يكاد رئيس »الحزب التقدمي الاشتراكي« النائب وليد جنبلاط يثبّت على نفسه، بالأدلة القاطعة، انه »ساحر الحياة السياسية« في لبنان. لا يتبدى ذلك بقدرته على إحاطة نفسه بالمختلفين والمتناقضين والمتناحرين، ولا ببراعته في فتح ما يشاء من أبواب أمام قامته الوطنية، إنما سهله الممتنع، في تفكيك »الرسائل المشفرة« وتقديمها مبسطة على طاولة التحليل والتدقيق. آخر »الأرانب الجنبلاطية« كان في قراءته المبتكرة لخطاب الرئيس الأميركي جورج بوش الخاص بمنطقة الشرق الأوسط. بالنسبة لرئيس كبريات الكتل النيابية اللبنانية، فإن رئيس أعظم دولة في العالم، إنما انتهج في نظرته الى القضية الفلسطينية، نهج فرقة إنجيلية متطرفة ترى في إعطاء اليهود أرض فلسطين عملا رسوليا يمهد للمجيء الثاني للسيد المسيح. من هنا، سهل فهم »الرؤية التوراتية« للرئيس بوش »صاحب العقل البسيط« والمدى الذي ستذهب إليه واشنطن في التعاطي مع المسألة الفلسطينية، ومن خلالها مع لبنان وسوريا اللذين وضعا أمام خيارين، لكل واحد منهما تداعيات خطيرة، فإما السير بما يريده بوش وإما السير ضده. في حديث جنبلاط ل»السفير« جولة شاملة على مصير المبادرة العربية ووضعية العراق، ونتائج الاعتراض الشعبي على ما حصل في فلسطين. الجديد في كلام »سيد المختارة« يتمثل في جملة من النقاط لعل أبرزها الآتي: العمل من خلال حركته السياسية على إرساء ميثاق وطني جديد من ضمن الطائف. وضع هذا الميثاق بعهدة الحكم ليحاور على أساسه القيادة السورية. دعوة الحكم الى التمثل بطريقة اللواء فؤاد شهاب بالتعاطي مع مصر، بحيث أعطاها الموقف السياسي الداعم، وأخذ منها الحرية بالسلوكيات الداخلية. الإصرار على الحكم بأن يحيط نفسه على ما كان شهاب قد فعل بفريق سياسي من سائر الطوائف اللبنانية. اللجوء الى خيار إنشاء حكومة وحدة وطنية أو حكومة أقطاب، لتكون هي الفريق السياسي الجديد. الدفاع اللافت للانتباه عن الأجهزة الأمنية في لبنان، خوفا من تكرار تجربة العام 1967 بحيث هاجم الجميع المكتب الثاني فحطموه، وحدث فراغ أنتج »الحلف الثلاثي« في العام 1968 الأمر الذي قاد البلاد الى الخراب. اتهام قوى سياسية في لوس انجلوس وخارجها بالارتباط بالدوائر الغربية. اعتباره ان مقولة الإحباط المسيحي كانت فخا نصب ولكنه انتهى. سوريا ولبنان في خطر يقول جنبلاط ومطلوب من اللبنانيين ان يعملوا لإرساء شراكة استراتيجية وأمنية وسياسية مع سوريا. حديث بالغ الأهمية فماذا فيه؟ كيف تقرأ خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش الذي ألقاه قبل أيام عدة؟ { ان استخدام بوش عبارة »رؤية« يعني ان الكلام ليس سياسيا بل هو كلام له معنى ديني يؤكد لك انتماء بوش الى ما يسمى باليمين المسيحي أو ما عرف بالمسيحي الصهيوني المتحالف مع اليمين الليكودي، وهو يشير الى ان ثمة شخصية لبوش يعتبر نفسها فيها، كأنه يبشر بقدوم المسيح. هناك فئة من الإنجيليين تلتقي مع اليهود، بأن المسيح سيعود، وسيُبنى الهيكل الثالث مكان الهيكل الأول والثاني أي القدس. إذاً، لكلمة »رؤية« بعد توراتي، لقد أصبح علينا واجب الآن وهو قراءة التوارة بتعمق. فاليمين المسيحي بدأ يتطور بعد هزيمة العرب في العام 1967، ويأخذ بعده في الولايات المتحدة الأميركية على أساس ان استيلاء اليهود على كل أرض فلسطين يسهل عودة المسيح. أي ان لدى السيد بوش نزعة صوفية ولكنها صوفية خطرة على العالم، هذا من جهة أولى. أما من جهة ثانية وفي ما يعتبر ترجمة لهذه الرؤية التوراتية، فإن بوش يساوي بين المحتل الإسرائيلي والأرض المغتصبة، فبدأ بالدفاع المطلق عن الإسرائيليين، بحيث يكون شرط تأمين حماية إسرائيل هو الوصول الى ما انتهى اليه، أي نبذ الإرهاب، نبذ روح المقاومة، نبذ كل أشكال المقاومة، سواء أكانت سلمية أو خطابية أو إعلامية وكل ذلك من أجل تأمين حماية إسرائيل. عودة الى البعد الديني لرؤية الرئيس بوش، هل لك ان تفصله لنا بطريقة أكثر تفصيلا وتبسيطا؟ { أنا لست ضليعا بهذه المسائل الدينية، ولكن هناك فرقة إنجيلية متطرفة تدعى Born -again Christians (المسيحيون المتجددون) تلتقي مع اليهود حول شروط واحدة لمجيء المسيح. يكون المجيء الثاني لهم فيما يكون بالنسبة لليهود المجيء الأول على اعتبار انهم يصفون المسيح الذي أتى قبل نحو ألفي سنة بالدجال والمزيف. وهؤلاء المسيحيون المتجددون يعتبرون من قراءتهم للتوراة، ان أرض فلسطين هي أرض الميعاد للشعب اليهودي، وبالتالي فإن العهد الجديد لا يكتمل إلا باكتمال العهد القديم، من خلال السهر على تحقيق وعد الله لليهود بأرضهم الدينية. وتشكل هذه الفرقة المتطرفة مع فرق أخرى متشابهة ما يسمى بالحزام التوراتي، ولهم وجود كبير وهائل في الكونغرس الأميركي وممثلهم هو بات روبرسون المعروف في أميركا بأنه أصولي متطرف، والمعروف في لبنان من خلال رعايته لإذاعة وتلفزيون ميليشيا سعد حداد بداية ثم ميليشيا أنطوان لحد لاحقا. والحزام التوراتي هذا مهم للغاية في الولايات المتحدة وهو يسمى باللوبي المسيحي الصهيوني. وقد تحالف هؤلاء مع التطرف اليهودي في العام 1967، أي اثر الهزيمة التي ألحقت بالفلسطينيين وسائر العرب، ورفعوا هدفا مشتركا ألا وهو السعي الى سيطرة يهودية كاملة على أرض الميعاد ولا سيما القدس فيها. بالتأسيس على ذلك، لم تعد التسوية إذاً، من اهتمام الإدارة الأميركية؟ { بل نعم. فبوش يضع التسوية التوراتية ويفرضها على العرب وعلى العالم. في هذه التسوية يبرز ان الهم الأول هو حماية إسرائيل، بكل الشروط السياسية والأمنية، بالتعاون مع مصر والأردن اللذين اعتبرهما بوش بالمحيط غير المعادي، بسبب وجود معاهدات، في حين يضع شروطا على سوريا ولبنان بتفكيك ما يسمى بالتنظيمات الإرهابية، كحماس و»حزب الله«. هل يستطيع الأردن ومصر ان يسيرا بهذا الموضوع؟ { انهما يسيران، فهناك معاهدات، وهما يؤمنان الحماية الخلفية. وبوش يعد بدولة فلسطينية مؤقتة، غير محددة لا بالجغرافيا ولا بالحدود ولا بالعلم السياسي. ولكن يقال ان الأمير عبد الله والرئيس حسني مبارك قد تحدثا بأمور أخرى... { لا اعرف ما هي هذه الأمور، وكل ما أعرفه ان بوش أخذ من المبادرة العربية التي صنعت بين توماس فريدمان وبندر بن سلطان، التطبيع. لقد أخذ التطبيع من حامي الحرمين الشريفين، وفي المقابل، نحن لم نأخذ شيئا، لا الوعد بالعودة الى ما قبل احتلال العام 1967، ولا حول القدس ولا حول حق العودة. الأميركي أخذ الوعد بالتطبيق مقابل السلم. لم يعد بإمكانك مجادلته، فالطابة أصبحت في ملعبك. عندما يخاطب الرئيس الأميركي الفلسطينيين بضرورة تغيير الرئيس ياسر عرفات، فمن يستطيع غيره ان يسير بالتسوية؟ { ان أبو عمار، حتى »العرض السخي« على أيام كلينتون باراك، لم يحصل على الحد الأدنى من القدس بالإضافة الى دولة مقطعة الاوصال. ولا يستطيع عرفات، على الرغم من كل ما فعل، بسجن هذا من »حماس« وذاك من »الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين«، ان يدخل في مواجهة مع الشعب الفلسطيني، ليكون كسعد حداد او انطوان لحد. الآن، يطالب بوش بتغيير عرفات، وانه بحاجة لسعد حداد او انطوان لحد، ليستطيع ان يكمل. لقد وضع الأميركي شروطا على الشرعية الفلسطينية الحالية. في الأساس، لا يريد جورج بوش ان يصافح ياسر عرفات. فإذا اتت الانتخابات، غدا، بعرفات مجددا، فسيكون ذلك مأزقا له. هل تعتقد ان ردود الفعل العربية على رؤية جورج بوش كانت كافية؟ { لا شيء. لا شيء. فكل نظام عربي له مشاكله الداخلية وارتباطاته الأمنية والاقتصادية والحيوية مع أميركا. لا يستطيع ان يخرج عن الطاعة، نتيجة غياب الحد الأدنى من التضامن والدعم لما يسمى بدول الطوق. مصر في كامب دافيد، والأردن في وادي عربة، والسعوية اخذوا منها الأساس. هذا يعني انهم أخذوا ما ناسبهم من المبادرة العربية ورموها؟ { رموها. نعم رموها. والآن المطلوب ترجمة الإملاء الأميركي، إملاء شارون. لأن ذلك كلام شارون وكلام الليكود. ولكن، في رؤية الرئيس الأميركي، يلاحظ كأن هناك تصورا لحل شامل، بحيث تقوم الدولة الفلسطينية، في إطار حل عربي عام. { لقد اعطى ثلاث سنوات. والآن، أقصى ما يمكن ان نتوصل إليه، إذا أوقفت كل أنواع الجهاد، هو العودة الى حدود 28 أيلول 2000، وتطبيق ما يسمى بمقررات ميتشل التي هي وقف اطلاق النار ووقف الاستيطان حيث هو، وفي هذه الأثناء شارون يكمل طريقه. عندما نكون أمام تسوية توراتية كهذه، ألا تكون الأمور مفتوحة على حرب؟ { حرب مع مَن؟ يعني استكمال الحرب على الفلسطينيين؟ { أكيد، فشارون يكمل طريقه بالمعنى الحربي، وغزة دورها يأتي، وفي هذه الأثناء، وبما ان عرفات غير قادر على تفكيك ما يسمى بكل معنى الكلمة التنظيم الجهادي، فشارون يكمل، ولاحقا، حتى ولو انتخب عرفات مجددا، فإنه لا يملك شيئا. هناك خوف إذاً، من ان تعطل اسرائيل العملية الانتخابية، بحيث لا يصل عرفات؟ { ما من معنى للعملية الانتخابية في ظل الاحتلال. أليست إذناً بتصفية ياسر عرفات؟ { ما من تصفية لياسر عرفات، فجورج بوش، على الرغم من كرهه لعرفات، وضع شروط الحد الأدنى، أي ديموقراطية، شفافية، فصل سلطات، قضاء مستقل. نحن هنا نتكلم بالخيال، وكأن جفرسون ولينكولن، كانا يفكران بهذه الأمور، عندما كانا في حرب مع الانكليز »حرب الاستقلال«. بالتأسيس على هذا الخطاب الأميركي، هل تعتقد ان الورقة العراقية نضجت في يد الإدارة الأميركية؟ { هذا هو الجواب على المبادرة العربية. الآن الأمير عبد الله وغيره محرجون، هل يرفضون؟ سيفكرون، ويصب الجهد العربي في الضغط على عرفات من أجل الوصول الى الشروط التوراتية التي وضعها بوش، وفي هذه الأثناء يفتح ملف العراق. ولكن، إذا لم تنته القصة في أفغانستان، فكيف ينتقل الى العراق؟ { الى هذه الساعة، يمكن القول ان الأميركي نجح في أفغانستان، فلا نستطيع ان نقول ان مواجهة تنظيم القاعدة كانت فاشلة. لقد نصب قواعد عسكرية حيثما شاء، وأمن خطوط النفط، الى حد ما، وركّب حميد قرضاي، على الرغم من المعارضات القبلية. حتى الآن نجح. ولكن لا تزال ثمة ثغرة مفتوحة، يمكن ان تنفذ منها طالبان او القاعدة؟ { ثغرة مفتوحة، نعم. ولكن طالبان كانت مدعومة سعودياً وأميركياً، ولكن اليوم لا يوجد من يدعم الطالبان او القاعدة، بل هناك حصار عالمي، على كل شيء اسمه مسلم تحت شعار انه إرهابي. هل يستطيع ان يفعل الأمر نفسه في العراق، من دون ان يضمن مصالحه في المنطقة؟ { من يهدد مصالحه في المنطقة؟ السعودية؟ من؟ الوضع الشعبي... { حاول بوش جس النبض بالوضع الشعبي، عندما كان عرفات محاصرا. صحيح انه كان هناك وضع شعبي ممتاز، ولكن لم يتابع ذلك الوضع. فهو لم يؤدِّ الى زعزعة الأنظمة حتى تلك الموالية لأميركا. لقد خافت الأنظمة، لكن لم تحدث الزعزعة الاستراتيجية. ان فلسطين هي الأساس، ومع ذلك لم تستطع ان تحدث الخضة المطلوبة، فالعراق سيكون موضوعا ثانويا. ولكن كيف يحل المشكلة داخل العراق، لجهة الشيعة والأكراد وغيرهم؟ { ان الإدارة الأميركية تتجه الى إحداث فدرالية ولكنها لم تعرف بعد من هو قرضاي العراق. العقبة الرئيسية في العراق تبقى تركيا. فالموقف التركي حتى هذه اللحظة إيجابي، إذ يرفض تقسيم العراق. إذاً، ساعة الصفر بالنسبة للعراق، تدق عندما يتم الاتفاق الأميركي مع تركيا؟ { اتصور ذلك، لأن تركيا تملك مفتاح الأكراد. سوريا حتى تلك الساعة، ماذا عن سوريا، خصوصا ان خطاب بوش تضمن كلاما كبيرا على سوريا، وكأنه بمثابة الإنذار الأخير لها؟ { قال جملة بسيطة، الى العالم كله، إما معنا وإما ضدنا. جعل الأمور بهذا التبسيط، فعقل بوش بسيط. وهنا المشكلة، لسوريا وللبنان بالتحديد، فإما ان نكون مع جورج بوش او ان نعارضه، ولكل احتمال تداعيات هائلة ومخيفة. هل المطالب الأميركية من سوريا هي مجرد ضغوط أم ان واشنطن تذهب الى أبعد من ذلك، فهناك سيناريوهات استعرضتها الصحف الاسرائيلية، فهل هذا تهويل؟ { برأيي، في هذه الحالة العالمية لا شيء اسمه تهويل. فإسرائيل بدعم أميركي، قد تستفيد من أية ذريعة لضرب لبنان وسوريا معاً. هل يملك لبنان وسوريا مقومات الردع والصمود؟ { بالنتيجة، لديك موقف مبدئي يجب ان تحافظ عليه. وتحت هذا الموقف المبدئي، يجب ان تحاول بناء الحد الادنى من التضامن العربي. لا يطرح احد الحرب، ولكن لا يمكنك ان تستسلم للإملاء الاميركي المطلق الذي لا يعطيك الحد الادنى من الحق العربي في فلسطين والجولان، وفي جنوب لبنان لاحقاً. حكومة جديدة ولكن لنترك التضامن العربي جانباً لبعض الوقت، ألا ترى ان النسيج اللبناني بدأ يتفسخ تحت الضغوط الاميركية؟ { سبب ذلك هو غباء السلطة. غباء البعض في السلطة، من خلال ما ترجم في الانتخابات الفرعية الاخيرة في المتن، والصوت الذي سأسميه متطرفاً الذي ارتفع في لوس انجلس. اضافة الى غباء الادارة السياسية للبلاد، فهنا يجب ان تطرح مجدداً اهمية قيام حكومة وحدة وطنية او حكومة اقطاب او اعادة النظر بهذه الحكومة من خلال ترميمها، كما لدينا ايضاً اهمية الصوت العاقل المسيحي والشارع العاقل المسيحي. أنا اتأمل الكثير من هذا الصوت والشارع، في رفض اي مغامرة تقسيمية او انفصالية جديدة، وذلك في »لقاء قرنة شهوان« وخارجه. هل التحرك الذي تقوم به يهدف الى تحريك الموضوع الحكومي؟ { لا. لا. الآن الموضوع ليس مطروحاً، اذ يجب عليك، في الوقت الحاضر، القيام بتحرك واسع لكل الفاعليات الوطنية مسيحية وإسلامية. ليتوّج بماذا؟ { يجب ان يتوّج بميثاق وطني يؤكد على الآتي: اولا: الطائف. ثانياً: العلاقة الاستراتيجية مع سوريا. ثالثاَ: عدم استخدام لبنان كورقة ضغط ضد سوريا، لأن أي استخدام للبنان كورقة ضغط، يزعزع الوحدة الداخلية. اذاً، ميثاق من ضمن الطائف؟ { أتصور. الا يفتح ذلك لدى البعض، مجالاً للبحث في وجوب تعديل اتفاق الطائف؟ { لا. نكون ندخل في المجهول. لا. هناك الطائف كحد ادنى. يمكننا تطوير الطائف، كالعبور الى نافذة إلغاء الطائفية السياسية، ولكن إعادة النظر في الصلاحيات كما يريده بعض الكتبة، تدخلك في المجهول. غسان توما لكن وأنت تطلب الحوار، هناك بعض القوى المسيحية تقول انك استعجلت في الفرز بين متطرف ومعتدل؟ { انا لم افرز. هناك كلمة خرجت مني، فالفرز حصل بشكل طبيعي من دون اي جميل لي. حصل ذلك في لوس انجلس. حتى ان الفريق الذي كنت اعتبره الى حد ما متطرفاً وجد نفسه مضطراً الى مواجهة تطرف اكبر في لوس انجلس، ونُمي اليّ ان المطران يوسف بشارة اضطر الى مواجهة كلام اقسى بكثير من هذه المجموعات التي عنوانها وليد فارس وغسان توما، وما ادراك ما وليد فارس وغسان توما. لكن بعض الاطراف الذاهبة من لبنان طرحت هناك افكاراً اكثر اندفاعاً حتى ممن هم موجودون في الخارج؟ { عظيم. دعنا نرجع قليلا الى التجارب الماضية. هل نعود الى حلف بغداد، اي الى جر قسم من لبنان لاستخدامه ضد سوريا؟ حلف بغداد ادى الى ثورة 1985. ام نعود الى التوتر الذي حصل ايام الانفصال والانفصال خرج من لبنان؟ هل نعود الى ايام استخدام لبنان ضد الانظمة السورية، بحيث كان لبنان مقر كل انقلاب يحصل في سوريا؟ هل نعود الى العام 1982 وفصل لبنان عن سوريا؟ ام نقيم الشراكة الاستراتيجية الامنية السياسية مع سوريا؟ هذا هو السؤال، بالحد الادنى. سوريا والمعادلة الداخلية الجميع يطرح قضية الشراكة مع سوريا، لكن هناك من يطالبون سوريا بتأمين الاستقلال والسيادة الوطنية؟ { عظيم. ماذا نقصد بالاستقلال والسيادة؟ خروج سوريا من المعادلة اللبنانية الداخلية؟ { هذا مستحيل، لأن لسوريا بالمنطق الاستراتيجي متطلبات امنية وسياسية. هناك خطوط عريضة لسوريا في لبنان. متطلبات بالحد الادنى، يجب ان نحددها مع سوريا ونوضحها معها. على كل حال، فهي موضحة في اتفاق الطائف، وبالملحقات الامنية، بالمعاهدات، التفاصيل شيء والخطوط الاستراتيجية شيء آخر. فإذا رأت سوريا، مثلاً، ان هناك انحرافا بالامن اللبناني تجاه سوريا، فماذا تفعل؟ لها الحق بالمراقبة الذي يجب ان يترجم امنيا. اكثر من ذلك، اي بلد في العالم هو سيّد، هل فرنسا سيدة؟ اليوم هناك تحالف امني عالمي ضد ما يسمى الارهاب، وأعود الى فرنسا، فهل هي سيدة بالمعنى الاقتصادي؟ بروكسل هي الاساس، او بالاصح البنك الاوروبي هو الاساس. ولكن بالانتخابات والوضع الداخلي؟ { هذا موضوع آخر. في الانتخابات يمكن وضع تصور مشترك حول قانون انتخابات يرضي الجميع، آخذين بعين الاعتبار الخصوصيات المناطقية والطائفية، وما يسمى التعددية. الأنموذج الشهابي ولكن من يطرح هذا الامر مع سوريا؟ { هذه مهمة الحكم، كما فعل في الماضي فؤاد شهاب، حين امّن لعبد الناصر، بأوج قوته في 1958 وفي اوج ضعفه بعد الانفصال، المصالح الاستراتيجية لمصر في لبنان. هنا العودة الى فؤاد شهاب وفريق فؤاد شهاب، مهمة للغاية. اذاً، الحوار اللبناني السوري يجب ان يكون بين الحكم وسوريا. { طبعا. ولكن الموقف الذي أطلقه الحكم عن الحوار سلبي، على قاعدة انه لا يحاور طوائف. { مطلوب من هذا الحكم ان يكون مثيلا لفؤاد شهاب، ومطلوب من اجهزة الحكم ان تكون مثيلة لأجهزة المكتب الثاني آنذاك، فؤاد شهاب حكم مع بيار الجميل، مع كمال جنبلاط، مع رشيد كرامي، مع فؤاد بطرس، مع الياس سركيس، اي مع فريق عمل من كل الطوائف. هل يستطيع هذا الحكم ان يعود الى التجربة الشهابية، في مرحلة حماية مصر بضعفها وقوتها. حتى بأجهزة العهد الشهابي الامنية؟ { نعم. الأجهزة الأمنية هل تقبل ان تلعب المخابرات اليوم دور المكتب الثاني بالأمس؟ { المخابرات موجودة. نحن ننتقد الاجهزة، ولكن اذا استمررنا في انتقاد الاجهزة فسنصل الى حالة شبيهة بالتي وصلنا إليها في العام 1967، عندما اجتمع اقطاب البلاد وانتقدوا الاجهزة وحطموها، الامر الذي ادى الى قيام الحلف الثلاثي، ثم الفراغ، ثم الفوضى، نحن نريد تصويب عمل الاجهزة، من اجل حماية الامن الوطني الحقيقي، والامن المشترك الوطني والقومي. اي خروجها من المعادلة السياسية الى المعادلة الامنية؟ { صحيح، هذا هو المطلوب. نفهم من كل ما سبق ان الحوار الذي تلعب دورا كبيرا في إنضاج ظروفه، يهدف الى تجميع القوى السياسية حول ميثاق معيّن وتقديمه الى الحكم ومطالبة الحكم بلعب دوره؟ { نعم، اتصور ان هذا هو الحل الوحيد. عودة الى مؤتمر لوس انجلس، فمن راقب حركتك يتأكد انه اثار فيك مخاوف حتى قبل ان ينعقد، فلماذا نقزت منه؟ { لأنه حتى الساعة لم توضح بعد، لبعض الاوساط المسيحية بالتحديد، ان السيادة والاستقلال نستطيع ان نكسبهما معاً، بصفقة يسمونها هم تاريخية متكافئة مع سوريا، والقسم الاكبر من هذه الصفقة موجود بخطوطه الاستراتيجية بالطائف، حتى هذه اللحظة بعض الاوساط المسيحية، في لوس انجلوس وخارجها، تريد اخراج السوري بالمطلق من دون أي عرض آخر. ان بعض الاوساط في لوس انجلوس وفي لبنان مرتبطة بدوائر غربية تريد اضعاف سوريا في لبنان، ان اضعاف سوريا في لبنان يجرنا الى انقسام لبنان مجددا. نحن نريد ان نتفادى الشرخ. علي أي قاعدة سيكون الشرخ، فهل كتب على لبنان ان يكون قليل السيادة ليكون كثير الوحدة؟ { هنا الاشكالية حول تفسير مبدأ السيادة. هل تفسر لي مبدأ السيادة. هناك اطراف تقول كأنه مكتوب على لبنان ان يكون محكوما من خارجه حتى يحافظ على وحدته وعلى سلمه الاهلي، وكأنه اذا حكم بقواه الذاتية مكتوب عليه الحرب. { غير صحيح هذا الأمر. نحن نقول السيادة بالشراكة مع سوريا. انا ادعو الى حلف لبناني سوري. انا اعود الى التجربة الشهابية، كان هناك حلف لبناني مصري، ولم يكن هناك انتقاص في سيادة البلاد. اذا كنا نذكر، فان فؤاد شهاب اجتمع مع عبد الناصر على الحدود، وقال له اعطيك في لبنان بالجملة، اعطيك الموقف العربي بالجملة ولكن التفاصيل عليّ. الا انه كان فريق العمل السياسي والامني في المرحلة الاولى لفؤاد شهاب ممتازا. الآن مطلوب اخراج السوري من دون اعطاء أي ضمانة للسوري، فقط تحت شعار السيادة والاستقلال، متناسين حقائق الطائف بالاصلاح الداخلي والمتطلبات الامنية الاستراتيجية السورية في لبنان. ولكن، كيف يمكن لمعارضة لا تملك شيئا سوى بعض الشعارات والتظاهرات والتصويت الانتخابي، ان تعطي لسوريا اطمئنانا، في وقت لا يعقد حكم ولد بارادة سورية، هكذا صفقة. لماذا نضع دائما المشكلة عند هذه المعارضة؟ { انا لم افعل ذلك. لقد قلت لك ان هناك ثغرة كبيرة في طريقة الحكم وطريقة تعاطيه. وهنا تبدو الدعوة ملحة الى العودة الى تصحيح اداء الحكم. الاحباط فخ هناك دائرة سياسية كبيرة قد ارتسمت منذ الانتخابات النيابية في العام 2000، لنصل الى هذه النتيجة اليوم، الم يكن الأجدى عقد هذه الصفقة، في وقت سابق؟ { ان الصفقة كانت موجودة. الطائف كان صفقة تاريخية بمرحلة معينة قرر بعض المسيحيين الانكفاء وعدم التصويت وعدم المشاركة لأسباب على صلة باحباط وما شابه. انا برأيي لم يكن هناك احباط. أنا برأيي الامتيازات المسيحية لم تمس، مست فقط في ان الحاكم المسيحي كان الحاكم المطلق، والآن اصبحت هناك مشاركة في مجلس الوزراء. ولكن الامتيازات الثقافية والاقتصادية والمالية لم تمس، بل استمرت موجودة، الا ان هناك حقائق ديموغرافية وسياسية موضوعية جديدة نشأت فأصبح هناك مشاركة. هل حصل هناك تقريب بالمعنى الكامل للكلمة في المناهج التربوية. لم يحصل ذلك، فكل يعمل على ليلاه، والخطر على الوحدة الوطنية، هو على هذا الأساس. هل حصل تأميم للمصارف؟ ابدا. هل حصل اقفال للجامعات الخاصة بالارساليات؟ العكس هو صحيح، بل زادت إسلاميا ومسيحياً. ان قضية الاحباط كانت فخا نصب وانتهى. الآن انتهينا من الاحباط اليس كذلك. انتخابات المتن الشمالي اخرجتنا من الاحباط، اليس كذلك. اذا، تفضلوا. وبالعودة الى موضوع السيادة، اليوم زرت الوزير سليمان فرنجية. فهل فرّط سليمان فرنجية الجد بالسيادة والاستقلال، هل يمكننا ان ننكر على سليمان فرنجية مارونيته. عوقب سليمان فرنجية بابنه نتيجة موقف سياسي مع سوريا ومع ذلك لم يفرط. انا اتذكر الموقف العنيد لسليمان فرنجية في لوزان حيث كان الافق مسدودا حول مسألة الاصلاحات الداخلية. يمكنك ان تكون مارونيا ويمكنك ان تكون متحالفا مع سوريا، ما من مشكل. ويمكنك ان تصيغ مفهوما للسيادة على هذه القاعدة. كما يمكنك، في الوقت نفسه، ان تكون كميل شمعون، وساعتئذ يكون لها بعد ثان، وهنا نختلف وطنيا وداخليا عليه. اوضح من ذلك لن نكون. متى تحاور سوريا الآخرين؟ سوريا ضعيفة كانت أم قوية، فلا بد من محاورتها، ولا بد من ان نقوم بتلك الصفقة التاريخية معها. لا مهرب والا هناك خطر على وحدتنا الوطنية. هل رأيت قوى الاعتدال في الساحة المسيحية يجلسون بالقرب من الرئيس بشار الاسد؟ { ليست القضية قضية جلوس الى يمينه أو يساره. كلام نسيب لحود مفيد حول العلاقة الاستراتيجية مع سوريا. كلام فارس بويز جدا مفيد حول عدم استخدام لبنان، تحت شعار السيادة والاستقدام، لانه اذا استخدم لبنان مجددا سنفقد السيادة والاستقلال ووحدتنا الوطنية. اليوم كنت لدى سليمان فرنجية. اعتقد ان هناك قواسم عريضة جدا مهمة وطنية، حول العلاقة اللبنانية السورية. في الفترة الاخيرة، لاحظنا ان لهجتك الاقتصادية من الرئيس رفيق الحريري لم تعد على حدتها... { لديك خياران، اما الدخول في المجهول وتبدأ بمحاسبة الحريري، واما ان تماشي الوضع وتحاول ان تصحح ما يمكن تصحيحه آخذين بعين الاعتبار ان هامش الحركة اقتصاديا محدود. وبالنسبة لخيار محاسبة الحريري، فانه لا يحاسب لوحده، بل كلنا نحاسب، فهذا حكم استمرار لحكم سابق أو لمبادرات سابقة أو لنهج اقتصادي سابق، كلنا شاركنا فيه، وعندها كلنا يجب ان نتحمل المسؤولية. في ظل ما تقوله ما هي البصمات الواجب طبعها على الملف الاقتصادي؟ { الورقة الاقتصادية قالت بوضوح: الوفاق. أما التفاصيل، فيمكنك ان تناقشها وتعدلها. جسر بالناقص وجسر بالزائد. هذا يحتاج الي بحث طويل، وما ادراك ما هذا البحث الاقتصادي بين هذه الكوكبة من الاعلام الاقتصاديين من كمال حمدان الى ايلي يشوعي مرورا بشربل نحاس وصولا الى جورج قرم. لديك، على قدر ما تشاء نظريات، لذلك نقول ان الوفاق هو الأساس. لم تذكر وزير المال فؤاد السنيورة؟ { السنيورة، على اساس انه يمسك باللحظة التاريخية. اعتقد تابع ضاحكا سنسمع في يوم من الايام خبر انتحار السنيورة أو رياض سلامة. الاوزاعي وبوش ما رأيك بخلاف الحريري وحزب الله، حول قضية الجسر؟ { ان التوقيت السياسي لطرح قضية الجسر كان خطأ. كان لا بد من حوار مع »حزب الله« وحركة أمل، حول كيفية تطوير المناطق المحرومة، وهذا وعد حكومي في خصوص بعلبك والهرمل، والاستفادة من وعد الدكتور بشار الاسد باقامة مشاريع تنموية وبخاصة تقاسم مياه العاصي. لم نفعل شيئا. ثم عدنا وحصرنا وجهة نظرنا بكيفية تأمين طريق بيروت الجنوب التي تأمنت بالطريق التي قرب المطار، او العودة الى مفهوم شركة »اليسار«. من حق الجماعة ان يطالبوا بتعويض منصف، ولكن ليس على طريقة »وادي الذهب«. أنا اتمنى الا تحصل تفسيرات سياسية لها علاقة بخطاب بوش بحيث يربط بين الخطاب والجسر، فيها نكون نزيد بالخيال.