رحل سلام الراسي واختفت تلك الإطلالة الجليلة المتواضعة الأليفة، الآتية من خبايا التراث وبَرَكة الأيام، وتحمل في ملامحها البهيّة الكثير من الوقار، وسمات حكماء الزمان وعقلائه. لقد انتهى كما كانت تنتهي سِيَر أبطال حكاياته، وتتوّج بحكمة، أو بقول مأثور، أو بأكليل من الغار. رحل لكنه لا يغيب، إن أمثاله لا يموتون. فاللبنانيون، بكل طوائفهم وأجيالهم، قد أجمعوا على تقدير «شيخ أدبهم الشعبي»، الذي أدمن حبّهم، وحمل همومهم واهتمامتهم، ونطق بأسمهم، وترك أثرّا عميقًا في أذهانهم، وأصبح جزءًا حميميًا من ذاكرتهم الثقافية والوطنية. رحل سلام الراسي وترك لنا إرثًا أدبيًا استثنائيًا، يغطّي مساحة واسعة من أبواب الأدب الشعبي والمشهد القروي، ويتجلّى، أكثر ما يكون، في أدب الحكاية كأبلغ وسائل التعبير العامي. لكنّ هذا الإرث لم يكن مجرّد عمل تجميعي، بل إنجازًا تأليفيًا يتّسم بالريادة، والأصالة، والإبداع. ومن بين أبرز وجوهه أنّه يحمل في أبعاده الإنسانية، رسالة حكمة وحوار وتنشئة وطنية. ويمكن القول، إستنادًا الى مقولات الراحل الكبير، أنّ رفعه لشعار الأدب الشعبي، أو «أدب النّاس للنّاس»، كان من اجل ثلاثة أهداف وغايات علائية، وفي خدمة ثلاثة إتجاهات إرتقائية. الهدف الأول: علاقة التلازم بين التراث والتراب. جمع سلام الراسي المأثورات الشعبية، وعمل على نشرها والتبشير بها، لغايات سامية، أبرزها تأصيل ثقافة الإنتماء الى الأرض والوطن. لعلّ عناوين مؤلفاته مثل: «في الزوايا خبايا»، «لئلا تضيع»، «جود من الموجود»، «ثمانون: أو العمر الدائب في البحث عن المتاعب»، «قال المثل»... هي عناوين جهوده في سبيل إنجاز هذا الهدف. فهو كان يعي تمامًا أهمّية إحياء الذاكرة الجماعية المشتركة بين اللبنانيين، والعناية بها، لإنقاذها من الضياع والتشتت والإندثار ، لتقديمها الى الناس، كتراث وطني ثمين. وذلك من خلال نهج جديد، غاية في الطلاقة والإمتاع والتشويق المشبع بروح الظرف والفكاهة، ويجمع بين جاذبية المضمون، وسحر الأسلوب اللغوي، وكلّ مواصفات الحكواتي البارع. وكلّ ذلك من أجل تأصيل وعي وطني يقوم على الربط بين التراث والهوية والإنتماء، أي على تأكيد علاقة التلازم «بين التراث والتراب». ويكاد لا يمرّ حديث له، أو كتاب من كتبه إلاّ ويذكّرنا بأنّ «من لا تراث له لا وطن له»، «والويل لأمة لا جذور لها»، «محبّة التراث هي جزء من محبّة التراب»، ومن أقواله المأثورة في هذا الصدد: «لا بدّ من وجود قرابة بين التراث والتراب، وقد يكون التثبّت بالتراث أحد أجدى الدوافع الى التثبت بالتراب، لأنّ من كانت له جذور عميقة في تراث آبائه وأجداده يصعب اقتلاعه من بيتع وأرضه ووطنه». الهدف الثاني: التراث من مقوّمات وحدة الشعب إن الحسّ التراثي عند سلام الراسي هو في الأساس حسّ وحدوي، وروح وفاقية، ومدخل الى تدعيم العيش المشترك. وفي هذا الصدد كان يردّد دائمًا، وفي جميع المناسبات، «أنّ التراث يخصّ جميع الناس، لذلك فهو يجمع ولا يفرّق»، ويعدّ «من مقوّمات وحدة الأرض والشعب»، «ولا مواطنية بلا ولاء الى تراث وتقاليد». وكلّنا نعلم أنّ «شيخ الأدب الشعبي» الذي شهد خلال الأحداث المأسوية التي عصفت بالبلاد، كلّ أشكال التفتيت الطائفي، والإنهيار المحزن للقيم اللبنانية، قد جسّد في شخصه، وعلى نحو مبدئي، الحالة الوطنية الوفاقية، فكان نموذجًا حيًا لثقافة الحوار والإنفتاح والتسامح، وتقبّل حياة الشراكة مع الآخر، والتمسّك بالوطن الواحد. وقلّ ما شاهدنا إنسانًا مثله يعامل كلّ الناس على أنّهم أخوة. وفي هذا التوجّه التجاوزي للوضعية الطائفية وصراعاتها المذهبية، يكمن سرّ من أسرار إجماع اللبنانيين على تقدير أدب سلام الراسي، والتمسّك بذكراه. الهدف الثالث: أدب النّاس للنّاس النّاس هم الموضوع الأوّل، والمحور الأساسي لمشاغل سلام الراسي الأدبية. كلنا نعرف شعاره الشهير الذي «اتّخذه عنوانًا أو قاعدة يسير عليها في كل مؤلفاته، ومفادها «أنّ عامة النّاس، وفي كل مكان هم وطنه، ما قالوا وما فعلوا»، فهو في كلّ الظروف كان لسان حالهم، ومظهر من مظاهر وجدانهم. ومما لا ريب فيه أنّ سلام الراسي سار في أدبه ينهل من مدرسة الحياة، ومن معين الأرض، وينابيع الحكمة. لكنّ سرّ نجاحه يكمن، أكثر ما يكون، في اتقانه فنّ الغوص في النفس الإنسانية، وفي موهبة إقامة شبكات التواصل مع النّاس، والتفاعل مع حكاياتهم ومشاعرهم ومآثرهم. أمّا بالنسبة الى الإتجاهات، فإننا نميل الى الاعتقاد أنّ شيخ الأدب الشعبي كان يطمح الى تحقيق ما يلي من التطلّعات: الإتجاه الأوّل: تقديم الأدب الشعبي الى الجيل الجديد. في عصر الفضائيات والأنترنت حاول سلام الراسي جذب انتباه الجيل الجديد الى الطابع الإنساني لتراثنا العريق، الغني بالمآثر، حيث تتجلّى حكمة الأجداد، وتتوهّج مأثوراتهم الحياتية، وجمالية فولكلورهم، وروعة النماذج السامية لبطولاتهم. فأدب سلام الراسي هو، على العموم، أدب الإعجاب بمواقف الشهامة والنخوة والكرامة والاستقامة ومكارم الأخلاق. ومما لا ريب فيه أنّ شيخ الأدب الشعبي قد نجح في هذا الاتجاه. وكم كانت دهشته كبيرة عندما لاحظ إقبال الشباب على الإستماع إليه، وقراءة كتبه، وحفظ حكاياته، والاستشهاد بأمثاله وأحاديثه. ولا بدّ من القول، في هذا السياق، أنّ سلام الراسي قدّم «زوّادة خير وبركة لأحفادنا»، وأسهم فعليًا في تأسيس وعي تربوي وتراثي، يقوم على إعطاء الأدب الشعبي وظيفة في التنشئة الإجتماعية، ودورًا فاعلاً في ترسيخ القيم والفضائل التقليدية، كبديل عن التغريب المجتمعي. الإتجاه الثاني: الأدب الشعبي ومواكبة العصر. حاول سلام الراسي الإرتقاء «بأدب النّاس» الى مقام الأدب المرموق، ونجح في التأكيد أنّ هذا الأدب، الذي تكمن فيه ثقافة شعبية متكاملة من حيث عفويتها وعراقتها وجمال مفاهيمها، قابل للحياة، ويستطيع أن يواكب الحاضر، وأن يمتدّ الى المستقبل. فاتّخذت مؤلفاته طابع الرؤيا والاستكشاف، واستطاعت ربط الحاضر بحركتي الماضي والمستقبل. وتركّزت، أكثر ما يكون، على تجسيد حضارة القرية في قلب الحداثة، وعلى إحلال التوازن بين الأصالة والتجديد، في عالم القيم والإنسان. لأنّ أدبنا الشعبي، بالنسبة الى سلام الراسي، يعبّر عن واقع إنساني أصيل، وهو يجمع، في طيّاته، أدب شعوب وحضارات متعدّدة عبرت في بلادنا. كما أنّ خصوصيتنا الثقافية ليست فقط خصوصية ماضوية، بل هي خصوصية شراكة في الحضارة، وفي القضايا الإنسانية العامة. الإتجاه الثالث: إتاحة المأثورات الشعبية للباحثين ترك لنا سلام الراسي ثروة من القصص الشعبي التي تنطوي على الكثير من الأمثال والحكم، والنوادر، والأساطير والمعتقدات، والطرائف، والرموز، ومصطلحات الكلام، والأشعار والأزجال. ويتضمن هذا الموروث حضارة شعبية متكاملة المعالم، ومدخلاً حقيقيًا لفهم أحوال التاريخ الإجتماعي اللبناني. وعلى هذا الأساس تشكّل مؤلّفات سلام الراسي مرجعًا قيّمًا للباحثين في ميدان الأنتروبولوجيا والعلوم الإنسانية، لكي يدرسوا من خلالها، الشخصية التقليدية، والذهنية الشعبية، وتاريخ حياة طبقة العامة، وحصيلة تجاربها الحياتية. ومن أقواله في هذا السياق: «سعيت، وما زلت أسعى وراء المأثورات الشعبية لجمعها ونشرها وإتاحتها للباحثين، لكي يدرسوا من خلالها خلفيات حضارتنا اللبنانية الأصيلة». وفي كلّ الأحوال لن ننسى سلام الراسي، على ما بذل من جهد في سبيل الأدب الشعبي، وسوف يبقى علامة فارقة في ذاكرتنا الجماعية، وظاهرة فكرية نموذجية، وأحد رموزنا الثقافية الساطعة، ومنارة وطنية قاعدتها محبة الناس، وما نتج عنهم من مآثر وإبداع. كلّ ما نتمنّاه أنّ لا تضيع إنجازاته في مهبّ الأحداث المأساوية ومشاغل الحياة اليومية. فهو قد فتح لنا أبوابًا كثيرة للعناية بالثقافة الشعبية، من أجل مستقبل أفضل، ووجد في الزوايا الكثير من الخبايا، وقد يكون أفضل تكريم له أن نتابع رسالته، ونطوّر نهجه الإبداعي المفعم بالعطاء والقيم والأصالة، ونرسم صورة للبنان كوطن جدير بالمحبة والاحترام.