بعد مرور مئة وثلاثة وثمانين عاما على وفاتها، لا تزال الروائية الانكليزية جاين اوستن تثير اهتمام كتّاب ونقّاد وسينمائيين وقرّاء، على الرغم من اكتفائها بكتابة ست روايات فقط، أربع منها اقتُبست للشاشتين الكبيرة والصغيرة، بعضها أكثر من مرة. اليوم، صدر في فرنسا الجزء الأول من أعمالها الروائية الكاملة، الذي يضمّ »دير نورثانغز« (NORTHANGER ABBEY)، و»كبرياء وتعصّب« (PRIDE AND PREJUDICE)، و»عقل وأحاسيس« (SENSE AND SENSIBILITY)، بترجمة جديدة قام بها الثلاثي ب. آرنو وب. غوبير وج. ب. بيكاردي، عن منشورات »لا بلياد«، في 1168 صفحة؛ الى كتاب كلير تومالن »جاين اوستن، انفعالات رزينة« (JANE AWSTIN, PASSIONS DISCRETES)، نقله الى الفرنسية الثنائي ك. برنار وج. غوميرو روسولون، عن منشورات »اوترومان« (AUTREMENT)، في 412 صفحة. هنا إعداد لمقالة نُشرت في مجلة »لير« الفرنسية في عددها الأخير (تشرين الأول 2000)، الى تقديم للكاتبة والاقتباسات السينمائية والتلفزيونية. نُشرت في مجلة »لير« الفرنسية مقالة لباسكال فري تناولت، باختصار شديد، بعض المعطيات العامة حول الكاتبة جاين اوستن، بمناسبة صدور هذين الكتابين في باريس. جاء في المقالة أن اوستن، »التي كتبت عن ترّهات اليومي، عن حفلات الاستقبال، عن النزهات البرية وأمسيات الرقص في القرى، ألهمت أجيالا من الروائيين الانغلوساكسونيين، من اليزابيت تايلور الى آنيتا برووكنر، مرورا بهنري جايمس وفيرجينيا وولف«. أضافت المقالة أن اوستن تدخل اليوم »مكتبة لابلياد«، التي تنشر لها أول جزء من أعمالها الكاملة (ثمة جزءان آخران)، أعدّه وقدّمه بيار غوبير. في حين أن الكتاب الثاني »سيرة ذاتية لآنسة هامبشاير، التي لم تكن حياتها مثيرة، مما جعل مهمة (كتابة سيرة حياتها) عملا صعبا«. تعاسة الحب المعروف أن جاين اوستن ولدت في السادس عشر من كانون الأول 1775، في منطقة سيتفنتون ريكتوري في مقاطعة هامبشاير، من أب قسيس يدعى جورج، وأم يتحدّر أهلها من عائلة لي، اسمها كاسندرا. جاين هي الفتاة الثانية والمولودة قبل الأخير في عائلة تألّفت من ثمانية أطفال. بسرعة كبيرة، راحت تكتب مجموعة من المسرحيات المتفرّقة، لتسلّي أهلها وأقاربها الذين لم يجدوا هذا الشغف بالكتابة »هوسا، بل مجرّد موهبة أو نزعة« أدبية عابرة. أما بخصوص حياتها الحميمة والخاصة، فعرفت جاين حبا واحدا، »تعيسا بالتأكيد« كما في مقالة باسكال فري دفعها أكثر فأكثر نحو الكتابة، الى درجة أنها بين العامين 1795 و1800 (أي بين العشرين والخامسة والعشرين من عمرها)، وضعت ثلاث روايات هي: »عقل وأحاسيس«، التي استقبلت ك »رواية جديدة تكتبها سيدة«، علما أن نسختها الأولى حملت عنوان »ايلينور وماريان«؛ ثم »كبرياء وتعصّب« (كانت أصلا »انطباعات أولى«) التي وُصفت بأنها »من أروع القصص«؛ جاءت بعدها رواية »دير نورثانغر«، التي كتبتها اوستن في العام 1798 بعنوان »سوزان«. تلتها فيما بعد »حديقة مانسفيلد« و»ايما« و»اقناع« (PERSUASION). إلى ذلك، وصفت فيرجينيا وولف نتاجات جاين اوستن بالقول ان »لا مأساة ولا بطولة« فيها، لأن ما اقترحته الروائية »يبدو مجرّدا من الأهمية«. غير أن هذا »الشيء العادي«، الذي لا يثير الاهتمام، »كبر في مخيّلة القارئ، وحرّك بطريقة دائمة مشاهد (قد تبدو) عادية في الظاهر«. في حين أن البعض رأى أن »أرض استكشافاتها« الروائية ظلّت محاصرة في »حدود ما تعرفه«، أي »حياة المقاطعة (حيث عاشت) وما رافقها من أحداث صغيرة جدا«. في المقابل، اعتبر البعض الآخر أنه على الرغم من كل شيء فإن هذه الروايات أعطت للأدب الانكليزي »حظا كبيرا«، لم يكن ممكنا له أن يكون على ما هو عليه اليوم، لولا هذا الحظ الكبير الذي منحته اياه جاين اوستن، التي توفيت في الثامن عشر من تموز 1817. اقتباسات الشاشتين من بين روايات جاين اوستن الست، اقتُبست أربعة أعمال للشاشتين الكبيرة والصغيرة، بعضها عرف طريقه الى جمهورهما أكثر من مرة، حين اختارها مخرجون مختلفو الأساليب الفنية والرؤى الثقافية. ففي العام 1940، حقّق روبيرت ز. ليونارد أول اقتباس لرواية »كبرياء وتعصّب«، شارك في بطولته كل من غريير غارسون ولورنس أوليفييه ومورين اوسوليفان ومارتن هانت؛ في حين أن محطة »بي بي سي« التلفزيونية البريطانية أنتجت حلقات عدة من الرواية بلغت مدّتها 226 دقيقة، أخرجها سيريل كوك، ومثّل فيها كل من اليزابيت غارفي وديفيد رينتول وموراي واتسون. كان ذلك في العام 1985؛ أي قبل عشر سنوات على اقتباس تلفزيوني بريطاني آخر أنجزه سيمون لانغتون، بطولة كولن فيرث وجينيفر ايل واليسون ستيدمان. اعتُبرت رواية »كبرياء وتعصّب« أشهر مؤلفات جاين اوستن، التي تناولت فيها حكاية النزاعات النفسية والاجتماعية (والطبقية)، على خلفية رومنسية لوّنت السياق الحكائي بعلاقة ملتبسة جمعت الشخصية الأساسية اليزابيت بينيت (الفقيرة) بدارْسِي، الشاب الثري والأناني. الحب، الزواج، الخلافات الناشبة بينهما، وبين بقية الشخصيات، عوالم مجتمع ريفي وأناس قرويين ... بدت عناوين رواية فيلم صوّرت بعضا من تداعيات الذات والمشاعر، عبر »بطلة« القصة الوحيدة التي مرّ كل شيء من خلالها وفيها، والتي حدث كل شيء من أجلها أيضا. شهد العام 1995 اقتباس أكثر من رواية لجاين اوستن: الممثلة البريطانية ايما تومبسون نقلت رواية »عقل وأحاسيس« الى سيناريو فيلم حقّقه آنغ لي، ومثّلت هي فيه دور البطولة، الى جانب آلن ريكمان وكايت وينسلت وهيو غرانت، ففازت بجائزة »أوسكار« أفضل اقتباس أدبي: توغل الرواية، كما الفيلم، في تفاصيل العلاقات الانسانية، والانفعالات العاطفية، والتداعيات التي تمزّق الذات وتدفعها الى تخوم الوجع والقلق. في المقابل، اقتبس نك دير (في العام نفسه أيضا) رواية »اقناع«، التي كتبتها اوستن في العامين الأخيرين من حياتها، لفيلم أنجزه روجر ميتشل، ومثّلت فيه آماندا رووت وسوزان فليتوود: في كتاب لها صدر في العام 1975، بعنوان »القارئ العادي«، كتبت فيرجينيا وولف أن هذه الرواية تمتلك جمالية خاصة ونثرية خاصة »تشير الى مرحلة انتقالية بين فترتين مختلفتين«. أخيرا، جاء دور »ايما«: ففي العام 1996، تحوّلت هذه الرواية الى فيلمين: الأول أخرجه دوغلاس ماك غراث (بطولة غوينيث بالترو)، والثاني لديارمويد لورنس (مع كايت بيكنسال). لا تختلف هذه الرواية (عُرض فيلم دوغلاس ماك غراث في الصالات اللبنانية، كما حصل مع »عقل وأحاسيس« لآنغ لي) عن بقية التفاصيل الريفية والرومنسية التي اعتادت جاين اوستن نقلها الى طيات رواياتها؛ فالأخيرة عكست الكثير من أجواء بدايات القرن التاسع عشر: إيما، الشخصية المحورية، تسعى جاهدة في حفلات الرقص والأمسيات الساهرة والنزهات البرية (!) الى ربط القلوب العاشقة بعضها بالبعض الآخر، في اطار غالبا ما يؤدّي الى نزاعات وجراح نفسية.