هل ما زلت أنتمي إلى الثقافة اللبنانية والعربية
في رواية سابقة لها «امرأتان على الشاطئ» تصور لنا حنان الشيخ لقاء امرأتين لبنانيتين تعيشان في الغرب، تلتقيان في بيروت فتنشأ بينهما صداقة حيث تتبادلان هواجسهما وتتناقشان في الكثير من الأمور. هاتان الشخصيتان تعودان في كتابها الأخير «عذارى لندنستان» (دار الآداب) لتلتقيا بعد عام في لندن، في «الهايد بارك»، حيث تستمعان إلى خطيب «تكفيري» يحاول اقناع مستمعيه بصوابية كلامه. ومن هذا الصدام تنويان أن تدخلاه في مغامرة مثيرة: أن تقنعاه أن العذراوات يمكن أن ينوجدن على الأرض لا في الماوراء فقط. حول كتابها هذا وزيارتها بيروت، حيث توقع كتابها في معرض الكتاب يوم 29 الحالي، كان هذا الحوار. بعد هذه الفترة الطويلة من الإقامة في لندن، ماذا تعني لك بعد بيروت؟ هل زيارتك لها نوع من الحنين، أم «رفع عتب» أم ماذا؟ ^ آتي إلى بيروت لمرتين في السنة، أشعر دائما بأن بيروت معي حتى وأنا بعيدة عنها. سواء في الماضي أو الحاضر أو حتى في المستقبل أشعر بأني معنيّة بها. أنا لبنانية في نهاية الأمر. من هنا لا آتي كرفع عتب. صحيح أن لدي أهلاً هنا، ولا آتي لأني أشتاق لهم كثيرا بل هناك أيضا أصدقاء، المدينة بحد ذاتها تدفعني إلى المجيء. لكنْ أيضا ثمة عذاب في ارتباطي بها لأني أشعر برغبة في أن أكمل مشواري وأنهيه في المكان الذي بدأت فيه وأن أجعلها محطة أنطلق منها لرؤية العالم. ثمة شرخ في حياتي، إذ أقول لنفسي من الجيد أنهم يذكرونني بعد أو أن يسأل أحدهم «لماذا ما زالت تكتب بالعربية، على الرغم من أنها سافرت منذ فترة طويلة». من هنا أتساءل: هل ما زلت أنتمي إلى الجو الثقافي والأدبي اللبناني والعربي؟ ما دمت لا أزال أكتب بالعربية وانتماءاتي لا تزال على حالها. شخصية أجنبية إلى أي درجة لعبت لندن، هذا المكان الآخر، دورا في حياتك وكتاباتك؟ هل أثرت بهما؟ تقولين إنك تتساءلين إذا ما زلت كاتبة عربية. ماذا تشعرين أنت؟ ^ بالتأكيد أثرت، وبشكل كبير.. مجرد أن أكتب باللغة العربية أشعر بأني كاتبة عربية. لكن السؤال هو ماذا يفكر القارئ وخاصة الجو الثقافي. مثلا في انكلترا كانوا يقولون اللبنانية حنان الشيخ اليوم، لا يقولون البريطانية، بل المولودة في لبنان. أي أنهم يعتبرونني بريطانية تقريبا. ولأعد إلى الشق الأول من السؤال، طبعا أثر الغرب في عملي وفي طريقة تفكيري وفي ما أكتب، لذلك كأنني أميل الآن إلى الكتابة عن عرب في الغرب. لا يمكن أن أتصور نفسي أنني أكتب عن شخصية أجنبية مئة بالمئة. وفي الوقت عينه لا يمكنني أن أكتب عن شخصية عربية لبنانية أو غيرها عاشت حياتها كلها في وطنها، إذ أحس كأنني أتصنع ذلك. لأنني حين أكتب يجب أن يكون لدي الهاجس اليومي لحياة هذه الشخصية. صحيح ذلك، لكننا نجد أن هواجس غالبية شخصياتك هي هواجس شرقية وعربية؟ ^ صحيح لكنها شخصيات تعيش في الغرب، مثلا لو أخذنا «إنها لندن يا عزيزي» هي رواية عن سيرة أمي التي أعادتني إلى لبنان وإلى الجنوب والطفولة، وهذا هو السبب في «عودتي»، ولا أخفيك أني شعرت بالدفء وأنا أكتب هذا الكتاب. لكن في العمق لا يمكنني الكتابة إلا عن شخصيات عربية تعيش في الغرب، حتى وإن كان البعض يرى أني أصبحت كاتبة «استشراقية». أعتقد أن هذه الرؤية نابعة لأني كتبت «مسك الغزال» أصلا حين صدر هذا الكتاب، كانت رواية «حكاية زهرة» في طور الترجمة ولم يكن قد صدر لي أي كتاب في الغرب بعد. سأعود إلى حكاية الاستشراق هذه، ألا تعتقدين أن ذلك مرده أيضا إلى أنك تكتبين عن هذه الحالة المتدينة التي تجتاحنا؟ ربما من السهل أن نجد هذه التهمة ونلصقها بمن يقف ضد هذه الحالة؟ ^ ربما، لكن هذه النغمة، نغمة الاستشراق، بدأت قبل ذلك بفترة طويلة، بدأت مع «مسك الغزال» إذ قالوا «إن الغرب يريد روايات كهذه». مع ان هذه الرواية بعيدة جدا عن الاستشراق وهي خلاصة تجربة حياتي في السعودية، إذ إن ظروف حياتي دفعتني إلى الذهاب إلى هناك، وكنت مسرورة جدا في ذهابي هذا، لأني اكتشفت هناك عالما لست أنا وحدي من لا يعرفه بل العالم بأسره لا يعرفه. لقد شاهدت المجتمع هناك والتناقض ما بين المجتمع الديني المنغلق وما بين المجتمع المنفتح، وكيف يمكن للصحراء أن تكون واحة حرية لأنها واسعة وشاسعة ولا تشعر بأن لها بداية أو نهاية، وفي الوقت عينه هي صارمة وضاغطة. صادف أن كنت هناك، لمدة ثماني سنوات، فجاءت هذه الرواية كما مجموعتي القصصية «وردة الصحراء». هذا هو العالم الموجود، لا العالم الاستشراقي. لم أكن يومها قد عشت في الغرب بعد. «عذارى لندنستان» روايتك الأخيرة صدرت حديثا (دار الآداب) بعنوان «عذارى لندنستان»، سأقول بداية إنها تُقرأ من عنوانها، وكأن لندن صارت جزءا ما من أفغانستان وباكستان الخ، لكثرة وجود «التكفيريين» فيها والمتشددين.. إلى أي درجة ترين ذلك في لندن في واقع الأمر؟ ^ إنها رؤية المشايخ التكفيريين كذلك الشبان المتشددين والمتعصبين، إذ هذا ما يكتبونه لبعضهم البعض، يقولون «أراك في لندنستان». لست أنا من اخترع هذه العبارة، بل قرأتها مرة في رسالة كتبها شخص من الأردن إلى آخر يعيش في لندن. أنظر إلى ما يجري اليوم، غالبية الانتحاريين اليوم يأتون من انكلترا (وأوروبا). هناك أزمة حقيقية راهنة في بريطانيا، أزمة مفادها «ماذا سنفعل مع أولئك» الذين يذهبون إلى «الجهاد»، كيف علينا أن نمنعهم وكيف سيعودون في ما بعد، إذ هل سيسببون ضررا وشغبا بعد عودتهم؟ هناك نقاشات كثيرة، وهناك خوف كبير وتحسب لما سيجري. صادف أني كنت أسير يوما في «الهايد بارك» في «السبيكرز كورنر» وشاهدت صداما بين شخصين، بين شاب يناقش خطيبا مغربيا أو يمنيا، لم أعد أذكر، ما أذكره أن هذا الخطيب لا يعرف كثيرا عن الإسلام.. فجأة لمعت القصة في رأسي. وعدت وتخيلت شخصيتي روايتي «امرأتان على الشاطئ» هدى وإيفون. أحسست أنني هدى وإلى جانبي إيفون، على الرغم من أني كنت أسير وحدي... لماذا استعدت هاتين الشخصيتين؟ ^ هما امرأتان لبنانيتان، مسيحية ومسلمة، التقتا في لبنان. في هذا اللقاء، تحادثتا عن شجونهما المختلفة الدينية والحياتية وعن هواجسهما الخ... ربما ما زلت في هواجسي هذه التي كتبتها، من هنا استعدتهما إذ عادتا لتلتقيا في لندن بعد عام من لقائهما الأول في لبنان.. في أي حال تتصادمان مع هذا الشخص العربي وتحاولان أن تقولا له إن هناك عذارى على الأرض ولا ضرورة لأن يذهب إلى الجنّة للقائهن. ما أريد قوله هو كيف أن هؤلاء الذين يغادرون بلادهم هربا من الظلم والبطالة والجوع ويأتون إلى الغرب ليحسنوا أوضاعهم، نجد أنهم يريدون تحويل الغرب ليصبح أشبه بالمدن التي هربوا منها. كيف تفسرين هذا الأمر: أقصد كل قيادات الجمــاعـات التكفـيرية، تعـيش في أوروبـا وحتى أنك تجدين خطابهم أقسى وأعنف وأصعب. ^ جوابي هو: الحرية والديموقراطيـة. هناك ديموقراطية حقيقية، يمكنك أن تشتم الملكة وأن تفعل ما تريد ولأنك أجنـبي يخـافون أن يطرحوا عليك سؤال ماذا تفعل خشية أن يتهموا بالعنصرية. مؤخرا استـمعت إلى امرأة باكستانية تتحدث في احدى الاذاعات هناك – ولديــها ولـــدان ذهـبا إلى ســوريا وقتــلا هناك – طالبت البريطانيـين بأن يدخلوا ويروا ما يحدث في الجوامع من دون الخـــوف أن يقال عنهم انهم متعصـبون وعنصريون أو علــى الأقــل أن يراقــبوا مـا يحـدث. أعتقد أن الديموقراطية والحرية هما اللتان تسمحان للتكفيريين بالتمركز في لندن. لا اريد أن ألوم الغرب، لكن ما الذي يدفع باكستانيا ولد هناك ألا يكون انتماؤه إلى انكلترا؟ أجرى الحوار: إسكندر حبش