القاهرة ـ مصطفى بسيوني في وقت توجه الولايات المتحدة وحلفاؤها اهتمامهم نحو المشرق العربي، حيث يتمدد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، تبدو مصر وحيدة في مواجهة الإرهاب الذي يعبر الحدود الليبية المصرية، ليفتح جبهة جديدة، مهدداً بإعادة إنتاج تجربة «داعش» في ظل انهيار الأوضاع وانتشار السلاح والجماعات المتطرفة في ليبيا غداة سقوط نظام العقيد معمّر القذافي. ومن بين المؤشرات الخطيرة، علاوة على ما سبق، إعلان «مجلس شباب الإسلام» في مدينة درنة الليبية، التي لا تبعد عن الحدود المصرية سوى 65 كيلومتراً، مبايعته لتنظيم «داعش». وفي هذا السياق، تكتسب زيارة رئيس الوزراء الليبي عبد الله الثني مصر ولقاؤه كبار المسؤولين المصريين، بمن فيهم رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، أهمية خاصة. وبات واضحاً أن دعم سلطة مركزية قوية ومتماسكة وقادرة على السيطرة في ليبيا بات أولى خطوات المواجهة مع الإرهاب الآتي من ليبيا، والذي يستند في الأساس الى الأوضاع المنهارة هناك، سياسياً وامنياً. من هنا يأتي تأكيد الجانب المصري دعم الشرعية في ليبيا، ممثلة بحكومة الثني، والاستعداد لتقديم كل أنواع الدعم في مجالات التعليم والصحة وإعادة الإعمار، فضلا عن الدعم الأمني والتنسيق في مواجهة الإرهاب، خطوة من خطوات دعم السلطة المركزية في ليبيا. ومن البديهي أن التنسيق بين مصر وليبيا لمواجهة خطر الجماعات المتطرفة لا يتم بين طرفين متكافئين، فبينما تبدو الدولة المصرية متماسكة ومسيطرة، تعاني الدولة الليبية من انهيار مؤسساتها، في ظل وجود حكومتين (الثني وعمر الحاسي) وبرلمانين (طرابلس وطبرق)، وفقدانها السيطرة الامنية، بما يحفز مجموعات مسلحة للسيطرة على بعض المناطق واتخاذها قواعد لإطلاق عملياتها. كل ذلك يجعل الدولة المصرية أمام مسؤولية مضاعفة، تتمثل في التنسيق مع الجانب الليبي، وتحديداً مع حكومة الثني المنبثقة عن مجلس النواب المنتخب مؤخراً، ودعم عملية بناء مؤسسات الدولة الليبية، وبخاصة مؤسستها العسكرية والأمنية. وفي هذا السياق يتحدث الخبير الأمني اللواء رفعت عبد الحميد لـ«السفير» قائلاً إن «هناك خطراً كبيراً بالفعل على الحدود الغربية. وهذا الخطر يستدعي درجة عالية من التنسيق على الحدود مع الأشقاء في ليبيا على الصعيد الأمني، وكذلك مع باقي دول الجوار». ويوضح عبد الحميد أن «هذا التنسيق ليس بجديد، فقد كان في مصر، في مطلع السبيعنيات، طلاب ليبيون يدرسون في كلية الشرطة وتخرجوا منها». ويضيف عبد الحميد «الأمر اليوم يختلف بالطبع، فالأوضاع في ليبيا منهارة، وهو ما يضع مسؤولية أكبر على الجانب المصري. ولكن المسؤولية هنا لا ينبغي ان تكون على مصر وحدها، فوقف الخطر عند الحدود المصرية - الليبية يمكن أن يحمي مناطق أخرى، ولذلك فإنّ مواجهة الإرهاب يجب أن تكون شاملة». ويرى عبد الحميد ان «دعم ليبيا مسألة إلزامية وليست جوازية، ليس من جانب مصر فحسب، بل أيضا من قبل دول الجوار والأشقاء، كما ان جامعة الدول العربية يجب أن يكون لها دور، لأن عدم استعادة الدولة في ليبيا ستكون له عواقب وخيمة على المنطقة بأكملها». الحماسة المصرية في مواجهة الإرهاب ودعم الجهود الإقليمية والدولية ضد التنظيمات الإرهابية، يرتبطان بموقف حاسم من قبل النظام المصري إزاء قضية إرسال قوات خارج الحدود. وفي الوقت الذي تؤكد فيه مصر أنها منخرطة في المعركة ضد الإرهاب، وبأنها على استعداد كامل للتنسيق مع مختلف الأطراف ضد خطره، تشير التصريحات الرسمية وغير الرسمية إلى أن مصر لن ترسل قوات خارج حدودها، وأن قواتها مشغولة بالفعل في الحرب على الإرهاب في الداخل، وبالتالي فإن دورها سيقتصر على الدعم اللوجستي والاستخبارتي والتدريب. هذا الأمر يؤكده الخبير العسكري اللواء حسام سويلم، في حديث إلى «السفير»، إذ يقول إن «القوات المصرية لن تقوم بعمليات خارج حدودها. وحتى عندما تعلن مجموعة إرهابية في درنة قرب الحدود المصرية انضمامها إلى داعش، فإن ذلك يقع ضمن نطاق مسؤولية الدولة الليبية». ويتابع «مصر لن تنفذ عمليات خارج حدودها، إلا إذا كان هناك تهديد وشيك للأمن القومي المصري لا يمكن تداركه إلى بالعمل المباشر». ويضيف سويلم أن «مصر ستدعم بالتأكيد ليبيا في مجال التسليح والتدريب وتقديم المعلومات والمعونات اللوجيستية، وإصلاح وصيانة المعدات، بالإضافة إلى العمل لضم قوات اللواء (الليبي المتقاعد) خليفة حفتر إلى الجيش النظامي في ليبيا، حتى يكون هناك جيش ليبي موحد وقوي وقادر على مواجهة الإرهاب وفوضى السلاح، وبالتالي درء الخطر عن الجدود المصرية». وإذ يرى سويلم أن زيارة منسق التحالف الدولي ضد الإرهاب جون ألن للقاهرة لا تمت بصلة إلى زيارة رئيس الوزراء الليبي، إلا انه يرى أن قضية الإرهاب واحدة. ويوضح «الحرب ضد الإرهاب شاملة، سواء في الخليج أو سوريا والعراق أو اليمن أو ليبيا. أميركا خططت لخلق الفوضى، وهذه هي النتيجة». ويتابع «مصر أعلنت أنها ستتعاون في الحرب ضد الإرهاب، لكن وفقاً لما يناسبها، ويتوافق مع مصالحها، وهذا الموقف لن يتغير، وزيارة ألن تأتي لبحث تفاصيل الموقف المصري، وما يمكن أن تقدمه مصر، وليس تغيير الموقف المبدئي» من الحرب الجديدة على الارهاب. نداءات «داعش» وجدت لها أصداء في شرق ليبيا، بما يجعل الخطر الذي تواجهه مصر مضاعفاً، كما أن ذبح مواطنين في سيناء على أيدي «أنصار بيت المقدس» قبل أيام يمكن اعتباره استجابة لرسالة وجهها المتحدث باسم «داعش» أبو محمد العدناني لـ«جهاديي» سيناء قبل أسبوعين... كل ذلك يجعل نذر الخطر أكثر قرباً، ويجعل الخطوات المصرية في اتجاه المواجهة مع الإرهاب أكثر سرعة.