تكنولوجيا اعتبرها البعض محفزاً للقومية العربية غيّرت وجه الاتصالات
كثيرة هي الاختراعات التي تغير وجه العالم، لكن قليلة تلك التي يتنبه لها الناس لحظة ظهورها وبعضها يحتاج لبضع سنوات كي يصبح تأثيره واضحاً على الحياة اليومية ليتم الاعتراف شعبياً بأهميته. تلك كانت حال تكنولوجيا الترانزستور التي يحتفل اليوم بمرور ستين عاماً على ظهورها. فإذا كان الاعتراف العلمي بها جاء منذ اللحظة الأولى للإعلان رسمياً من قبل مختبرات <بل> الأميركية عن نجاح كل من ويليام شوكلي وجون باردين ووالتر براتين في صناعة أول ترانزستور في حزيران من العام ,1948 بعد سبعة أشهر من إبقائها سرية، إلا أن التأثير المباشر على الناس انتظر حتى العام 1954 مع ظهور أول راديو ترانزيستور الذي اعتبر من قبل عدد كبير من المؤرخين لحظة حاسمة فتحت الباب واسعا أمام عصر المعلومات الذي نعرفه اليوم. قد يكون من المجحف ربط الترانزستور بجهاز الراديو فقط فالتطبيقات التي نشأت وتطورت عن هذه التكنولوجيا هي عماد ما نراه اليوم من تطور في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لاسيما وأن الترانزيستور المصنوع من السيليكون أولا كان هو المحفز مع مخترعه شوكلي للبدء بمشروع في منطقة <بالو ألتو> ولاحقاً إنشاء ما أصبح يعرف اليوم بوادي السيليكون، معقل صناعة تكنولوجيا الالكترونيات في العالم. لكن تأثير الترانزيستور، ولاسيما جهاز الراديو المبني على هذه التكنولوجيا، ارتبط بشكل كبير بالذاكرة العربية إبان حركات الاستقلال والتحرر. وشكل هذا الجهاز وسيلة استغلتها المقاومة في عملياتها في الجزائر ضد المحتل الفرنسي كما استغلتها الأنظمة العربية في الدعاية. ويذكر أحد الذين عاصر حرب اليمن أن القوات المصرية أدخلت معها إلى اليمن في العام 1962 أجهزة ترانزستور لا تلتقط سوى إذاعة صوت العرب كانت توزعها على اليمنيين من أجل دعم حركة الجمهوريين ضد الملكية. في المقابل اتخذت فرنسا إجراء مضاداً في الجزائر إبان حرب الاستقلال، حيث حاولت أن توزع أجهزة ترانزستور لا تلتقط إذاعة <صوت العرب> والتي اتهمت بأنها كانت تبث معلومات مشفرة لجبهة تحرير الجزائر ثم للمقاومة الفلسطينية وجبهات التحرير بأفريقيا! وذهب الكاتب والمؤرخ الأميركي ألفن توفلر في كتابه <صدمة المستقبل> إلى اعتبار أنه <كان للانتشار السريع لأجهزة الراديو والترانزستور دور مهم في إحياء القومية العربية>، وربما لاحقا الانهيار الذي أحدثته نكسة 67 والتي أعاده الكثيرون إلى الحماسة المفرطة وغير الواقعية التي كانت تطلقها إذاعة <صوت العرب> ومذيعها أحمد سعيد في ذلك الحين. لكن أهمية الترانزستور وإن ارتبطت بتاريخنا المعاصر بشكل من الأشكال إلا أنها لا تتوقف عند هذا الحد بل تكمن أيضاً في أنها أسست، بعد جهاز الراديو، لفكرة إمكانية الحصول على المعلومات <المحمولة> خلال التحرك في أي مكان كنت. ولعل ما واجهه اللبنانيون خلال الحرب الأهلية كانت خير دليل على أهمية الترانزيستور الذي كان لا يفارق أذن الكثيرين ليل نهار وفي المنازل أو الطرقات أو الملاجئ حين كان التلفزيون رفاهية في ظل انقطاع الكهرباء. لكن الأهم ربما من كل هذا أنها غيرت مجرى تطور جهاز الكومبيوتر نفسه والذي مازلنا نشهد على انحسار حجمه وتحسن أدائه كل سنة أكثر من السنة التي سبقته. كيف بدأت قصة هذه التكنولوجيا؟ لم يكن القيمون على مختبرات <بل> (Bell) في الولايات المتحدة يعرفون بالضبط إلى أين ستؤدي هذه التكنولوجيا التي تمكن الباحثان جون باردين ووالتر براتين من وضع الشكل الأولي لها في 16 كانون الأول من العام 1947 ليعود ويليام شوكلي ويطورها بوضعه أول ترانزستور مبني على أشباه الموصلات بعد حوالى الشهر. كانت المشكلة الأساسية التي تواجه شركة AT&T للاتصالات الهاتفية منذ العام 1907 أن مختبرات <بل>، ذراعها البحثية، بدأت تفقد ملكيتها لاختراع <غراهام بل> أي جهاز التلفون فكان هناك ضرورة بالنسبة للشركة في أن تتوصل إلى تطوير جديد يمكنها من الحفاظ على دورها في مجال الاتصالات الهاتفية. فكانت الفكرة الأساسية المطروحة أمامهم هي تطوير تكنولوجيا تمكنهم من تأمين خدمات اتصالات جيدة النوعية على عبر القارات. وكان هناك حاجة لتطوير جهاز يضخم الإشارات ولاسيما الإشارات الهاتفية من أجل التمكن من نقل المخابرات عبر المسافات كبيرة. فأسندت المهمة إلى باحث شاب وواعد هو ويليام شوكلي الذي اختار من حوله فريقا ضم أساسا جون باردين ووالتر براتين وعددا من المساعدين الآخرين. غير أن المنافسة كانت محتدمة في ظل الفريق الواحد فنجح جون باردين ووالتر براتين بعد عمل مضني وصل إلى حد تفكير شوكلي بوقف المشروع، نجحا في صناعة أول ترانزيستور في 16 كانون الأول 1947 باستخدام مادة الجيرمانيوم قبل أن يطوره شوكلي بعد حوالي الشهر إلى أول ترانزيستور من أشباه الموصلات. غير أن الإعلان عن هذا الاختراع لم يحصل إلا في حزيران من العام .1948 فالقيمون على المختبرات وفي ظل عدم معرفتهم لحدود هذا الاختراع فضلوا أولاً عرضه على الجيش قبل عرضه على الصحافة. وهم كانوا لا يفضلون أن يقرر الجيش الإبقاء عليه سرياً فكان العرض أمام مجموعة من الضباط من دون الإعلان عن مخاوفهم هذه. وبالرغم من أن نقاشاً حصل حول إمكانية أن يبقى الاختراع سريا إلا أن أحدا لم يطلب ذلك رسميا فتم الإعلان عنه في الأسبوع التالي للصحافة. وقد نال الباحثون الثلاثة جائزة نوبل للفيزياء في العام .1956 كيف يعمل الترانزستور؟ الترانزستور (Transistor) هي اختصار لكلمتي Transfer Resistor وتعني مقاومة النقل. وبحسب موسوعة <ويكيبيديا> فإن الترانزستور الوصلي ثنائي القطب، أو الترانزستور ثنائي القطب، يتكون من طبقة رقيقة جدًا من نوع من أشباه الموصلات، محشوة بين طبقتين سميكتين من النوع المقابل. فإذا كانت الطبقة الوسطى، على سبيل المثال، من النوع س، تكون الطبقتان الخارجيتان من النوع م. وتسمى المنطقة الوسطى القاعدة (Base) ويرمز لها بالرمز B، والمنطقتان الخارجيتان الباعث (Emitter) ويرمز له بالرمز E والمجمِّع (Collector) ويرمز له بالرمز C. وللترانزستور ثنائي القطب وصلتا م س وثلاثة أطراف. ويربط طرفان من هذه الأطراف، في العادة، الباعث والمجمِّع إلى دائرة خارجية، بينما يصل الطرف الثالث القاعدة بدائرة داخلية. ويؤدي التغيير في الفولتية المطبقة على القاعدة إلى دخول عدد كبير من الإلكترونات إلى القاعدة عبر الوصلة. ولأن منطقة القاعدة رقيقة جدًا، يستطيع مصدر الفولتية في الدائرة الخارجية جذب الإلكترونات عبر الوصلة المنحازة عكسيًا. ونتيجة لذلك يسري تيار قوي عبر الترانزستور، وعبر الدائرة الخارجية. وبهذه الطريقة يمكن التحكم في سريان تيار قوي عبر الدائرة الخارجية، بتزويد القاعدة بإشارة صغيرة. يصنع الترانزستور من أشباه الموصلات مثل الجاليوم والجرمانيوم والكوارتز. يمكن استخدام الترانزستور كمفتاح أو كمكبر للجهد أو التيار أو كلاهم. وكان على العالم أن ينتظر حتى العام 1953 ليرى أول تطبيق تجاري للترانزيستور والذي تمثل في جهاز المساعدة السمعية. رحلة نحو المستقبل ظهر أول مذياع ترانزيستور في الأسواق في 18 أكتوبر 1954 (ريجنسي تي آر 1) وكان يحتوي على أربعة ترانزستورات فقط مصنعة من مادة الجرمانيوم. وقد كانت الترانزستورات الأصلية كافية عند استخدامها في أجهزة المذياع والهواتف، لكن الأجهزة الإلكترونية الجديدة كانت تتطلب شيئاً أصغر ليطور روبرت نويس الدارة المتكاملة أو ما يسمى اليوم microchips ويمنح براءة اختراع لها في العام 1961 ثم يؤسس مع غوردن مور في العام 1968 شركة سميت <إنتل> وهي اختصار لكلمتي Integrated Electronics (الإلكترونيات المتكاملة). وكان مور قد تنبأ في العام 1965 في مقال له في مجلة <إلكترونيكس ماغازين> بأن عدد الترانزستورات في الرقاقة سيتضاعف في المستقبل كل سنة تقريباً (وبعد مرور عقد من الزمن، قام بتعديله إلى كل سنتين). ونجحت (إنتل( في العام 1969 في تطوير تقنية ترانزستور بوابة السليكون وهي ترانزستورات تستخدم عازل البوابة التقليدي من ثاني أكسيد السليكون (SiO2)، لكن تقنيتها أنتجت أقطاباً جديدة للبوابة مصنوعة من السليكون المتعدد. وهو ما فتح الباب أمام إنتاج أول معالجاتها المصغرة 4004 في العام 1971 واحتوت على 2.000 ترانزستور ونيف. ثم كرت السبحة وبدأت أحجام المعالجات تصغر وعدد الترانزيستورات يكبر فيها وصولا إلى إنتاجIBM أول كومبيوتر شخصي بالاعتماد على معالجات إنتل في العام .1978 ومنذ ذلك الحين والعالم يشهد تطويرات كل سنة في حجم المعالجات وقدراتها. وإذا كان حجم أول ترانزيستور قد بلغ حجم الهاتف المحمول الذي نعرفه اليوم إلا أننا أصبحنا اليوم نتحدث عن الترانزيستور بحجم النانو العالي الأداء وذي الاستهلاك المنخفض للطاقة. ففي العام 2006 أصبحت معالجات Core 2 Duoمن إنتل تضم هذه المعالجات أكثر من 290 مليون ترانزستور ثم ليضم لاحقاً المعالج إنتل كور 2 كواد أكثر من 580 مليون ترانزستور بحجم 45 نانومتر. وقد طوَّرت إنتل مواد مبتكرة لصنع الترانزستورات عيار 45 نانومتر، يمكنها أن تنتج مجتمعة ترانزستورات تمتاز بأداء مرتفع قياسي وتسريب ضئيل جداً للتيار الكهربائي. واليوم أصبحنا نتحدث عن معالج Penryn الأصغر والذي يحتوي على 820 مليون ترانزيستور. حتى أواخر العام 1990 كانت غالبية النجاحات ترتكز على جعل الترانزيستور أصغر. ولكنا الآن نتحدث عن الانتقال من حجم 65 نانومتر إلى45 نانومتر و32 نانومتر. غير أن جزءاً بسيطاً من التحسن في الأداء ناتج عن عملية التصغير هذه إذ أن الجزء الأكبر مرتبط اليوم بأنواع المواد الجديدة المستخدمة وفي البنى الجديدة. فمع معالجات 45 نانومتر استخدمت انتل مادة جديدة هي <هافنيوم>. إن انخفاض تكلفة تصنيع الترانزيستور ومرونته وفاعليته جعلت منه جهازاً عالمياً وأصبح موجوداً حولنا من دون أن نلاحظه حيث يدخل في تصنيع كل الأجهزة الإلكترونية التي نستخدمها من الهاتف النقال إلى التلفزيون والراديو وفي الآلات الموسيقية والكومبيوتر... بعد ستين عاماً يتحدث بعض الباحثين عن أننا وصلنا ربما إلى نهاية المطاف في هذه التقنية، لذا نحن نحتاج اليوم إلى اكتشاف جديد يمهد لمستقبل تكنولوجيا المعلومات. [email protected]