As Safir Logo
المصدر:

التزام أكثر بوعود أقل

المؤلف: الحاج عدنان التاريخ: 2000-10-31 رقم العدد:8745

لم يعد هناك ما يقال حول توصيف الأزمة الاقتصادية الاجتماعية التي تعيشها البلاد والتي تزداد استفحالا منذ اواخر العام 1997 وحتى لحظة تشكيل الحكومة الجديدة. لقد بات الأمر معروفا وباتت كل الهيئات والقطاعات تعرف امراضها ومنها من لامس وصف العلاج ولكن مع انعدام القدرة على اتخاذ القرارات اللازمة التي تشكل بدايات الحلول من جهة، ومع وجود حال من العجز الكلي عن تنفيذ القرارات اللازمة على الصعيد العام بمعنى الحكومي نتيجة عدم وجود الرؤية الواحدة او حتى المنسجمة حول المشكلات التي تحولت امراضا مزمنة. وفي هذا الخضم من غابة المشكلات على الصعد الاقتصادية والاجتماعية تبرز بعض المواقف لوزراء من الحكومة الجديدة حول مضمون البيان الوزاري الذي اقره مجلس الوزراء تحتاج الى شيء من الوضوح لأن الناس باتوا يعرفون الامراض كما يعرفها المسؤولون بل أكثر قليلا من غالبية النواب لأنهم يعيشون نتائجها أكثر من الطبقة الميسورة. 1 فالبيان الوزاري الذي يؤكد بعض الوزراء انه يخلو من الوعود المحددة بمواعيد، وبالتالي سيكون شاملا يتناول كل القضايا والمشكلات انطلاقا من الأزمة المعيشية ووصولا الى ازمة المنطقة مرورا بالاوضاع الاقتصادية التي تستحوذ على القسم الاكبر من اوراق البيان الوزاري التي يزيد عددها قليلا عن 35 ورقة. 2 انطلاقا من هذا الواقع فإن البيان الوزاري لن يشكل صدمة جديدة بحد ذاتها تؤدي الى تحريك الاستثمارات وتطمئن المستثمر المحلي والخارجي ليباشر اعماله فورا في لبنان. لا سيما إذا كانت الامور تتطلب تشريعات وقرارات لاحقة تساعد في عودة الثقة للاستثمارات التي تراجعت بما يزيد عن 13 في المئة سنويا منذ العام 1997 وما زالت. 3 ان البطالة تكبر بصورة انحدارية كما كرة الثلج تماما حيث مئات عمال المؤسسات الصناعية والتجارية تفقد فرص عملها شهريا وان آلاف ملفات الصرف الجماعي والفردي تضيق بها ادراج وزارة العمل ومجالس العمل التحكيمية. هذا بالإضافة الى البطالة في المهن الحرة (مهندسون واطباء ومحامون) حيث تصل هذه النسبة في صفوف المهندسين اليوم الى ما يزيد عن 24 في المئة باعتراف النقابة واحصاءاتها. 4 ان هذه المشكلات تكبر بصورة انحدارية وسريعة بسبب ازدياد الشرخ في جسم المؤسسة النقابية الممثلة بالاتحاد العمالي العام الذي يضم 210 نقابات منتسبة الى 37 اتحادا يمثلون حوالى 5،7 من عموم الطبقة العاملة في القطاع الخاص الذين يزيد عددهم عن 700 الف عامل ومستخدم. لقد بات هم العمال والاجراء في لبنان ان يلجأوا لمن يضمن استمرارية عملهم في مؤسساتهم لا ان يطالبوا بالتقديمات الاجتماعية التي تزيل عنهم كاهل العوز والفقر وتؤمن لهم الحد الأدنى من سبل العيش بعيدا عن الضغط المتواصل بالبحث عن فرص عمل بديلة. هذا ولم نتطرق بعد الى موضوع جيوش الجامعيين وخريجي المعاهد العليا الذين وجدوا في الهجرة بعد البطالة الملجأ الذي يخفف عن كاهل إسرهم بعض الهموم ولو مؤقتا. 5 أما الحديث عن غياب السياسات القطاعية التي تحتاج الى وعود قاطعة بطرق المعالجة ومواعيدها ولو المؤجلة لسنة او لسنتين فهو يحتاج الى اكثر من فصل في كتاب باعتبار انه حتى الآن لا يملك أي مسؤول في وزارة او ادارة خطة متكاملة حول سياسة زراعية او صناعية او حتى سياحية وخدماتية باستثناء القطاع المصرفي وهو القطاع الوحيد شبه الرابح حاليا بمعاونة التدابير المتقطعة التي يتخذها مصرف لبنان بين الحين والآخر سعيا للمحافظة على هذا القطاع الذي حدد بمفرده مسارب عمله لاقتناص الفرص اللازمة بأدنى المخاطر الممكنة. اضافة الى فرص الربح الأساسية المتاحة دائما من اصدارات سندات الخزينة لتمويل عجز الموازنة والخزينة معا. 6 كل هذا الحديث من دون العودة الى بيت الداء وهو عجز الموازنة الذي ولد المديونية العامة التي تطورت من 3 مليارات دولار في العام 1992 الى حوالى 23 مليار دولار نهاية العام الحالي، بمتوسط شهري اصبح حاليا بحدود 235 مليون دولار بعدما كان قبل سنتين حوالى 210 ملايين دولار وقبل ست سنوات حوالى 194 مليون دولار كمتوسط عام بين 1992 و1998. وهذا الرقم يرجح له ان يزداد سنويا وفي حدود المليارين ونصف المليار دولار بالتقدير المتفائل مهما كانت كلمات البيان الوزاري منمقة ومدروسة باعتبار ان العبرة في التنفيذ دائما بل القدرة على التنفيذ. ان هموم الحكومة الحريرية كبيرة جدا وموسعة بحجم سعتها التمثيلية بل أكثر بكثير، وان هموم رئيس الحكومة ذاته اصبحت اكبر بكثير من حكوماته الثلاث السابقة. لذلك يخلص القول الى ان عدم التقيد بمواعيد وبوعود قد يعفي الحكومة من المحاسبة في حال عدم القدرة على التنفيذ، الا انه بحد ذاته سيف ذو حدين الأول هو انه يضع مصداقيتها على المحك، والثاني هو انه يخفف من امكاناتها على اتخاذ القرارات المحددة في الوقت المحدد وبالتوجه الذي قد يخالف التوجهات ولو كانت موجعة على صعيد الناس. ويبقى الخوف الأكبر بل الهاجس ان يتحول البيان الوزاري كسائر البيانات السابقة التي تحولت الى ما يشبه البيانات الصحافية والاعلانية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة