»البضاعة التي تباع لا ترد ولا تستبدل«.. غالباً ما تكون العبارة مكتوبة بخط أنيق، وأحياناً تخرج علينا مطبوعة على الكمبيوتر. تعلق في صدر المحل التجاري ليراها الزبائن جميعاً، وليكونوا على بينة من أمرهم قبل أن يقرروا شراء أي سلعة. فما أوله شرط آخره نور. والتاجر اللبناني »واع«& وفطن، يأبى أن يوقع نفسه في مشادة مع الزبائن. ربما يقرر تاجر ما أن يعامل زبوناً/ زبونة معاملة خاصة، فيتغاضى عن التزامه ب»القاعدة الذهبية« بعدم قبول أي مراجعة بخصوص سلعة تم دفع ثمنها (وانتهى الأمر!) مراعاة لديمومة العلاقة مع المشترين المواظبين. العلاقة الشخصية تسود هنا. وقد يظهر البائع بعض »النخوة« فينبه الزبون/ الزبونة إلى عيب معين في سلعة معينة. والنتيجة؟ حسم في السعر، وحده التاجر الذي يقرر نسبته، ووعد »قاطع« بإمكانية إصلاح الخلل، أو على الأقل تأكيد »مبين« بأن هذا الخلل لا يتعارض والوظيفة الأساسية للسلعة. خيوط التحكم بالعلاقة الثلاثية ما بين التاجر والمستهلك والمصنع في لبنان ما تزال خارج قبضة الحلقة الأضعف«.. المستهلك، الذي لا يملك أن يشتكي على صاحب إعلان خادع (وإلا فليثبت أنه خادع!)، أو يدعي على مروج لسلعة »مضروبة«. كما لا يملك أن يدّعي على بائع عدّد له مواصفات سلعة معينة فاشتراها على هذا الأساس ليكتشف أنها مواصفات في تقديرات حسن النية »مبالغ بها«. فلا قانون يستشهد المستهلك ببنوده، ولا هيئة قضائية تحكم بينه وبين التاجر أو المصنع. الاتكال حتى الآن هو على الله أولاً، وعلى ذمة الطرف البائع ثانياً، وعلى »حربقة« الشاري اللبناني ثالثاً.. بل أولاً وأخيراً. فهل يتغير الوضع بقانون لحماية المستهلك؟ الأمر يعتمد على المدى الذي سيذهب إليه اعتماد الاقتراحات والملاحظات التي سيضعها أركان الهيئات الاقتصادية لتعديل مشروع قانون لحماية المستهلك والذي وزعته عليهم وزارة الاقتصاد، كما وزعته على حفنة من الجمعيات الأهلية المهتمة بالموضوع (وبينها جمعية واحدة فقط تنحصر اهتماماتها بحماية المستهلك)، قبل أن يعلن عنه وزير الاقتصاد باسل فليحان رسمياً تمهيداً لعرضه على مجلس الوزراء، ومن ثم على مجلس النواب لإقراره. »في إطار ورشة العمل التي أطلقتها وزارة الاقتصاد والتجارة لتحديث وعصرنة القوانين والتشريعات في مجال التجارة الداخلية والخارجية والمنافسة، وذلك بهدف تسهيل عمل القطاع الخاص وتحفيز الاستثمار وزيادة الصادرات اللبنانية إلى الخارج، لا سيما في ضوء تحرير التجارة وانضمام لبنان إلى اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية ومتعددة الأطراف.. وإيماناً منا بأهمية وضع إطار قانوني شامل ومتكامل لحماية المستهلك يأخذ بعين الاعتبار المتغيرات والتطورات الحاصلة على الساحة العالمية في هذا المجال، يسعدنا إيداعكم ربطاً نسخة عن مشروع قانون لحماية المستهلك والذي قامت الوزارة بإعداده، وهو ثمرة جهود متواصلة استمرت نحو عام..«. بهذه العبارات قدمت الورقة المرفقة بالمشروع، والممهورة بتوقيع فليحان، للإطار التشريعي الجديد لحماية المستهلك للهيئات الاقتصادية ومؤسسات المجتمع المدني المعنية.. ولا شيء عن ربط القانون الجديد بقرار رفع الحماية الجمركية عن الوكالات التجارية. لم تتطرق دعوة الوزارة الأطراف المعنية للاطلاع على مشروع القانون إلى الجدل الساخن الذي استهل به العام الحالي حول »إلغاء الوكالات الحصرية«، كما يسميه بعض أصحاب الوكالات في لبنان. في حين كانت الحكومة تصر على أنها لم تفعل أكثر من رفع حمايتها عن الوكالات الحصرية، الأمر الذي لا يهدد في رأيها مصير العلاقة »الأبدية« مع الشركة المصنعة الأم.. في حال اختارت هذه الشركة أن تبقيها كذلك.. اللهم إلا إذا اكتشفت أنه، مع رفع الحماية الجمركية، يمكنها الاستفادة من أكثر من وكيل في لبنان بحيث تصبح حصتها من السوق المحلية أكثر تنافسية، فينخفض سعر السلعة التي تنتجها، وتزداد مبيعاتها. أما بالنسبة إلى المستهلك الذي رفع التجار والوكلاء آنذاك شعار حمايته، بل »حقهم الحصري« في حمايته، فقد كان موقف الدولة تجاهه ثابتاً ثباتها على إقرار استيفاء الضريبة على القيمة المضافة. الأمر الذي تحقق قبل طرح موضوع رفع الحماية عن الوكالات التجارية مباشرة على شاكلة »خذ ضريبة وأعط أملاً بكسر الاحتكار وخفض الأسعار«. وها هو موقف الحكومة يستكمل اليوم: مشروع قانون لحماية المستهلك. أكثر من أربعة عشر فصلاً تجاوز فيها المشروع مراسيم متفرقة يعود تاريخ بعضها إلى الخمسينات أو الستينات، وأحدثها عمره عشرون عاماً: المرسوم الاشتراعي الرقم 73 تاريخ 1983 حول حيازة سلع ومواد وحاصلات والاتجار بها، قرار بتاريخ 22/4/1975 لمراقبة صحة الإعلانات التجارية، قانون مكافحة الغش الصادر بمرسوم اشتراعي الرقم 54 تاريخ 1983، إلى جانب المرسوم الرقم 12253 تاريخ 2/4/1969 والذي يحدد الشروط الواجب توافرها في المواد الغذائية أو المعلبة أو المحفوظة، وغيرها من القرارات الوزارية المتفرقة التي ترعى مصلحة حماية المستهلك وصدرت خلال العقود الثلاثة الأخيرة. وأكثر ما »يميز« تلك المراسيم ليس تاريخها »الأصيل« أو شرذمتها في الزمن والسياق، وإنما فعاليتها القضائية بحيث قلما سمعنا عن دعوى رفعها مستهلك على مصنّع أو موزع سلعة، لدرجة أن قلة استخدام تلك المراسيم والقرارات حدّ من وعي المواطن لوجودها ولقدرتها ولو من حيث المبدأ على شموله ببعض الحماية. وهناك أيضاً فعالية مصلحة حماية المستهلك التي باتت مهمتها تنحصر في مراقبة تاريخ الصلاحية على المواد الغذائية، وربما مراقبة الأسعار بين فينة وأخرى، هذا إذا كان تمكّن فريق التفتيش لجهة عدد الموظفين وكفاءتهم الجسدية والعلمية من القيام بهذه المهمة كما يجب. علماً أن المادة 65 من مشروع القانون المطروح تتحدث عن تشكيل »المديرية العامة للاقتصاد والتجارة«، وهي مؤلفة من إدارة مركزية ومديرية حماية المستهلك، كما تلغي عبارة »مصلحة حماية المستهلك« الواردة في المادة 2 من قانون تحديد مهام وملاكات وزارة الاقتصاد والتجارة. في حين تنص المادة نفسها من مشروع قانون حماية المستهلك على أن تتولى »مديرية حماية المستهلك«، بالتنسيق مع الجهات الرسمية والخاصة، تطبيق القوانين والأنظمة المتعلقة بحماية المستهلك، وخصوصاً »التثبت من نوعية وسلامة السلع لا سيما الغذائية منها والقيام بالفحوصات اللازمة، مراقبة الأسعار وحركتها لجهة مقارنتها ودراستها، توعية المستهلك وإرشاده، السعي إلى حل النزاعات التي قد تنشأ بين المستهلك والمحترف، والقيام بالأبحاث المتعلقة بالمواضيع المذكورة«. الأهداف والتعريفات ويهدف المشروع، بحسب الأهداف العامة المرفقة به، إلى »تحديد القواعد العامة التي ترعى سلامة السلعة والخدمة، تأمين شفافية المعاملات الاقتصادية، وحماية المستهلك من الغش والإعلان الخادع«. أما التعريفات الواردة فتتناول »المستهلك، أي الشخص الطبيعي أو المعنوي الذي يشتري خدمة أو سلعة أو يستعملها أو يستفيد منها لأغراض غير مرتبطة بنشاطه المهني«، »المحترف وهو شخص طبيعي أو معنوي يمارس نشاطاً يتمثل بتوزيع السلعة أو تقديم الخدمات لقاء بدل أو دون مقابل«، إلى جانب »المصنّع وهو الشخص الذي يحول المواد الأولية أو الوسيطة أو يعرض منتجه للتداول، وهو أيضاً الشخص الذي يقوم باستيراد سلعة بهدف بيعها أو تأجيرها أو توزيعها«. وهناك »السلعة وهي كل مال غير منقول، وكذلك الأموال المنقولة سواء كانت غذائية أو طبيعية أو محولة أو مصنعة«. بالإضافة إلى »الخدمة« في حد ذاتها »وهي كل عمل يتمثل بنشاط تقني أو فكري، وذلك أياً كان الوصف المعطى له من المحترف أو المستهلك«. أما »جمعيات حماية المستهلك« فهي بتعريف مشروع القانون »كل جمعية تؤسس لأغراض غير سياسية أو تجارية أو اقتصادية، وتهدف إلى توعية المستهلكين وتثقيفهم وإرشادهم وحماية مصالحهم وحقوقهم وتمثيلهم أمام كافة المراجع، الرسمية والخاصة، والهيئات القضائية«. وينقسم الجزء الخاص بالمستهلك بين »حقوق المستهلك« و»إعلام المستهلك«. فللمستهلك الحق في »الحفاظ على صحته وسلامته عند استعماله لسلعة أو لخدمة، الاستفادة من معاملة عادلة ودون تمييز، الاستحصال على معلومات صحيحة ووافية وواضحة، استبدال سلعة أو إصلاحها أو استرجاع ثمنها، تعويض كامل ومناسب عن الأضرار الناتجة عن الاستهلاك، إنشاء جمعيات لحماية المستهلك، والتقاضي مباشرة أو بواسطة الجمعيات«. من ناحية أخرى، وفي ما يتعلق بإعلام المستهلك، يجب على المحترف »تزويد المستهلك بمعلومات صحيحة ووافية وواضحة، الإعلان عن الأسعار بشكل ظاهر وفي مكان بارز، وإعلام المستهلك عن المدة المتوفرة خلالها قطع التبديل«. كما يجب على المصنّع »إدراج المعلومات على لصقات السلعة أو التوضيب وفقاً للمواصفات، اعتماد اللغة العربية للمعلومات المدرجة على اللصاقة أو التوضيب، والإعلان عن السلع المستعملة أو المعيبة بشكل ظاهر«. ولعل هذه النقطة الأخيرة تذكر عدداً كبيراً من المواطنين بتجارب مروا بها لدى قيامهم بالتسوق في محال معروفة بأنها تبيع بضائع »ستوك« ومستوردة من المخازن الأجنبية الكبرى بعدما فشلت الأخيرة في تسويقها إما لعيب فيها، أو لأنها مستعملة، أو لأنها ببساطة لم تعد تجاري آخر صيحات الموضة، فتقوم بتصديرها الى من يطلبها من التجار في دول العالم الثالث. فكم مرة اضطر زبائن هذا النوع من المتاجر، التي بدأت تنتشر بكثرة في لبنان لرخص أسعارها، إلى التمحيص في سلعة ما من دون أن يفلحوا في آخر الأمر باكتشاف لطخة مستعصية أو فتق الخياطة في مكان غير ظاهر للوهلة الأولى؟ للتذكير: بالرغم من أن سعر 10 آلاف ليرة لقميص »ستوك« مصنع في أوروبا هو سعر مغر في لبنان، فإن ربح التاجر في هذا القميص قد يتجاوز أربعة أو خمسة أضعاف. »سوق المستهلك« ربما كانت أكثر الجمل تعبيراً في موجبات مشروع القانون والتي توجهت بها وزارة الاقتصاد إلى الهيئات الاقتصادية والجمعيات الأهلية المعنية هي تلك التي تتحدث عن مواكبة لبنان لأطر التجارة الحرة والتي يسعى البلد إلى الانضمام إلى منظمتها العالمية (بغض النظر عن الإشكالية الاقتصادية والسياسية لهذا التوجه)، تماماً مثل العبارة التي تشير إلى انضمام لبنان إلى اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية ومتعددة الأطراف. فبعيداً عن الجدل القائم حول مدى انتفاع لبنان من هذه الاتفاقيات بالمقارنة مع منفعة الأطراف الأخرى، فقد آن الأوان ليستفيد اللبنانيون على الأقل من بعض المبادئ التجارية المطبقة في العالم مثل customer driven markets (الأسواق التي يسيرها هاجس إرضاء المستهلك) وcustomer empowerment (تقوية موقف المستهلك). إذ أنه عندما يعرف البائع والشاري على حد سواء أنه بإمكان الزبون استبدال السلعة أو حتى إرجاعها واسترجاع نقوده، فذلك يشجع التاجر على تقديم سلع وخدمات أفضل لأنه يعلم أن الصفقة التجارية، بصرف النظر عن حجمها، قد لا تكون ناجزة أو ناجحة تماماً مع قبضه ثمن السلعة إذا لم يرض عنها المشتري. ومن جهة أخرى، لا يكون المستهلك متخوفاً من عملية شراء »نهائية«، الأمر الذي سينعكس على حركة تجارية تراعى فيها اعتبارات النوعية. العلاقة التعاقدية يتحدث الفصل السادس من مشروع قانون حماية المستهلك عن العقود التي تربط المحترف بالمستهلك، والتي يمكن أن تشمل أيضاً العقود مع شركات التأمين، وعقود الاستشفاء، الخ. إذ يجب أن تفسر هذه العقود بحسب المادة 18 »لما فيه مصلحة المستهلك، على أن يؤخذ بعين الاعتبار، لتحديد مدى توافر رضى المستهلك، ظروف التعاقد والمنافع التي يمنحه إياها العقد، والتوازن بين حقوق وموجبات الطرفين«. وتشير المادة 19 إلى أنه »يجب أن تتوفر في العقود التي يعدها المحترف أو التي توافق الإدارات الرسمية على اعتمادها، والتي لا يسمح للمستهلك بتعديل أحكامها الشروط التالية: أن تكون مصوغة باللغة العربية وأن تتضمن عبارات واضحة ومفهومة، على أنه يجوز إبرام عقد باعتماد لغة أجنبية في حال توافق المتعاقدون على ذلك، أن لا تحيل إلى نصوص أو وثائق لم توضع بتصرف المستهلك قبل التوقيع على العقد، وأن تحدد بشكل صريح وواضح الثمن وتاريخ وكيفية تسديده وكذلك تاريخ ومكان التسليم«. أما المادة 21 فتنص على أنه »يجب على المحترف الذي يعرض على المستهلك تسديد ثمن السلعة أو الخدمة بالتقسيط أن يزود المستهلك بالمعلومات التالية: الثمن في حال التسديد نقداً ودون اللجوء إلى التقسيط، الفائدة السنوية المعتمدة وتحديد فيما إذا كانت هذه الفائدة بسيطة أو مركبة والمبلغ الإجمالي الذي يمثل مجموع الفوائد المتوجبة، على أن لا يتجاوز هذا المبلغ في أي حال من الأحوال الثمن النقدي للسلعة، عدد الدفعات وقيمة وتاريخ استحقاق كل منها، والقيمة الإجمالية بعد التقسيط بحيث يشمل قيمة السلعة في حال تم تسديد ثمنها نقداً مضافاً إليها الفوائد، بالإضافة إلى حقوق وموجبات كل من المحترف والمستهلك في حال إخلال أي منهما بشروط الاتفاق«. ولعل أبرز مواد الفصل الخاص بالعلاقات التعاقدية هي المادة 26 التي تعتبر البنود التي ترمي أو قد تؤدي إلى الإخلال بالتوازن في ما بين حقوق وموجبات المحترف والمستهلك لغير مصلحة الأخير »بنوداً تعسفية«. وأوردت كأمثلة على هذا النوع من البنود: البنود النافية لمسؤولية المحترف، تنازل المستهلك عن أي حق من حقوقه المنصوص عليها في القوانين والأنظمة، وضع عبء الإثبات على عاتق المستهلك في غير الحالات التي نص عليها القانون، وعدم جواز اللجوء إلى الوساطة والتحكيم لحل الخلافات وفقاً لأحكام هذا القانون أو تحميل المستهلك المصاريف التي قد تترتب على اتباع الإجراءات المذكورة، وغيرها. أي، وباختصار، يصعب على التاجر مع هذه البنود استغلال حاجة الشخص الملحة إلى سلعة معينة بحيث يتنازل الأخير كتابة عن أي من حقوقه، فهذا التنازل باطل حكماً. وفي حال توفر مع الشاري مبلغا ماليا معينا أقل من الدفعة الأولى المطلوبة قبل التقسيط، فإنه يحصل أن »يراعيه« البائع بأن يسمح له بدفع المبلغ المتوفر وتقسيط الباقي مع الفوائد! وذلك بغض النظر عن الأقساط التي يجب أن يدفعها للمصرف (لتسديد القرض المصرفي مثلاً).. وطبعاً مع الفوائد. مشروع القانون الجديد يحول دون ذلك. فليحاذر تقنيو التصليحات! ثم يأتي فصل ربما يكون أكثر المهتمين به هم الأشخاص الذين يتعاملون مع مهنيين مثل تقنيي تصليح السيارات وسواهم من »بائعي« الخدمات التي تتضمن مجهود اليد العاملة. إذ تشير المادة 33 من مشروع القانون إلى أنه »على المحترف قبل إجراء أية تصليحات على سلعة أن يعلم المستهلك خطياً ودون مقابل عن تقديره لكلفة التصليح ومدة عرضه. كما يتوجب على المحترف، بعد إجراء عملية التصليح، أن يحدد عند الاقتضاء في الفاتورة التي يصدرها القطع التي تم استبدالها وثمنها الإفرادي وما إذا كانت هذه القطع جديدة أو مستعملة أو مجددة. ويضمن المحترف القطع المستبدلة وكلفة اليد العاملة خلال مهلة ثلاثة أشهر تسري اعتباراً من تاريخ تسليم السلعة بعد إصلاحها. ولا يشمل هذا الضمان الحالة التي يتم فيها استعمال السلعة التي جرى إصلاحها بشكل غير ملائم«. إذاً، يفترض ألا يعود المواطن، بحسب ما يطرحه القانون الجديد، فريسة لحجج من نوع »سيارتك قديمة أصلاً ومهما أصلحنا فيها فستتعطل ثانية، لماذا لا تشتري واحدة جديدة؟«، أو »صحيح أننا أصلحنا العطل نفسه قبل أسبوعين لكن الحق ليس علينا وإنما على نوعية القطعة. لماذا لم نعلمك بنوعية القطعة المستبدلة؟ وإذا أعلمناك ماذا كان ليتغير؟ فتلك هي القطع المتوفرة في البلد..« أو »تلك هي القطع التي تناسب ميزانيتك كما حددتها لنا!..« ثم هناك المقولة الشهيرة بأن »الحق على الصبي (العامل) فهو ما زال يفتقر إلى الخبرة«!! سلامة السلعة أو الخدمة سباق السيارات الصغيرة (أو الكارتينغ)، أو ارتياد مدينة الملاهي، أو استخدام آلة كهربائية جديدة، أو حتى طلب فنجان قهوة في مطعم هي أمثلة يصح أن تبقى في ذهن المطلع على هذا الفصل. والأسئلة ذات الصلة هنا هي: متى كانت آخر مرة اشتريت أو تلقيت أياً من تلك السلع أو الخدمات وتوفرت لك المعلومات حول الأخطار المرتبطة باستهلاك السلعة أو الخدمة خلال المدة المتوقعة لاستعمالها؟ أو حول الطريقة الفضلى لاستعمال السلعة أو الخدمة مع التنبيه إلى المخاطر التي قد تلحق بالمستهلك في حال جرى استعمالها بشكل مخالف؟ ربما يكون بعض المستهلكين اللبنانيين قد استفادوا من تدابير مشابهة، لكن ذلك قطعاً ليس نهجاً معتمداً بين بائعي السلع أو الخدمات على اختلاف أنواعها. قانون حماية المستهلك، في حال أقر على ما هو عليه، يعرض المحترفين أو المصنعين المخالفين للعقوبة ولتحمل العواقب، كأن يسحبوا السلعة من التداول على نفقتهم. ثم.. فصل جديد من نوعه يواكب عصر تحرير التجارة. هو الفصل العاشر المتعلق بالعمليات التي تتم في غير الأماكن المخصصة للبيع المباشر للجمهور. إذ ترعى أحكام هذا الفصل عمليات البيع والشراء التي تتم في مكان إقامة المستهلك أو عبر الهاتف أو الإنترنت (علماً أنها لا ترعى العمليات المالية والمصرفية والبيع بالمزاد العلني والعمليات التي تتناول أموالاً غير منقولة). وبحسب المادة 53، يجب تزويد المستهلك بمعلومات واضحة وصريحة تتناول المواضيع التي تمكنه من اتخاذ قراره بالشراء، وأهمها: تعريف المؤسسة واسمها وعنوانها ورقم ومكان تسجيلها، وبريدها الإلكتروني، بالإضافة إلى أية معلومات تتيح التعريف بالمؤسسة. ثم هناك ثمن السلعة أو الخدمة والعملة المعتمدة وكافة المبالغ التي قد تضاف إلى الثمن لا سيما الرسوم والضرائب والمصاريف أياً كانت وكيفية تسديد هذه المبالغ، بالإضافة إلى تحديد كلفة الاتصال، وتحديد المدة التي يجوز خلالها للمستهلك الرجوع عن قراره بالشراء، وغيرها من الموجبات. ماذا يعني كل ذلك؟ يعني، على الأرجح، أنه لن يعود باستطاعة البائع الذي افتتح له محلاً »افتراضيا« على شاشة التلفزيون على طريقة TV SHOPPING أن يقول لك: آلة ممتازة للمشي بدون أن يحدد الأضرار التي قد تلحق بالركبة مثلاً، ولا يمكنه أن »يقنعك« بأن سعر الآلة هو »45 ألف ليرة بس!« ليتضح في ما بعد أن هذا المبلغ هو قيمة القسط الذي يفترض أن تدفعه على 12 دفعة. كما لن يكون عليك تحمل كلفة الاتصال للاستفسار عن ذلك كله قبل أن تعرف حجم تلك الكلفة. في حل النزاعات والعقوبات الاطلاع على الفصلين الرابع عشر والخامس عشر يمكنهما أن يشكلا »فشة خلق« لكل مستهلك تعرض يوماً لأي نوع من أنواع الاستغلال أو الغش. مشروع القانون الجديد يحدد هنا وسائل الاحتكام، والجهة الصالحة لتقديم الشكوى أو حتى رفع الدعوى، بالإضافة إلى العقوبات التي ستنزل بالمحترف أو المصنّع في حال ربح المستهلك الدعوى. وللتذكير: البنود ستفسر دائماً لصالح المستهلك، لأنه »الملك« تبعاً لمبدأ customer is king المعتمد عالمياً، ولأن تلك هي »روح« القانون التي تذكر بوضوح في موجباته. المادة 86: »تخضع النزاعات الناشئة عن تطبيق أو تفسير أحكام هذا القانون، والتي لا تتجاوز قيمتها ثلاثة ملايين ليرة لبنانية، للوساطة بهدف محاولة التوفيق بين طرفي النزاع. ويعرض النزاع على الهيئة المنصوص عنها في المادة 101 من هذا القانون (قاضي شرف أو قاض من الدرجة السابعة فما فوق رئيساً وعضوية ممثل عن كل من غرف التجارة والصناعة والزراعة وجمعيات حماية المستهلك) إما إذا كانت قيمة النزاع تفوق الثلاثة ملايين ليرة أم في حال فشل الوساطة لإيجاد حل كامل أو جزئي إذا كانت قيمة النزاع تقل عن المبلغ المذكور«. المادة 90: يدعو الوسيط (الذي يطلع على النزاع بموجب استدعاء خطي يلصق عليه طابع بقيمة 10 آلاف ليرة) خلال مهلة ثلاثة أيام التي تلي تاريخ تقديم الاستدعاء المتنازعين إلى جلسة. أما المادة 96 فتحدد المهلة القصوى لإنهاء مرحلة الوساطة.. 15 يوماً فقط تسري اعتباراً من تاريخ عقد الجلسة الأولى ويجوز تمديد هذه المدة لمدة مماثلة باتفاق الطرفين أو بناء لطلب الوسيط. أي أن مأساة محاكم العمل لن تتكرر (طبعا مع الفارق بالحاجة ما بين المستهلك المغشوش والعامل المصروف من عمله).. نأمل ذلك. يبقى أن نقول انه يحق للمدعي، بموجب المادة 104 المثول أمام الهيئة التحكيمية دون الاستعانة بمحام إذا كانت قيمة النزاع تقل عن 300 ألف ليرة لبنانية. وتبقى الملاحظة بأن المادة 109 تنص على جواز تعديل المبالغ النقدية المذكورة في الفصل 14 بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزيري الاقتصاد والعدل. أما العقوبات فتتراوح ما بين الحبس من ثلاثة إلى ستة أشهر، وبين الغرامة من خمسة ملايين إلى مئة مليون ليرة حسب نوع المخالفة المرتكبة. إذاً، لم يعد المطلوب من المستهلك اللبناني في حال أقر مشروع قانون حماية المستهلك بدون تعديلات جذرية الاتكال على فطنته وقوة شخصيته في اختيار السلعة ومناقشة التجار. غير أن الحاجة الملحة الآن هي إلى تثقيف المواطنين حول حقوقهم والآلية »المدنية« الأمثل للحصول على تلك الحقوق. يفترض أن وزارة الاقتصاد هي بصدد إعداد حملة إعلامية تثقيفية في هذا المجال بعد إقرار مشروع القانون. عسى ألا تعود سارية مقولة: »بين البائع والشاري يفتح الله«!