As Safir Logo
المصدر:

»بحار الأنوار« وشخصية الإمام في الموروث الحكائي

عاشوراء لحسن اسماعيل زاده
المؤلف: زين الدين احمد التاريخ: 2000-10-27 رقم العدد:8742

في الذكرى المئوية الثالثة لوفاة العلامة محمد باقر المجلسي صاحب »بحار الأنوار« أضخم مدوّنة إخبارية شيعية تربو مجلداتها على المئة، يقف المثقف الشيعي المتدين على وجه خاص، وقفة المحتار المتسائل، وهو يقلّب هذه المادة الغزيرة بين يديه، وهي ما تفتأ تُطبع في بيروت وطهران، مرة تلو اخرى، دون ان يتسنى لطرف ما أن يختصرها ضناً بالمال والعرق وإجهاد النفس في تقصي مروياتها وأحاديثها المكررة في الموضع الواحد والجزء الواحد مرات عدة دون جدوى. وتزداد الحيرة عندما يقرأ هذا المخزون الإخباري الهائل أو بعضا منه، فلا يرى في جلّ متنه ما يعبّر عن الأحداث الواقعية او المعقولة، بقدر ما يرى فيه صنيع مخيلة تشتطّ في خلق صور إيهامية ما فوق طبيعية، وابتكار مرويات عجائبية إعجازية. وهو حالئذ يتردد بين أمرين: إما ان يقبل ما صحت أسانيده وتوفرت عدالة رواته، وغير ذلك من شروط تقليدية متعارف عليها عند المشتغلين بالفقه، مثل أصناف الاحاديث ودرجاته تحسينا وتقبيحا، ومثل عدالة الرجال وتجريحهم، وسواها من مصطلحات ومفردات تعسر على غير المختص ان يخوض فيها. وهي شؤون لا يجيدها عادة الا الفقهاء الملمون بهذا الحقل والذين تتوافر لديهم الكفاءة. والأمر الثاني ان يُرغم هذا المثقف على نبذ هذه المرويات طُرّا، لأنها تتهافت ازاء ما قرّ في ذهنه من معايير العقلانية وضرورات التفكير المنطقي ومنطوق العصر، ولا تجدي في بناء تصوره العقائدي المقبول من الآخرين. والحال ان هذا الموروث الاخباري لم يقاربه فقهاء الشيعة إلا مقاربة تقليدية تقوم على فحص الأسانيد ومعرفة الرواة. وبناءً عليه ارتاب بعض العلماء كالسيد معروف الحسني مما وُضع من روايات او أحاديث شيعية خصوصا تلك التي تنحو منحى أسطوريا حتى في كتاب مثل »الكافي« للكليني، وهو يُعد من صحاح الشيعة. كما نصح العلامة محمد حسين فضل الله بعدم قراءة كتاب »القصص العجيبة« لآية الله دستغيب، الذي رُوّج بين الناس فترة من الزمن. إزاء هذا المأثور الضخم من المرويات في »بحار الأنوار« لا يملك الباحث المطّلع على طرائق النظر الحديثة والمزود بأدواتها النقدية، الا ان يُقارب هذا الموروث الشعبي، ما دامت أجيال من الشيعة تتقبّله وتتداوله وتعتقد به، يُقاربه بوصفه نسقا متكاملا رغم تبعثر عناصره، يعبّر عن رؤية جماعية تدور حول نواة تاريخية تتخذ إهابا أسطوريا. والإهاب الاسطوري كما بيّنت الانتروبولوجية المعاصرة والإناسة الدينية والخيالية تحديدا، قادر على إظهار خصائص الحدث التاريخي في أنقى حالاته وأشدها جلاءً، حسب عبارة كلود ليفي ستروس. بحار الأنوار إزاء هذا الإرث الجماعي بمواده الاسطورية والخيالية، نوظّف قاموس العلوم الانسانية الحديثة وخصوصا الإناسة التخييلية وعلم النفس الجماعي لنستخلص من هذا الموروث لا مقوّمات العقيدة الشيعية كما تبلورت على أيدي علماء الكلام، وإنما لنحيط بالنسق التصوري لشكل من أشكال الثقافة الشعبية المهمشة شبه الأمية واليوتوبيا الدينية. ومثل هذه المدونة الاخبارية في »بحار الأنوار« ذخيرة روائية هامة تنم عن آلية تخييلية تنبني حول رموز وأنماط أصلية مستقرة في اللاوعي الجماعي البشري، وموظفة للاستعلاء على الواقع القهري والغبن السياسي والتاريخي. وتتكوكب حول منظومة النور. وقد التمس الشيعة في هذا المأثور وقد أرخت المظالم السياسية ثقلها عليهم، حماية متخيلة وإرضاءً وهميا للذات الجماعية الممزقة. وشكلت شخصية الإمام علي المحور، وقد تجردت من عمقها الانساني ومن طينتها الارضية لتُحمل على أجنحة الموروث الحكائي والمخيلة الشعبية المضطهدة والمحبطة الى ما فوق التاريخ وما فوق الزمن البشري، وليشكل هذا المخزون الإخباري التخييلي حقلا دلاليا شديد الخصوبة بصوره وأطيافه العجائبية، ومعينا لا ينضب من الاستيهامات المرمزة والمتوالدة من ذاكرة تلوذ بمبدأ التشابه والتماثل. »فكما كان في الأمم السالفة يكون في هذه الأمة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة«. وتتحول الاشارات التاريخية الى إشارات باطنية روحية على غرار الفكر الصوفي. ولا تعود الخلافة طموحا سياسيا، وإنما تصبو بفضل ما يسميه هنري كوربان »المخيلة الخلاقة« الى القيام بدور السلطان الروحي على البشر. وبالفعل يتحرر هذا الموروث الحكائي من التحقيب التاريخي المتداول في الكتابات الكلاسيكية وفي الفكر البراغماتي ليصوغ زمنه ما فوق الحسي "Supra - sensible" مخترقا برواياته الايهامية الميتاتاريخية المحكومة بعقدة الاستخلاف التاريخ القائم والواقعي. حاجبا السياسي والسلطوي في لباس العجائبي الإعجازي. التاريخ الشيعي كما تجلوه هذه المرويات المؤسطرة والمؤدلجة تاريخ دوري يقوم في آخر الزمان كما قام في أول الزمان. وينتسب الى أصل مسطور في عالم الغيب. عالم الميثاق الاولي والولاية التكوينية. وبدون هذه الوقائع الأولية والمسبقة »في السماء« وبدون علم معاد، يكون من الخُلف الخالص أن نتكلم عن اي معنى للتاريخ. والتاريخ بهذا المعنى سيرورة روحية تبدأ من ولاية آدم، بل من عالم الذر »عالم الخلق الأولي« وتنتهي بدولة الإمام المهدي النشورية. ويقوم هذا التاريخ على علامات وآيات ورموز هي حصيلة تفاعل طردي بين حركة المخيلة الشيعية التي تبني تاريخها النموذجي الترشيني المثالي الموجه نحو مستقبل اخروي، وبين حقل تاريخي دنيوي معاد لها، فارغ من أي معنى ومطبوع بطابع القوة الزائلة المؤقتة. وبحصيلة هذا التفاعل تتشكل شبكة تخيليية تعيد استخدام الأساطير والمخاريق والتأويلات كمادة إسقاطية تبني الواقع وفق رغبات هذه الكتلة الدينية المحبطة والمضغوطة، وتتمحور حول صورة البطل الإمامي الممثلن الذي يعمل على استقرار التوازن المفقود، ويقوم بوظائف دفاعية عن الذات الجمعية المقهورة والمسلوبة حقوقها. فيغدو هذا الموروث الاخباري في حياة العامة من الشيعة جزءا من نسيجهم الانفعالي والوجداني في غياب شروط تحررهم السياسي الاجتماعي. وقد سبق لجيلبير دوران انتروبولوجي الخيال أن عدّ الخيال الرمزي عاملا من عوامل التوازن النفسي الاجتماعي. والإيحاء الرمزي »يقظة الروح بما يتجاوز الحرف« لذا نرى في هذا الموروث على ما فيه من رواسب لا عقلانية واستدماجات ميتولوجية مستوحاة من الأديان السابقة ومن التيارات الغنوصية وقصص الأنبياء والأولياء والمتصوفة، ومن إسنادات قرآنية وتأويلات باطنية، نرى استجابة نفسية عميقة لاستحضار صورة البطل والقطب النوراني السماوي الذي تهفو إليه أفئدة المستضعفين المغلوبين، وقد غلّفه الموروث الحكائي بكل الرموز الاستعلائية العمودية التي تتعالق بها مفردات الطهارة والنورانية والشعشعانية، والمحمولات والصور المهيمنة الدالة على السمو والفعالية الروحية والاخلاقية والإيحاءات الفردوسية السماوية. الحمل بلا دنس شكّلت مدونة »بحار الأنوار« الاخبارية بما احتوت من أحاديث جمعها وصنّفها محمد باقر المجلسي في العهد الصفوي، ردة فعل طبيعية ازاء نفوذ بني أمية القوي في تدوين الحديث، وقد روى النسائي أحد جامعي الحديث عند السنة عن نفسه انه انتقل الى دمشق لجمع احاديث في فضائل الإمام علي فثار عليه العامة في المسجد حتى كادوا يسحقونه بأقدامهم وقد جمع المجلسي ما سبق ان صنّفه الشيعة الإخباريون خصوصا منذ العهد البويهي. إذ اغتنموا الفرصة للاستفادة من الحرية التي أباحها لهم البويهيون الذين اعتنقوا التشيع. ورغم ان المجلسي أورد في بيان وجوب الإمامة الاعتبارات الكلامية والدلائل العقلية، الا ان الاحاديث المروية ودلائل النقل طغت على ما عداها، واشتط في تدوين ما يُحسب عادة من روايات الدهماء وخرافاتهم وأخبار فرق الغلاة، والاسرائيليات، وبدعم من الصفويين الذين كانوا يخوضون حربا ضروسا ضد جيرانهم العثمانيين السنيين، أضحت مدونة البحار بمثابة إيديولوجية شيعية مضادة. وفي »البحار...« إذا ما استخدمنا أدوات الانتروبولوجيا الرمزية نقع على الأصول الاشراقية النورانية التي تحفّ بسيرة الإمام علي المتخيلة والموازية لسيرته الواقعية الانسانية. وتتمثل صورة الإمام بصورته السماوية السابقة على ولادته الارضية المطهرة من كل دنس. ويأخذ المجلسي بالرواىة الشيعية المتداولة حتى بين غير الإخباريين والتي تقول: ان الله خلق محمدا وعليا من نور واحد قبل ان يُنقل الى أصلاب الرجال وأرحام النساء ويفترق نصفه في عبد الله ونصفه في أبي طالب. هذه الرواية تشكل في »بحار الأنوار« البؤرة التي تتوالد حولها الصور النورانية وتتمحور حولها الدلالات والرموز الاستعلائية الحافة بظهور صورة الإمام علي كبطل شمسي. ويلازم هذا الاستعلاء والارتقاء نحو السماء اتجاه نحو التطهر والسمو، وتنحو مثل هذه الرمزية العمودية حسب »دوران« الى السيادة الروحية. وهذا الخلق من سلالة نورانية سبق للزرادشتيين الفرس ان زعموها لنبيهم فقالوا ان الله خلق زرادشت في ملكوته الأعلى خلقا روحانيا، قبل ان يحوّله الى نور متلألئ على صورة الانسان وأحفّ به الملائكة المكرمين، ثم مازج شبح زرادشت لبن بقرة فشربه أبوه فصار نطفة ثم مضغه في رحم أمه. وقد توافرت في »بحار الأنوار« واسم الكتاب دال على ما نزعمه من الصفات النورانية كل المزايا المكونة لشخصية البطل الميثولوجي في البعد الشمسي الذي يحمل صفات الأبوة الروحية، ويُنظر اليه كبطل وفارس جبروتي القوة يتماثل سيفه بشعاع الشمس. وككل بطل شمسي هو بطل نشوري شفيع الموتى يقودهم الى الآخرة على غرار الأرباب المصريين. وهو قسيم الجنة والنار وقاضي الجن والإنس. وتقترن صورته بصورة الأسد، أحد الحيوانات الشمسية المقدسة، ويتحكم بالمياه والزرع والضرع. ولا تتوانى »بحار الأنوار« عن ان تقدم الدلالات العجائبية الحافة قبل ولادته او المتزامنة معها، والنبوءات المبشرة به، والتبدلات الكونية المرهصة بولادته. هذه الولادة التي تُعتبر حدثاً غير عادي وظهورا استثنائيا لكائن منذور لأداء مهمة ربانية، وموعود بالولاية المطلقة على الناس والكون. الولادة هنا كما ترويها »البحار« ولادة بتولية تشبه الولادة من الروح القدس او من الكلمة الإلهية. وقد تمت عندما قدم الراهب مثرم رمانة من فاكهة الجنة أكلها أبو طالب وتحوّلت ماءً في صلبه فجامع امرأته فحملت بعلي. وزلزلت الأرض أثناء المخاض به ولم تستقر إلا بتدخل أبي طالب طالبا من أهل مكة الإقرار بولاية ابنه وأن يشهدوا بإمامته. الحمل هنا بلا دنس، وتظهير أرضي إنساني لما سبق تكوّنه في السماء، ولما قضت به المشيئة الإلهية، وهو حمل إن حصل في رحم إنساني فهو لم يتخلق من النطفة البشرية المعتادة، وإنما من النطفة الإلهية، من الرمانة، الثمرة الفردوسية التي صارت لقاحا سماويا، يلائم طهارة المولود السماوي وطيب أرومته، ويحاكي ولادة المسيح. وتثبّت نبوءة مثرم الذي بشر بولادة الإمام علي وطلب أبي طالب إقرار أهل مكة المسبق بالولاية أركان الميثولوجيا السياسية الشيعية التي ترى الى هذا الإقرار قرينة على ان مقياس الولاية الباطنية التي سيتولاها الإمام منذ لحظة ظهوره على الأرض، لن تكون منّة من الناس، او ثمرة إجماعهم في مرحلة ما، او تفويضا سياسيا منهم. إنما مثل هذا الإقرار بالولاية لحظة المخاض ترجع في أصلها الى الوجود الأزلي للحقيقة المحمدية، والى سابق وجود علي وذريته في الملأ الأعلى كأنوار إلهية. من هنا يذكر الراوي في رواياته الأمارات والآيات العجائبية الدالة على أزلية الولاية، بدل تقصّي المبررات السياسية او التاريخية لمبايعة هذه الكتلة او ممانعة تلك. ويجد الاستخلاف معناه وركيزته فيما قدّرت المشيئة الربانية واختارته منذ الأزل من تكليف بهذه الولاية. وفي »أصول الكافي«: ما جاءت ولاية علي(ع) من الأرض ولكن جاءت من السماء. والنظرة الى الولاية تتجاوز الأعراف السياسية وآليات الحكم وبُناه وطرائقه لتستقر في النفوس هبة لدنية وإرادة إلهية. ولتحوّل الارض التي تظهر عليها الى »أرض سماوية« حسب عنوان كتاب لهنري كوربان. ومكان الولادة موضع يليق بهذا المولود النوراني الأصل، فهو في قدس أقداس المسلمين مكة، وداخل البيت العتيق بالذات، رمز الملكوت الإلهي وسُرّة الأرض التي بدأ منها خلق العالم، والصورة المنسوخة عن النموذج السماوي. وهو المعبد الذي كان قبلا حرما شمسيا قبل ان يُعاد دمجه في المنظومة الاسلامية. قرأ في المهد صبيا وعلى غرار المسيح الذي تكلم في المهد صبيا، قرأ علي عندما وضعته أمه صحف آدم ونوح وإبراهيم وتوراة موسى وزبور داود وإنجيل عيسى، ثم قرأ القرآن. واستعادة هذه القراءات تدل على استبطان الإمام المعنى الداخلي الباطني لولاية أزلية أبدية وحمله عبر دورات الزمن الدنيوي الفحوى الحقيقي للوحي المحمدي، بصرف النظر عن الظروف التاريخية والاجتماعية التي نزلت فيها الآيات. الولاية الممثلة بشخصية الإمام علي الوارث الروحي والوصي المطلق على هذا الوحي، والناطق (القارئ في الرواية) والقيّم عليه وعلى آخر تجلياته (القرآن) وعلى أحكامه الباطنة والظاهرة. (من دراسة مطوّلة)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة