As Safir Logo
المصدر:

العلاقات التجارية الدولية: تحديات المنطقة العربية

المؤلف: محمدية كندة التاريخ: 2006-02-02 رقم العدد:10310

تبيِّن التطورات الأخيرة الحاصلة في العلاقات التجارية الدولية تحولاً في النظام التجاري العالمي المتعدد الأطراف وفق قواعد »منظمة التجارة العالمية« الذي وُصِفَ مرةً بأنه »أكبر اتفاقية تجارية في التاريخ« (Dunkley, Graham 7991). فمع تعثر المفاوضات في إطار منظمة التجارة العالمية والفشل المتكرر لاجتماعاتها الوزارية (سياتل 1999 وكانكون 2003)، بدأت البلدان الغنية ترى مصلحتها في الاتفاقيات الثنائية والاقليمية مع البلدان النامية، حيث يمكنها ان تستفيد من تفوقها التفاوضي وسلطتها السياسية وتفوقها الاقتصادي لتفرض مصالح الشركات المتعددة الجنسيات على حساب المستقبل التنموي للبلدان النامية. تعتمد هذه الاتفاقيات على التزامات تتعدى تلك التي تفرضها منظمة التجارة العالمية، أي ما أصبح يعرف بنصوص وقوانين »منظمة التجارة العالمية زائد«. فبعيد انهيار اجتماع »منظمة التجارة العالمية« الوزاري الخامس في »كانكون«، أعلن الممثل التجاري للولايات المتحدة آنذاك »روبرت زُويْلِك« (Robert Zoellick) ملمحاً إلى سياسة الولايات المتحدة حيال اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية (FTAS) »إنَّنا في الولايات المتحدة لن نتوقف، فنحن نتقدم مع البلدان التي تريد الانطلاق«. ولكن، يبدو أنَّ تكلفة التوجه إلى توقيع اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية لم يتم تقييمها بعدُ على النحو السليم. فالبلدان النامية تهرع إلى توقيع مثل هذه الاتفاقيات بناءً على حسابات سياسية خالصة في حين لا تؤخذ في الحسبان العواقب الاقتصادية. وقد أنجز الاتحاد الأوروبي مؤخَّراً أكثر من 30 اتفاقية تفضيلية ثنائية مع بلدان أوروبا الشرقية وفي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا MENA Region)) بما في ذلك مع والأردن والمغرب وتونس ومصر وفلسطين ولبنان والجزائر في حين لا تزال الاتفاقيات مع سوريا تنتظر التصديق. كما أنجزت الولايات المتحدة اتفاقيات التجارة الحرة مع كل من سنغافورة وإسرائيل والأردن والمغرب والبحرين وعمان، إضافة إلى اتفاقية التجارة الحرة لبلدان أميركا الوسطى (CAFTA) التي تضم خمسة بلدان في أميركا الوسطى وجمهورية الدومينيكان. هذا، وتفاوض الولايات المتحدة راهناً على 14 اتفاقية ثنائية مع عدة بلدان نامية في مختلف مناطق العالم، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة وقطر ومصر. وترى الولايات المتحدة الاميركية في اتفاقيات التجارة الحرة مع الدول العربية خطوةً باتجاه إقامة سوق تجارة حرة اميركية شرق اوسطية بحلول عام 2013. هذا وتستفيد الإدارة الاميركية الحالية مما يعرف بقانون المسار السريع في التجارة لعام 2002 Fast Track Act 2002)) ويتم بموجب هذا القانون التسريع في عملية توقيع اتفاقيات التجارة الحرة مع العديد من البلدان النامية. والجدير بالإشارة الى ان سلطة الرئيس الاميركي بالنسبة للتصديق السريع على الاتفاقيات التجارية من خلال هذا القانون تنتهي فعاليتها في تموز 2007، وحينها سيكون من الصعب عليه الحصول على تمديد آخر، وذلك نتيجة الشعور السلبي في الكونغرس الأميركي تجاه اتفاقيات التجارة الحرة. لذلك، فمن المتوقع ان تتسارع وتيرة التصديق على مثل هذه الاتفاقيات خلال العام 2006. انخرطت عدة بلدان عربية في اتفاقيات تجارة حرة مع الولايات المتحدة، بما فيها الأردن والمغرب والبحرين، ومؤخراً عُمان. وكان لأعضاء مجلس التعاون الخليجي موقف انتقادي قوي من اتفاقيات التجارة الحرة التي وقَّعها أعضاء في المجلس مع الولايات المتحدة ثنائياً لا كتكتل. وبالنظر إلى حساسية المسائل التي جرى التفاوض عليها، فقد يكون للاتفاقيات المذكورة أثر كبير على خُطط التكامل الإقليمي لمجلس التعاون ونتائجه؛ ذلك أنها أي الاتفاقيات خلقت توتراً بين البحرين والسعودية عندما عمدت الأولى إلى توقيع الاتفاقية مع الولايات المتحدة. وكانت المملكة العربية السعودية قد اظهرت الموقف المعارض الأقسى لاتفاقيات التجارة الحرة الثنائية، مدعية أن هذه الاتفاقيات من شأنها إضعاف موقع دول مجلس التعاون الخليجي، الذي يسعى لسوق مشتركة وعملة واحدة. فمن خلال مثل هذه الاتفاقيات تتنازل البلدان النامية عما استغرقت سنوات للحصول عليه من خلال الصراع في إطار »منظمة التجارة العالمية« وتمنح تنازلات وامتيازات تتجاوز قواعد المنظمة العالمية وقوانينها، بما في ذلك الامتيازات على الخدمات والاستثمارات والمشتريات الحكومية وقانون التنافس والملكية الفكرية، ما يضيف ضغوطاً على القطاعات الاستراتيجية. بالإضافة إلى ذلك، تشتمل الاتفاقيات أيضاً على التزامات بمواصفات العمل والبيئة والتي يُحتمل استخدامها على نحو حمائي للحد من نفاذ منتجات الدول النامية الى اسواق البلدان الغنية. وعلاوة على ذلك، فإنَّ البلدان النامية تفقد المرونات التي تحصل عليها من خلال اتفاقية حقوق الملكية الفكرية (TRIPS) في »منظمة التجارة العالمية« وتلتزم باتفاقيات تتعدى قوانين منظمة التجارة العالمية(1). ومن المهم الاشارة الى أنه لا يمكن حصر هذه الالتزامات بالبلد الشريك في الاتفاقية فحسب، لكونها تتحول إلى قوانين داخلية يفترض تطبيقها على العلاقة مع سائر البلدان الأعضاء في منظمة التجارة العالمية. وقد بيَّن تقرير أعدته »لجنة الولايات المتحدة لشؤون مكتب إصلاح الأقلية« وهي منبثقة عن مجلس النواب الأميركي أنَّه »على نقيض ما جاء في إعلان الدوحة (2) فقد استخدم المفاوضون الأميركيون تكراراً الاتفاقيات التجارية بهدف الحد من قدرة البلدان النامية على الحصول على الأدوية بسعر معقول«. في الواقع، قدَّمت الولايات المتحدة مسألة حماية البراءات التي تملكها شركات الأدوية الكبرى على الحاجات الصحية الضاغطة في البلدان النامية. ويشرح التقرير أنَّ اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية بين الولايات المتحدة والبلدان النامية تأخّر الموافقة على الأدوية غير المسجلة تجارياً (generic drugs) وغير المكلفة لمدة خمس سنوات إضافية من خلال حصرية البيانات (data exclusivity)، كما انها تعطي الحق بتمديد البراءات لمصنِّعي الأدوية ذات العلامات التجارية (brand-name drugs) في حال التأخير في عمليات الموافقة القانونية في البلدان النامية، وفي نفس الوقت تطلب من سلطات الدواء الناظمة (القانونية) التعامل مع البراءات التي غالباً ما تؤدِّي إلى تأخيرات نظراً لانعدام الخبرات، وهي تحد من الترخيص الإجباري وتضيف إلى شروطه، وتضع حظراً على الاستيراد الموازي للأدوية المسجَّلة بأسعار أدنى، وتتطلَّب براءات للعمليات الجراحية والتشخيصية والعلاجية الدوائية. ففي بيان أدلى به السيناتور إدوارد كينيدي أمام مجلس الشيوخ قال إن »على إدارة بوش أن تستخدم قانون هيئة تشجيع التجارة للتفاوض بشأن الاتفاقيات التجارية التي تسمح بالوصول السريع إلى الأدوية. وبدلاً من ذلك، تستخدم الإدارة اتفاقيات التجارة لتشجيع مصالح الصناعة الدوائية وتعزيزها على حساب الوصول إلى الأدوية في البلدان النامية... وتتحدَّى إعلان الدوحة وتفرض قيوداً غير عادلة على توفر الأدوية المسجلة«. إلى ذلك، فإنَّ ثمَّة عدة اتفاقيات ممكنة قيد التفاوض أو البحث والنقاش سواء مع البلدان النامية أو مع البلدان المتقدمة. وهكذا، فمن الواضح أنَّ هناك تقدماً متزايداً نحو تحرير السوق في المنطقة العربية. ولكنَّ الانسجام (Coherence) بين القواعد والقوانين التي تفرضها مختلف الاتفاقيات لم يتحقق، واستراتيجية الانخراط السريع في مثل هذا العدد الكبير من الاتفاقيات التجارية ليست واضحة، خصوصاً أنَّ البلدان العربية تعاني من معوقات العرض في معظم مجالات الإنتاج. على سبيل المثال، تتناقض »منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى« مع قواعد عدة من الاتفاقيات الثنائية العربية، ما يسبب نزاعات عدة بين البلدان الأطراف ويعيق تطبيق الاتفاقيات البينية العربية. كذلك، فإنَّ الآفاق المأمولة من المنطقة المذكورة كبناء قطاع خدمي إقليمي قوي يمكنه التنافس عالميا تشهد عرقلة قوية من ناحية اتفاقيات التجارة الحرة الأخرى التي تنخرط فيها البلدان العربية. من المتوقع ان يكون لهذه الاتفاقيات تأثيرات سلبية جدا على مستقبل التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلدان العربية. فقوانين وقواعد منظمة التجارة العالمية ترضخ مؤخرا للمراجعة والمساءلة، وإن كان ذلك يجري بصعوبة بالغة، بينما اتفاقيات التجارة الحرة تتقدم بسرعة لتضمن للبلدان المتقدمة ما لم تستطع تأمينه في إطار المنظمة. تشكل هذه الاتفاقيات عائقا امام تقدم التعاون الإقليمي العربي، ذلك انه عندما يوقع أي بلد عربي على اتفاقية ثنائية مع أحد البلدان الغنية فهو يضغط بالتالي على البلدان العربية الأخرى باتجاه إعطاء تنازلات اكثر لتصبح قادرة على المنافسة في استقطاب الاستثمار الاجنبي المباشر (3). فالطبيعة التمييزية لهذه الاتفاقيات واعتمادها على الاعتبارات السياسة المبنية على اتجاه منظم لتقسيم العالم وفق اعتبارات جديدة تشكل عائقا أمام تقدم النظام العالمي والاقليمي المتعدد الاطراف. في ضوء ما ورد أعلاه، من المهم التشديد على أنَّ البلدان العربية تحتاج إلى وضع أجندة منسجمة في اتفاقيات التجارة، بحيث تتمكن من الوقوف بحزم لتعقد اتفاقيات تخدم تطوير التجارة البينية العربية وتقويها. فيجب التأكيد على العوامل التي تحسن قدراتها العَرْضِيَّة (supply side capacities)، وتنمية البنى التحتية في صناعات ذات قيمة مضافة مرتفعة، وتنويع الاقتصاديات والإنتاجات، مما سيفتح مجالات جديدة لتحقيق التكامل والمصالح المشتركة على المستوى الإقليمي. وكذلك العمل على مجانسة سياسات تكاملها التجاري في ظل اتفاقية »المنطقة الحرة العربية الكبرى«، قبل مواصلة التوقيع على الاتفاقيات التجارية مع الكتل والبلدان الأخرى. على البلدان العربية رفض توقيع اتفاقيات التجارة الحرة المتضمنة اتفاقيات حقوق الملكية الفكرية »زائد« ونصوص »منظمة التجارة العالمية زائد«، التي تحد من المرونات المتوافرة لها كبلدان نامية في إطار النظام التجاري العالمي. كما يجب مراجعة تأثيرات هذه الاتفاقيات على مستقبل التنمية وعلى المساحة المتوافرة للبلدان العربية لوضع أجندات تخدم تنمية الاقتصادات العربية. ومن المهم النظر الى تأثير اتفاقيات التجارة الحرة على الصحة العامة وعلى الحصول على الأدوية، وعلى مستقبل الاستثمار والخدمات والنفاذ الى الأسواق، بالإضافة الى العلاقة ما بين قوانين منظمة التجارة العالمية والاتفاقيات الإقليمية مقارنة بالاتفاقيات الثنائية، خاصة ما يتعلق بنظام حل النزاعات والإجراءات المتعلقة به. 1 تتضمن هذه الاتفاقيات اتفاقية حقوق »وايبو« (WIPO Copyrights Treaty) اتفاقية »وايبو« للأداء و»البونوغرام« (WIPO Performance & Ponograms Treaty) واتفاقية التعاون في البراءات (Patent Cooperation Treaty) واتفاقية قانون البراءات (Patent Law Treaty) واتفاقية العلامة التجارية المسجلة (Trademark Treaty) واتحاد حماية أصناف النبات الجديدة (UPOV)1. 2 انعقد في الدوحة الاجتماع الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية سنة 2001 وصدر عنه ما يعرف بأجندة الدوحة التنموية التي يفترض بها أن تعكس المصالح التنموية للبلدان النامية في عملية التفاوض داخل منظمة التجارة العالمية 3 محمد السعيد »The Road from TRIPS-Minus, to TRIPS, to TRIPS Implications of IPRs for the Arab World« ، مطبوعة الملكية الفكرية العالمية، العدد 8 الرقم 1 كانون الثاني 2005، مطبوعات ويرنر، جينيف، ص 53 65. (*) منسقة البرامج في شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية: www.annd.org

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة