As Safir Logo
المصدر:

ناجي بيضون في «قصائد ساخرة».. السطح الضاحك للواقع المبكي

المؤلف: بزيع شوقي التاريخ: 2014-11-14 رقم العدد:12922

يحتل أدب الفكاهة والسمر والرؤية الساخرة إلى الوجود الإنساني مكانة مرموقة في الإطارين العالمي والعربي. ففي عالم غير عادل وفضاء للعيش مثخن بالآلام والقيم الفاسدة والقهر السياسي والاجتماعي لا يعود التفجع سبيلاً وحيداً لتصريف الأوجاع الزائدة وإعلان النقمة على الواقع، بل يذهب الأدب باتجاه السخرية السوداء والضحك المر للتعبير عما يعتري الواقع من مفارقات وتبدلات غير منتظرة. فعند أقاصي الأشياء وأطرافها الأخيرة يلتقي الأبيض بالأسود، والفرح بالحزن، والحياة بالموت بحيث تبدو الملهاة مأساة مقلوبة على قفاها أو سطحاً ضاحكاً تنطوي أعماقه على محيطات سحيقة من الدموع. هكذا كان الأمر عند الغربيين منذ «الكوميديا الإلهية» لدانتي، مروراً بالكوميديا الشكسبيرية ومسرحيات موليير الرائدة وأعمال جوناثان سويفت الهازئة من البشر، وليس انتهاء بكتابات برنارد شعر الهاتكة لكل طلاء زائف يموه الحقيقة الإنسانية. ولم يكن العرب بدورهم بعيدين عن هذا النوع الأدبي الذي توزع بين الشعر والنثر، فرأينا دعاباته الطريفة في أدب الجاحظ ومقامات الهمذاني والحريري، وصولاً إلى نثر المازني في العصر الحديث. ورأينا تمثلاته الهجائية اللاذعة في شعر المثلث الأموي، جرير والأخطل والفرزدق، كما في شعر إبن الرومي ذي الملامح الكاريكاتورية البارعة. وحين بلغت الحضارة العربية أوج ازدهارها في العصر العباسي الأول بدت قصائد الدعابة والمنادمة والسمر أقرب إلى روح الفرح والانتشاء بالحياة المرفهة منها إلى الكآبة والسخط. حتى إذا انقلبت الموازين في العصور التالية وانحلت الدولة إلى دويلات متنابذة انقلبت الدعابة والمرح إلى تبرم بالواقع أو ثورية مبطنة أو تعريض مفضوح بالخلفاء الدمى والحكام الصوريين. وبرغم ميل الشعرية العربية الحديثة بشكل عام إلى النبرة المأساوية الناجمة عن مأساوية الواقع العربي نفسه، فإن شعراء كثيرين اخترقوا جدار الجدية الصارم وأشاعوا في قصائدهم نبرة مضادة تعتمد على السخرية المبطنة و«تلغيم» المعنى وتقويض السلم المهترئ للقيم السائدة. وهو ما نراه جلياً في نصوص بلند الحيدري وصلاح عبد الصبور ومحمد الماغوط. وعلى الصعيد اللبناني، والجنوبي بوجه خاص، سنعثر، مطالع القرن الماضي وصولاً إلى منتصفه، على تجارب فكاهية بالغة الطرافة لكل من عبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة ومحمد علي الحوماني ومحمد نجيب مروة وعلي مهدي شمس الدين وجعفر الأمين وكثيرين ممن جمعتهم محافل الأدب وجلسات الأنس والسمر، أو ممن أسسوا لما عرف بشعر «الإخوانيات» وحمّلوا قصائدهم ومقطوعاتهم الكثير من وجوه النقد الاجتماعي وتعرية المجتمع المحلي واللبناني من أقنعته الزائفة. وضمن الكوكبة المتأخرة التي انطلقت تجاربها تحت عنوان «شعراء الجنوب اللبناني» بدت السخرية السوداء سمة بارزة في تجربة الياس لحود وبخاصة في ديوانه «فكاهيات بلباس الميدان»، كما في أسلوب حسن عبد الله ومجمل كتاباته. وبرغم أن شعراء لبنانيين كثراً من هذا الجيل كتبوا قصيدة الإخوانيات العمودية فإن طارق ناصر الدين هو الوحيد الذي نشر ديواناً في هذا الباب بعنوان «قصائد ضاحكة» وضمَّنه مقطوعات في الغزل والمنادمة والهجاء المحبب تنم عن شاعرية عالية وحساسة وعن براعة لافتة في الرسم الكاريكاتوري للمواقف والشخصيات المتناولة. قصائد ساخرة في كتابه الأخير «قصائد ساخرة» لا يتابع ناجي بيضون هذا التقليد المتوارث من تقاليد الشعر والكتابة العربيين فحسب بل يتابع الأنموذج الخاص الذي اختطه لنفسه عبر كتبه الثلاثة السابقة «كاريكاتور بالكلمات» و«انتحار عنتر» و«ديوك العولمة». وهذه الكتب تقع مجتمعة، وكما تشي عناوينها، تحت باب الأدب الساخر الذي يجمع بين الدعابة والمرارة، كما بين الطرافة المحببة والنقد اللاذع للأفراد والمجتمعات. وفي القصائد كما في الأقاصيص النثرية تكشف النصوص المنشورة النقاب عما يعتمل في السرائر الإنسانية الداخلية من تناقضات ضدية تصل إلى حد الانفصام الكامل بين الباطن والظاهر. وإذا كان العمل الجديد مقتصراً على الشعر وحده فإن المقدمات النثرية الممهدة للقصائد والمقطوعات لا تقل طرافة وإشاعة لمناخ المرح والظرف من القصائد نفسها. صحيح أن التسجيع المستخدم عند نهايات الجمل لم يعد مستخدماً في النثر العربي المعاصر ولكنه لا يرد عند بيضون في إطار بياني جدي، بل يتم توظيفه في سياق إظهار المفارقة الفاقعة بين منطق العصر ومنطق الشخصية المستهدفة التي تعيش غالباً في عصر آخر ووفق مفاهيم عفا عليها الزمن. وقد لا يكون الأمر كذلك بالنسبة لشخصيات أخرى يتشارك معها الشاعر القيم والرؤى ذاتها، فلا يكتسب التسجيع ساعتئذ دلالة السخرية اللاذعة بل دلالة التحبب والتهيئة لمناخ القصيدة اللاحقة. وقد يستخدم المؤلف أسلوب المقامات المسجعة كما في مقدمة قصيدته الإخوانية «القول الكيِّس في وليمة رياض بن نجيب الريس» التي يستهلها بقوله: «حدثنا الحسن بن خليل بن ابراهيم بن خليل بن ابراهيم بن عبدالله الخيامي التنوخي، وهو شاعر مجيد ومفكر فريد، تكهّل ولم يتبعّل، واجتهد ولم يتطفل، عاشر وما تاجر، وأبدع وما فخر، يصوغ من الكلام الدرر، ويعشعش في جيوبه الطفر...». أما القصائد نفسها فيضعها ناجي بيضون تحت عناوين فرعية عدة تبعاً لطبيعتها وموضوعاتها، مثل «تداعيات غرامية» و«ما يشبه السياسة» و«إخوانيات»، مضيفاً إليها القصائد المتعلقة بمهنة المحاماة التي زاولها المؤلف منذ أربعة عقود ونيف، والتي اقتطعت الكثير من وقته وجهده وحرمته من إيلاء موهبته الشعرية العالية ما يلزمها من أسباب الرعاية والمتابعة الدؤوبة. مدركاً هذه الحقيقة اتجه الشاعر بموهبته الفطرية نحو أدب المجالس والسمر والمؤانسات الإخوانية من جهة، ونحو فضح القيم الاجتماعية والسياسية القائمة على النفاق والتواطؤ والتكاذب وغياب العدالة والاحتكام إلى القوة الغاشمة من جهة أخرى. واللافت في هذا السياق أن النصوص المنشورة لا تعود إلى حقبة بعينها بل يعود بعضها إلى ستينيات وسبعينيات القرن الفائت، فيما بعضها الآخر لم تمض على كتابته أكثر من شهور معدودة. على أننا لا نكاد نشعر بالفارق الزمني بين النصوص، ليس فقط بسبب الطبيعة غير الظرفية للشعر بل لأن الواقع العربي واللبناني بما يحمله من أسباب التخلف والفساد والقمع وانفصام القيم هو ذاته تقريباً. يكفي أن نشير إلى قصيدة «غرام جامعي» حيث الفتاة التي يعشقها الشاعر تلازمه في حرم الجامعة طوال الوقت بينما تنكره بالكامل بمجرد أن تضع قدميها خارج الحرم. أو إلى قصيدته «قعر القفص الزوجي» التي يخاطب فيها صديقه العريس بقوله: «تزوجتَ فاسمع ندائي إليك/ سأذرف كل الدموع عليك/ أطعها فكل الرجال تطيع/ ونفّذ ولا تعترض يا دويك/ فطول لسانك قبل الزواج/ تطيل به بعده أذنيك». أما «القصيدة الكشفية في الإستراتيجية الحزبية» فهي على طرافتها تكشف النقاب عن تحول العمل الحزبي في الكثير من الأحيان إلى وسيلة ملائمة للتواصل بين الجنسين والتنفيس عن العقد والمكبوتات الدفينة في دواخل الفتيان والفتيات. ولعل محمد الماغوط، بجرأته وظرفه المعهودين، قد قارب هذه الحقيقة حين صرح غير مرة بأن انضمامه إلى صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي لا إلى صفوف الحزب الشيوعي لم يتأت عن قناعة سياسية وإيديولوجية، بل لأن الأول كان يملك جهازاً للتدفئة لم يتح للثاني أن يمتلكه. وبيضون من جهته لم يتردد حين أرادت إحدى الفتيات «ضمه» إلى حزبها في إعلان الموافقة على الضم العاطفي والجسدي لا على الضم السياسي، متوسلاً في القصيدة أسلوب المعارضة لمعلقة امرئ القيس الشهيرة وفي مقطوعته «مجانين أمريكا» يختار الشاعر البحر الطويل، الذي اختاره الشعراء العذريون للبوح بمكنوناتهم العاطفية، في لفتة رمزية إلى التماهي الكامل بين جنون قيس بليلى وجنون الحكام العرب بأمريكا: «حبيبتنا إن مانعت وتجاهلت/ يزيد لدينا في الغرام رصيدها/ تعالي، ففي الشرق الغرام مذلّة/ وصدّي ففي صدّ الحبيبة جودها/ جننا بأمريكا وجنّت بغيرنا/ «وأخرى بنا مجنونة لا نريدها». الثالوث المحرّم وقد يكون من المناسب في زمن التكفير الداعشي الإشارة إلى أن البعد الفكاهي في «قصائد ساخرة» لم يمنع ناجي بيضون من التصدي لثالوث الجنس والسياسة والدين، الذي أطلق عليه المفكر السوري بو علي ياسين تسمية «الثالوث المحرم». ففي مقطوعة «قال للشيطان يوماً» لا يتورع المؤلف عن فضح المتسترين بالدين والذين يحتمون بشعائره المقدسة فيما هم يرتكبون الموبقات على اختلافها. ومن بينهم ذلك الحاج الذي «صار للناس ولياً/ وكرام القوم (هجّوا)/ صوته في النطق حلوٌ/ إنما المنطق فجُّ/ قال للشيطان يوماً/ يا رفيق العمر أنج/ ليس ما تلقاه ضرباً/ إن بعض الضرب غنجُ». أو ذلك الذي يمثل دور العباس على مسرح النبطية الكربلائي فيما هو في الواقع صعلوك رعديد لا يكاد يصحو من الثمل: «ولقد رأوك تشخّص العباسا/ سيفاً من الخشب امتشقت وفاسا/ فتوهّم الأقوام أنك فارس/عند الوقيعة تُرهب الأفراسا/ ولقد عرفتك في الليالي صائعاً/ ثملاً يغالب في العيون نعاسا/ والناس تسأل هل لكرش عامر/ أن يرتوي والكأس ينطح كاسا». ليست النصوص التي أوردتها في المقالة سوى عينات قليلة من «قصائد ساخرة» التي تبدو على طرافتها وظرفها بعيدة عن الافتعال والتكلف. ولم يرد الشاعر، عن قصد على الأرجح، ان يرهق نصوصه بالتكثيف الرمزي والأسئلة الماورائية المتعسفة التي لا تشكل مجالاً حيوياً مناسباً لهذا النوع من الكتابة. لكنه بالمقابل أفاد من مخزون الشعر العربي الهائل ليترع قصائده بأساليب المعارضة والتضمين، كما بالإيقاعات والأراجيز والتقفيات الذكية والموائمة لمقتضى الحال. ولا أظن أننا نريد أن نحمّل الشاعر أكثر مما تنكَّبه طائعاً وعن سابق تصور، وهو لو أراد خلاف ذلك لمنح نفسه بكلّيتها إلى الشعر وأحرق من ورائه كل سفينة تعيده إلى أرض الواقع.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة