثالثة على سر ما، او لنقل ان الكتاب اشبه بفيلم سينمائي (على طريقة فاسنبدر) حيث يصوّر كل مشهد بمفرده. 300 صفحة من الكتابة بريشة جنون، يروى فيها شول حياة أنغريد التي تبدأ عشية عيد الميلاد من العام 1943 حين غنّت لجنود هتلر، والتي تنتهي في العام 1993 فوق قلعة داوود في القدس. وبين هذين الزمنين، عاشت المغنية مئة حياة. الا انها حيوات مرتجفة تسير بأكملها: طفولة يتآكلها مرض جلدي غامض، مراهقة كئيبة، الحفلات الاولى على مسرح البيغال، لقاؤها مع فاسنبدر، حياتها الصاخبة معه، قيامها بدبلجة افلام إباحية... يسمي شول نفسه في الكتاب باسم شارل وهو »يهودي هوغونوتي«، مولع بالفنون، لكنه يبقى في الخلفية الثانية للقصة، وبين هاتين الشخصيتين، تمر »عصابة بدر« (ماينهوف)، اندي وارهول، ايف سان لوران، بيتي ديفيز، مازار (المنتج جان بيير رسام، الذي توفي شابا)، وبالطبع صورة فاسبندر الحاضرة دائما. وبين صخب السبعينيات بأسرها، يقول شول عن انغريد: »لم تحول تجاربها المؤلمة الى صورة امرأة عرفت كيف تتخطى الصعاب، لم تستثمر ذلك، لم تكسب المال من مصائبها، لم تحول ذلك الى دراما، انها هنا، في الحركة، بالضبط هنا، لا تفكر مرة في هذا الدرب الطويل الذي اجتازته«. أحمدو كوروما من دون شك، سيفرض احمدو كوروما (73 عاما) نفسه مع هذه الجائزة كأحد معلمي الادب في القارة السوداء، يخط في ادبه، وبدون مجاملة، قصة أسوأ مسارات افريقيا. يروي كوروما في كتابه الحائز أمس جائزة رونودو قصة طفل/ جندي في افريقيا الغربية. »الله ليس مضطرا« هي بداية جملة تأتي تكملتها في الكتاب على النحو التالي: »لأن يكون عادلا رغم كل هذه الاشياء التي ابدعها في الاسفل«. انها ملحمة مليئة بهلوسة طفل صغير، مسلح بالكلاشينكوف، مرتبط بحرب القبائل في نيجيريا، أي إنها قصة المذابح التي أبطالها هؤلاء الاطفال التعساء. تكمن فرادة الكتاب في أسلوبه: بيراهيما، الذي يعيش وضعا صعبا، لا يسيطر أبدا على »كلمات البالغين«. وليروي عن »حياة البراز« هذه، يلجأ دوما الى 4 قواميس هي »لاروس« و»لوروبير« و»قاموس المصطلحات الفرنسية الخاصة بأفريقيا السوداء« و»الهارابس«. انها قواميس »استفيد منها للبحث عن الكلمات السمينة، عن التحقق منها، عن تفسيرها...« كما يقول الصبي الذي يرغب في ان يكون مقروءا من »قبل جميع الناس«. هكذا يدخل كوروما المشبع بتقاليد ثقافة المالينكي (التي ينحدر منها) في هذه القصة المليئة بالشتائم الافريقية هذه المسافة وهذا المزاج الواضحين. كتابه السابق »بانتظار اقتراع البهائم المتوحشة« (جائزة كتاب انتر 99) كان هجاءً قاسيا للطغمة العسكرية الافريقية، استوحاه من اخبار القائد التوغولي، الجنرال غناسبنغبي اياديما. وإذا كانت الرواية مخصصة بالسخرية من سيرورة الديموقراطية في افريقيا، فهي مستوحاة من ملاحظة سمعها الروائي من طباخ في توغو: »اذا رفض الناس الاقتراع لأياديما، فإن البهائم ستخرج من الادغال كي تقترع له«. جاء كوروما الى الادب متأخرا (درس الرياضيات في بداية حياته)، اذ نشر روايته الاولى وهو في الرابعة والاربعين من عمره، بعنوان »شموس الاستقلالات« التي قيل عنها انها رواية تحريضية، لذلك لم تنشر الا بعد 6 سنوات من كتابتها، عند منشورات »لوسوي« في باريس (1970). ولد كوروما العام 1927 في الجانب الشمالي من ساحل العاج، درس في باماكو ومالي وخدم في الجيش الفرنسي من العام 1950 الى 1954 خلال الحرب الهند الصينية (فيتنام)، قبل ان يعود للدراسة في باريس وليون، بعد الاستقلال، عاد الى بلاده العام 1960 برفقة زوجة فرنسية و»قناعات شيوعية شديدة«. بعيد وصوله، سجنه الرئيس فيليكس هوفويت بوانتي 5 سنوات، ومن ثم نفي الى الجزائر، وقد عاد الى بلاده العام 1969 ليعمل على مسرحية بعنوان »قائل الحقيقة« (عرضت العام 1974). مجددا، فضل الرئيس بوانتي إبقاءه بعيدا عن بلاده، فعينه مديرا للمعهد الدولي للتأمين في ياوندي، في الكاميرون، حيث بقي هناك 10 سنوات، قبل ان يعمل في منصب مماثل في توغو عشر سنوات أخرى. كتابه الثاني »مدينة إهانات وتحديات«، جاء ايضا نقدا جديدا، لما بعد الكولونيالية في افريقيا، وعرف بدوره تقديرا نقديا، لكن ليس في المكتبات. في الاسبوع الماضي وقبل ان يترأس لجنة تحكيم مهرجان قرطاج السينمائي الاخير، قال كوروما عن الوضع في بلاده »ان الايفواريين مستعدون للتضحية من أجل الديموقراطية. انه تقدم هائل من أجل هذه القيمة، ليس فقط في ساحل العاج وإنما ايضا في كل البلاد الافريقية«. هل لعب التصريح دورا ما عند لجنة »رونودو«؟ مهما يكن من امر، انها رواية جميلة تستحق القراءة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة