ما من كلمة واحدة في الصحف الصينية، ما من إشارة في الراديو أو في التلفزيون، اذ جاء تتويج الكاتب الصيني (الفرنسية الجنسية) غاو كسينغجيان نهار الخميس الماضي بجائزة نوبل للآداب بمثابة صفعة للسلطات في بكين التي لم تكن تنتظر ذلك. لخص ناطق رسمي باسم وزارة الخارجية الصينية القضية بجملة واحدة حين قال: »ان قرار اللجنة، يظهر مرة جديدة ان جائزة نوبل تستعمل لغايات سياسية. انه امر لا يستحق حتى التعليق عليه«. لو جاء هذا »الاحتقار« الرسمي منذ سنوات لكان أقفل النقاش نهائيا. بيد ان الامر يبدو مختلفا اليوم مع ظهور »الانترنت« في الصين، ويعد الذين يستعملونه بأكثر من عشرين مليون شخص، وهؤلاء يتمتعون بحرية أكبر (وإن كانت حريتهم مراقبة). منذ أيام، ليس لدى أكبر المواقع التجارية الصينية مثل "Sohu.comس وس361.comس، سوى موضوع واحد تقريبا على »منابر النقاش« وهو بالضبط موضوع جائزة نوبل للآداب التي اعطيت للمرة الاولى في تاريخها الى كاتب صيني. ومن اجل اطلاق عملية الحوار ولكي تجد وسيلة »لتغطي نفسها« نشر موقع "Sohu.comس في البداية، وجهة نظر الرسميين الذين »يسخرون« من »المعقدين« الذين يرون ان الادب الصيني »يشعر بعقدة منذ مدة طويلة تجاه هذه الجائزة« في حين ان لجنة التحكيم »تحتقره طويلا«. وقد طالبت السلطات الرسمية الكتاب الصينيين بإدارة ظهرهم لهذه المؤسسة و»عيونها لا تعرف النظر والتمييز«. نجاح الديموقراطية إزاء هذا الكلام، سرعان ما اعتبر احد مستعملي الانترنت، ان كلمات كهذه لا بد من ان تصدر عن احد اعضاء لجان التحكيم الادبية الحكومية، كذلك لاحظ شخص آخر ان البلدان الديموقراطية تؤمن النجاح وأن الكتاب الكتاب والعلماء الصينيين »غير جديرين بالتصديق«. بخلاف ذلك، قال آخرون، بعد ان ذكروا كتابا مثل لو كزون وكيان زونغ ولاو تشي وهم من كبار كتاب القرن العشرين في الصين الذين رحلوا ولم يحصلوا على الجائزة إن »هذه الجائزة سخيفة ولا احد يعرف هذا الكتاب. ما هو المعيار؟ لقد اختارت لجنة الحكم طبقا صينيا معدا على الطريقة الفرنسية«. هذا النمط من النقاشات المتناقضة، كان بعيدا عن التصور منذ سنوات، وقد أصبح اليوم ممكنا بفضل الانترنت. يدفع الامر هذا، البلد، لأن يسير بسرعتين متناقضتين: الاولى، هناك في جانب النخبة الغنية التي تصلها المعلومات الواسعة بسرعة، ومن جهة ثانية، هناك حشد السكان الاكبر الذي عليه الاكتفاء بالصمت و»بلغة الخشب«. المفاجأة، بالنسبة الى عدد لا بأس به من مستعملي الانترنت، من جراء اختيار لجنة التحكيم قد يكون مفهوما، اذ ان غاو كسينغجيان رحل الى فرنسا العام 1988، وهو مجهول من قبل الشبان الذين لا يجدون اعماله في الصين. تقول احدى صديقات غاو: ثمة جيلان في الصين لا علاقة لأحدهما بالآخر. هناك جيل ما قبل 1989 (قبل احداث تيان آن مين) وهناك جيل ما بعد 1989. بنظرها ان هذه المكافأة التي أعطيت لصيني في