As Safir Logo
المصدر:

الحكومات العربية على الإنترنت في دراسة لمواقعها الرسمية: هل تغير الثورة المعلوماتية العلاقة بين السلطة والمواطن؟

المؤلف: غصن زينب التاريخ: 2004-01-13 رقم العدد:9695

قدر عدد مستخدمي الإنترنت في الوطن العربي حتى نهاية العام 2001 بثلاثة ملايين ومئة ألف مستخدم. وإذا كان سكان الوطن العربي يقدرون ب280 مليون إنسان فإن نسبة مستخدمي الإنترنت لا تتجاوز في هذه الحال 1,1 في المئة. ويؤدي عدد من المعوقات دورا أساسيا في إبطاء انتشار استخدام الانترنت في المنطقة أبرزها البطء في نمو البنية التحتية وارتفاع كلفة استخدامها في غالبية الدول العربية بحيث تتعدى القدرات المالية لغالبية السكان والمستخدمين فيها كما أن الرقابة المباشرة التي تقيمها معظم الحكومات على موزعي تلك الخدمات وعلى المواقع التي يمكن الوصول إليها على الشبكة تساهم بشكل كبير في الحد من انتشار هذه الخدمة. هذا الأمر يجعل انتشار الانترنت محدودا بالمقارنة مع وسائل الاتصال الجماهيرية الأخرى كالراديو والتلفزيون. غير أن »أسطورة الانترنت« كوسيلة جديدة لنشر المعرفة والاعلام الحر تبدو أيضا مسيطرة على العالم العربي. كما تسيطر فكرة عامة بأن كل (أو غالبية) المعلومات التي تنشر على الانترنت هي معلومات صحيحة إذ تكتسب مصداقيتها بالنسبة للكثيرين من مجرد وجودها على الشبكة. وبالتالي تعيد هذه الفكرة التأكيد على إحدى النظريات الإعلامية الأبرز لمارشال ماكلوهان والتي تفترض »أن الرسالة هي الوسيلة« بحيث »يصبح المضمون ثانويا.. فالرسالة الحقيقية تكمن في الوسيلة الإعلامية أو الاتصالية التي تصدر عنها..«. في ظل هذه النظريات يبدو من المفيد تقييم تجربة الحكومات العربية على الانترنت واستخدامها له كوسيلة جديدة للإعلام كما وتقييم أثر هذه الثورة المعلوماتية على العلاقة بين السلطة والمواطن. ففي ظل خضوع معظم الدول العربية لأنظمة تسلطية وعدم خروج مجتمعاتها من التقليدية في الفكر والحياة يطرح الانترنت نفسه كوسيلة تفاعلية تحث على النقاش والانفتاح والتعبير وكأداة لنشر المعرفة العلمية والإدارية والتقنية والسياسية... وبالنتيجة كأداة »الديموقراطية« بمعناها الواسع. وبالتالي ما هو الدور الذي تلعبه شبكة الانترنت في هذه المجتمعات؟ هل هي وسيلة لتعزيز التفاوتات والتراتبيات الموجودة في توزيع السلطة؟ هل هي مجرد وسيلة إعلامية جديدة تستخدم بالذهنية نفسها التي استخدم القطاع الرسمي فيها الراديو والتلفزيون من قبل أم أنها قادرة على إنتاج تغييرات في أنماط التواصل السياسي في المنطقة؟ 45 من 250 موقعا حكوميا قد يكون من الصعب الإدعاء بإمكانية الإجابة عن هذه الأسئلة بشكل شامل لكن دراسة لعدد من المواقع الحكومية العربية وما تقدمه ساعد في الكشف عن بعض اتجاهات قد تكوّن بداية إجابات. شملت الدراسة مسح 45 موقعا حكوميا عربيا خلال العام 2001 وفي 11 دولة هي: لبنان وسوريا والاردن والعراق والكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والمملكة العربية السعودية واليمن وعمان. وهي مواقع تحمل في عنوانها الرمز الرسمي (.gov) ورمز البلد (ما عدا بالنسبة لسوريا والعراق حيث المواقع الحكومية مسجلة تحت رمز (.com) أو .org)). وجاء اختيار المواقع بالنسبة للقوة إبرازها العلاقة بين السلطة والمواطن ولتوجهها المباشر نحو المواطنين القاطنين داخل الدولة وليس نحو الخارج. واعتمدت الدراسة تحليل مضمون وشكل هذه المواقع واللغة التي تستخدمها والصورة التي تقدمها عن السلطة السياسية بالإضافة إلى المستويات التفاعلية التي تقدمها. وهي مثلت في غالبيتها مواقع وزارات أو دوائر حكومية رسمية كما شملت الدراسة بعض الإدارات والمواقع الرئاسية أو البرلمانية ووكالات الأنباء الرسمية.. بعض هذه المواقع لم يعد موجودا حاليا مثل المواقع الحكومية العراقية التي توقفت مع انهيار نظام صدام حسين والتي كانت تعتمد بوابة »أوروكلينك« (www.uruklink.net) للدخول إليها. وبدا واضحا من خلال الدراسة التفاوت الكبير بين المواقع ومضمونها وإن كانت غالبيتها التزمت بالطابع الرسمي لها من حيث المعلومات التي بقيت في إطار المعلومات الإدارية البحتة وإن تميزت بعض المواقع بإحصاءات وأرقام أو نصوص قانونية. أما لجهة التفاعلية فقد بقيت محدودة في غالبية المواقع بإمكانية التعبير عن الرأي أو طلب المعلومات عبر توجيه رسالة إلكترونية للمسؤول عن الموقع. لكن ذلك مرهون بفرض الكشف عن هوية الزائر وأحيانا رقم هاتفه مما يزيل أي سرية للاتصال ويضعف القدرة على الانتقاد. إلى ذلك بدا من الدراسة أن الوضع الإقتصادي الجيد للدولة لا يشكل دائما عامل تعزيز للاهتمام بالمواقع الحكومية. وهو ما بدا واضحا بمقارنة النوعية الجيدة لبعض المواقع المحسوبة على دول »فقيرة« في مقارنة تلك السيئة المحسوبة على دول نفطية. دعاية، إفادة، زينة أمكن في النهاية تقسيم المواقع الحكومية العربية إلى ثلاث فئات: المواقع التي تشكل أداة جديدة للدعاية السياسية للأنظمة الحاكمة بحيث تستخدم هذه الوسيلة الحديثة للاتصال اللغة الدعائية نفسها الغارقة في الشعارات التبجيلية للحاكم. المواقع التي تمهد لانشاء علاقة حديثة بين السلطة والمواطن تعتمد على البحث عن آليات خدمة المواطن من خلال تقديم المعلومات المفيدة له والتي تؤسس لحكومات إلكترونية مستقبلية. المواقع الزينة أي تلك التي لا تقدم أي منفعة لزائرها والتي يقتصر وجودها على الانترنت لإظهار اهتمام كاذب بالتحديث. بحسب بيار ليفي في كتابه »الديموقراطية السيبيرية« (La cyberdemocratie) فإن التغيير الأساس الذي تستتبعه شبكة الانترنت في علاقة الحاكم بالمحكوم في البلدان غير الديموقراطية يكمن »في الانتقال من علاقة سلطة برعاياها إلى علاقة خدمات للمواطنين« وبالتالي إمكانية مساءلة حول هذه الخدمات. غير أن الدراسة تظهر استمرار غياب مفهوم المواطنية حتى الآن عن غالبية المواقع بحيث أن ما تقدمه ما زال لا يخضع لرغبة المتلقي في الكثير منها. أي أن العرض للمعلومات وكميتها ونوعيتها ما زال خاضعا لرغبة السلطة ويساهم غياب التفاعلية في المواقع في إمكانية تعديل هذا المضمون ليتناسب مع ما يطلبه الزائر. وبالتالي تبقى إمكانية الاستفادة من تأثيرات الإنترنت والدخول في »الديموقراطية الافتراضية« منوطة بإمكانية الوصول أصلا إلى هذه الأداة الجديدة وإحداث تغييرات فيها تنعكس تغييرا على طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم إلى علاقة بين سلطة ومواطنين. وهو أمر ما زال محدودا إذا ما نظرنا إلى مدى انتشار الأمية الإلكترونية في الوطن العربي (والتي تزيد عن 98 في المئة). فأي تأثير حقيقي للإنترنت على المجتمعات والأنظمة السياسية في المنطقة مرتبط بتعزيز إمكانيات الوصول إلى هذه الوسيلة الإعلامية الحديثة وجعلها في متناول شرائح واسعة من المجتمع. عندها قد يصبح التغيير الاجتماعي والسياسي ممكنا. * صدرت الدراسة كاملة من ضمن كتاب Mondialisation et nouveaux medias dans l'espace arabe تحت إشراف فرانك ميرمييه عن دار Maisonneuve & Larose في باريس. كما صدرت النسخة العربية بعنوان »الفضاء العربي الفضائيات والإنترنت والإعلام والنشر« ترجمة فريديريك معتوق عن »شركة قدمس للنشر والتوزيع« في دمشق.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة