رحلة إلى قلب أوروبا الوسطى (6)
فيينا ـ فاروق أبو ظهر لعل أمتع ما في السفر والترحال هو التعرف على عادات وتقاليد الشعوب، خاصة في ما يتعلق بالطعام والشراب، وهذا الأمر يُعدّ شأناً حضارياً، يعكس للزائر مستوى المعيشة لدى شعب ما ومدى حبه للحياة والاستفادة من أطايبها. ومن أفضل الأمكنة في فيينا، لاكتشاف ماهية العلاقة بين النمساوي وهذه العادات، هي منطقة «غاردن» Garden، حيث تنتشر المطاعم التي تقدم وجبات المطبخ الوطني، كطبق «الستروغونوف» أو لحم بط المغمس والمطبوخ مع الفطر، بالإضافة إلى أنواع الحلويات التي تشتهيها العين قبل اللسان. فنجان قهوة.. في فيينا وفي هذه المنطقة أيضاً نجد مقهى «يوليوس مينل» Yulius Meinl، الذي لا يقدم سوى القهوة وفق طقوس معينة، وفي كؤوس من البورسلان النقي، ويقدمها إما فاتحة «بلاند» (Blend) أو نصف محروقة، أو قوية سوداء. أسس المقهى في العام 1862، ولا يزال يقدم القهوة منذ 145عاماً، لنعرف لاحقاً أن النمساويين هم من أكثر الناس استهلاكاً للقهوة، رغم أنها لا تزرع في بلادهم، بل تستورد من كوستاريكا والبرازيل وكولومبيا. يبلغ ثمن فنجان القهوة في فيينا ثلاثة يوروات، ويمكن شراء البن في أكياس صغيرة للاستعمال المنزلي. وفي المقهى أيضاً، زاوية غير مرئية، يبدو أنها مخصصة لرواد المقهى من متذوقي أنواع البن ونكهاته المختلفة. كما توزع فيه منشورات تتضمن إمكانية تنظيم جولات سياحية لأماكن تحميص البن وبيع أدوات تناوله. عندما قسمت فيينا إلى أربعة أجزاء لم تكن كل أيام فيينا في التاريخ كما هي حالها اليوم، هادئة وجميلة وراقية، وتعيش السلام بكل جماليته، فقد وجد هذا التاريخ الكثير من «الأشرار» الذين نكدوا عليها عيشها الحلو وحياتها المسالمة. مرتين، حاصر السلطان العثماني سليمان القانوني المدينة، في العام 1526 والعام 1532، كما دخلها الإمبراطور الفرنسي نابوليون بونابرت مرتين أيضاً في العامين 1804 و1809، أما الزعيم النازي أدولف هتلر فتلاعب بمشاعر النمساويين، باعتباره من أصل نمساوي، وضم البلاد إلى الرايخ الثالث، لتأكل نصيبها من ويلات الحرب العالمية الثانية وتدفع أثمان نتائجها. وقد وقف هتلر في العام 1938 في ساحة قصر هوفنبرغ، ليعلن أن ألمانيا والنمسا «شعب واحد ينتمي إلى العرق الآري». وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت فيينا من حصة الاتحاد السوفياتي الذي استعجلت قواته دخول أوروبا الوسطى، إلا أن ضغوطاً دولية توصلت إلى تقسيم العاصمة إلى أربع مقاطعات، سوفياتية، أميركية، بريطانية وفرنسية. حكمت المنطقة من قبل لجنة مشتركة للحلفاء، وبقي وسط فيينا منطقة دولية محايدة، بإشراف شهري ودوري من قبل القوات الأربع. وتضمنت اتفاقية «بوتسدام» السيئة الصيت، التي مزقت هذه المدينة الجميلة، توافقات وتفاهمات حول خارطة مرور وتواصل بين الأجزاء المحتلة والمقتطعة. وبقيت فيينا على هذه الحال لمدة عشر سنوات، تحولت خلالها إلى مرتع للجاسوسية بين عملاء الشرق والغرب، خاصة مع تصاعد الحرب الباردة. وفي سنة 1955، نظمت اتفاقية جديدة، تضمنت بنودها انسحاب القوى الأربع من فيينا، واشترط السوفيات بقاء النمسا على الحياد، وعدم دخولها في حلف شمال الأطلسي. ثمة فيلم للمخرج «غراهم غرين» في العام 1949 بعنوان «الرجل الثالث»، يعبر بصدق ودقة عن الوضع الذي عانت منه فيينا إبان تواجد القوات الأجنبية فوق أراضيها. تأخرت النمسا في الانضمام إلى منظمة الأمم المتحدة حتى العام 1955، بعد انسحاب قوات الحلفاء بالإضافة إلى الجيش الأحمر من أراضيها، ثم انضمت إلى الاتحاد الأوروبي في العام 1955، وهي عضو مؤسس في «منظمة التعاون والتنمية»، كذلك وقعت على اتفاقية «شينغن» المتعلقة بحرية الانتقال ضمن الدول التابعة للاتحاد الأوروبي، واعتمدت العملة الأوروبية في العام 1999.