الخارج، تملك منطقها: »لقد كسب غاو في فرنسا انفتاحا على العالم. لقد اصبح عالميا. قلة هم الكتاب الذين بقوا في الصين ممن يملكون هذا البعد«. حين انتشر الخبر مساء الخميس الماضي، وسط المثقفين في بكين، بعدما »انذرهم« الصحافيون، رمى كاتب مشهور هاتفه على الأرض من الغضب بينما ابتلع كاتب آخر مرارته قبل ان يهنئ نفسه على الهاتف من هذا الشرف الذي أعطي لكاتب يكتب باللغة الصينية حتى وإن كان... فرنسيا. ثمة اشارة اخرى الى عدم انتظار النظام لهذا الامر غير المتوقع، اذ ان »يومية الشبيبة« في بكين، نشرت نهار الجمعة الفائت، مقالة كبيرة حول جوائز نوبل العلمية التي وزعت منذ اسبوع. وقد ختمت المقالة بالقول نقلا عن صاحب مكتبة: »اننا ننتظر بفارغ الصبر جائزة نوبل للآداب لأن ذلك سيزيد في مبيعاتنا«. قد لا يكون الامر هكذا، هذه السنة، مع حالة غاو. اذ ان كتبه باللغة الصينية تباع بكثرة لكن في... تايوان. مكافأة من جهة اخرى، اعتبرت الصحف الفرنسية، كما بعض مواقع الانترنت، ان حصول غاو كسينغجيان على جائزة نوبل للآداب، »ىشكل بدوره مكافأة لعمل المترجم كما لدار النشر الفرنسية الصغيرة (منشورات دولوب) اللذين ناضلا من اجل نشر عمل الكاتب الذي تغاضت عنه كل الدور الكبيرة الباريسية. نويل دوتريه استاذ اللغة والادب الصينيين في جامعة »اكس ان بروفانس«، والذي ترجم اعمال غاو الى الفرنسية عبّر عن سعادته بالقول: »انها فرحة لا تصدق. انها نتيجة 5 سنوات من العمل، كما انه بالنسبة الى غاو انتقام غير عادي. لقد طُرد من بلاده، وسيرى اليوم رسالته منتشرة في العالم بأسره«. وأضاف المترجم »ستسمح له الجائزة بالحفاظ على حريته الاقتصادية كي يستمر في عمله«. السرور ذاته نجده عند جان فيار شريك ماريون هينيبير في تأسيس منشورات »لوب« وهي دار صغيرة في »لاتدر داغ« (فوكلوز) القريبة من مارسيليا. اذ ان تتويج كاتبهم الصيني يمثل بالنسبة إليه المكافأة الحقيقية عن 13 سنة من العمل التي أمضوها في الدفاع عن نشر اعمال الكتاب المنشقين الذين دافعوا عن حرية بلادهم، كما التشيكي فاتسلاف هافل او الإيراني علي عرفان. يقول دوتريه (المترجم) »التقيت غاو للمرة الاولى في ليون العام 1978 وكان ضمن وفد من الكتاب الصينيين. كان اصغرهم. وقد شعرنا بالاستلطاف. عدت ورأيته في بكين ثم في باريس العام 1987 حيث تحدثنا مطولا عن رواياته. في العام 1990، اقترحت عليه ترجمة رائعته »جبل الروح« الى الفرنسية، التي كانت نشرت لتوها في السويد. كان الامر بمثابة جنون، اذ ان العمل على كتاب يقع في 700 صفحة، ومن دون ايجاد ناشر، فهذا هو الجنون«. ويضيف: »كل الدور الباريسية رفضت المشروع، اذ اعتبرت انه كتاب غالٍ ولا ينشر. وحدها منشورات »دولوب« قبلت بالمجازفة«. تأسست منشورات »دولوب« قبل 13 سنة، من قبل ناشرين، كانا يعملان سابقا في منشورات »أكت سود«، وتضم اليوم 6 موظفين فقط وتنشر 70 كتابا كل عام. يقول جان فيار: »حين يصلك كتاب مماثل، فإنك تفكر ملياً في الأمر. لقد أقنعنا عمل غاو الذي يستعمل بنية روائية اوروبية كي يعبّر بشكل أفضل عن الثقافة والحضارة الصينيتين«. لقد بيع لغاية اليوم 17 ألف نسخة من كتاب »جبل الروح« باللغة الفرنسية، ويأمل الناشر ان يزيد هذا العدد من جراء »نوبل للآداب«. كل أعمال غاو نشرت اليوم بالفرنسية عند منشورات »دولوب« ما عدا أبحاثه ومقالاته، منها: »كتاب رجل وحيد« (رواية سيرة ذاتية، يقص فيها قطيعته مع الصين) و»قصبة صيد لجدي« (مجموعة قصص) و»جبل الروح« (تتحدث عن عالم اثنولوجي يقوم برحلة في الصين القديمة بحثا عن حريته) و»أقرب الى الواقع« (كتاب حوارات حول الأدب). »إن عمل غاو متعدد الأشكال. انه مثقف على الطريقة القديمة، بالرغم من انه يُعتبر أبا الحداثة الصينية. يكتب الروايات، والمسرحيات، والأبحاث، كما انه رسام«. يقول المترجم نويل دوتريه الذي يضيف: »ان رواياته الاولى التي كتبت تحت الثورة الثقافية الصينية قد احرقت. أما مسرحه، فهو يستوحي من المناخ العبثي كما عند يونسكو وبيكيت وقد أثار الفضيحة في بكين قبل ان يقدم في العالم بأسره«. ان جميع اعماله، التي تبدو شاعرية وانطباعية وجريئة أحيانا على المستوى الايروسي، قد نشرت اليوم«. ومع ذلك، لا يزال هناك اليوم، ما يقارب عشرين عنوانا، بالصينية، لم تترجم بعد. ربما تثير الجائزة، الشهية اليوم. اللاجئون السياسيون من جهة ثالثة، وفي بيان صحافي أصدره صاحبا منشورات »دولوب«، الناشران ماريون هينيبير وجان فيار، أعلنا فيه عن اسفهما لأن التقليد الفرنسي في استقبال اللاجئين السياسيين »أصبح خجولا جدا« وانهما سيدافعان عن »فرنسا الكريمة والقوية«. وقالا »ان فكرنا يتجه اليوم نحو تقليد استقبال اللاجئين السياسيين والمنشقين الذي يجد مع هذا الكاتب الفرنسي الصيني، شاهدا رائعا وتذكيرا قويا بتلك الحقبة التي كانت فيها فرنسا أرضا للاستقبال«. ويضيف البيان: »ان غاو كسينغجيان يلتحق هنا بأفضل رياضيينا كي يحمل رمزيا مهمة إحياء القوة والقدرة من أجل ايجاد فرنسا القوية والكريمة. ان التذكير بذلك في هذه الأوقات الصعبة لا يبدو لنا أمرا عديم الفائدة«. كذلك تحدث البيان وحيا »مجموع المنشقين الصينيين، ونضالهم وآلامهم« كما حيا جميع الصينيين الذين يؤمنون بحياة يكون فيها الانسان محترما أكثر. من جهة رابعة، تشاء الصدف ان يكون »نجم« معرض »فن باريس« (وهو معرض دولي للفن المعاصر، يقول عن نفسه انه فن »التمرد والبناء«) الذي يقام ما بين 20 و23 تشرين الاول الحالي، الكاتب والرسام الصيني غاو كسينغجيان (نوبل للآداب 2000). منظمو المعرض كانوا قد اتفقوا مع غاو منذ العام الماضي، ان يعرض لوحاته في معرض هذا العام الذي يقام في منطقة »ريل سور سورغ« (قرية الشاعر الفرنسي رينيه شار)، ولا شك بأن الجائزة قد تلعب دورا في استقطاب المشاهدين لرؤية لوحاته.