ظهرت الثورة العلمية التكنولوجية في الربع الاخير من القرن العشرين لتعد البشرية بعصر جديد تشهد خلاله إنجازا خارقا الا وهو ثورة الاتصالات. فقد أتاحت هذه الثورة التخيل بمقدرة الانسان الخارقة على تثمير المعلوماتية لتميكنه من علوم التحكم بالعالم. الا انها جاءت منذ مطلع التسعينات لتشكل في الواقع الشرط التكنولوجي الضروري لعولمة السوق. ولتؤدي ثورة الاتصالات هذه الى ترشيق حركة الاستثمارات متعددة الجنسية بين الأسواق العالمية ولا سيما أسواق بلدان الجنوب منها التي راحت منذ الثمانينات تتسابق على توفير الاغراءات لتلك الاستثمارات بعد التوسع في اعتماد حكومات هذه البلدان لسياسات التكيف الهيكلي. وهكذا تكون ثورة الاتصالات قد استثمرت من قبل قوى الرأسمال الأقدر على تمويل نقلها من حيز العلم الى حيز التصنيع، فوضعتها هذه القوى في خدمة الاستثمارات التجارية والمالية العابرة لأسواق وبورصات العالم لا يعوق حركتها اي نظام ضريبي على أرباحها ولا أي قيد على خيارات تثميرها. وكان لثورة الاتصالات آثارها المميزة في مجالات ترشيق حركة الاستثمارات سواء في الزراعة او في التصنيع الزراعي الغذائي. وبرزت هذه الآثار المميزة خصوصا في ما عمدت اليه تلك الاستثمارات المنفلتة من أي ضوابط، في عولمة لأنواع زراعية بنكهات ومردوديات سبق لنمط الزراعة الرأسمالية المكثفة (Agriculture productiviste) ان اعتمدها بعد الحرب العالمية الثانية وفقا لمقتضيات المنافسة وقانون الربح متفلتا من ضوابط السلامة الغذائية خاصة وان الطلب المتزايد عليها في البلدان الفقيرة هو طلب غير قادر على اشتراط مثل تلك الضوابط. وكان الدعم المتزايد الذي اعتمد في السوق المشتركة منذ مطلع الستينات قد أدى الى التكثيف المتزايد في النمط الزراعي المكثف وتجلت أبرز مخاطر هذا النمط في ما اعتمده من أعلاف يدخل في تكوينها طحين نفايات المسالخ والهرمونات او المضادات الحيوية. وتكشفت مخاطر هذا النمط في أواخر التسعينات عن ظهور أمراض تصيب الحيوانات المعلفة اولا وتصيب من ثم مستهلكي لحومها (مرض جنون البقر والحمى المالطية وغيرها). وأدت هذه المخاطر الى نشوب الخلافات المستعصية بين البلدان الغنية التي تتذرع ظاهريا بالشك بمخاطر منتجات بعضها البعض بهدف الحد من صادراته الغذائية اليها وذلك بهدف حماية منتجاتها من دون إعلان الابقاء على تدابير حمائية لا تقرها مبادئ التبادلية والشفافية المعتمدة في اتفاقية الغات ومنظمة التجارة العالمية. وجدير بالذكر ان الخلافات قد استعرت مع تطوير كشوفات الهندسة الوراثية وتطبيقاتها في الزراعة الاميركية لإنتاج ما سمي بالانواع والكائنات المعدلة وراثيا (Orgsnismes genetiquement modifiژs - OGM). *** لقد حاولت الدول الغنية وضع حد للخلافات حول معايير السلامة البيولوجية للغذاء (Bio-securitژ) فوقعت في كندا عام 2000 بروتوكولا حول هذه المعايير يهدف الى تنظيم تجارة المنتجات الزراعية المعدلة وراثيا. ولا يخفى على المراقبين ان توقيع هذا البروتوكول كان قد تم تحت ضغط الاتحاد الاوروبي مستعينا بضغوط من الدول النامية المتحفظة من جهتها على مبالغة الاتحاد في التحفظ على بعض المعايير التي يصعب إثباتها احيانا (فقد ادعت الولايات المتحدة ان التخوف الاوروبي من إصابة مستهلك واحد بمرض الألفا توكسين، المتأتي عن استهلاك انواع من الحبوب والفاكهة الجافة، من أصل مليار مستهلك لهذه الانواع هو تخوف المقصود منه منع منتجات زراعية من دول غير اوروبية من الدخول الى أسواق هذه الدول وهذا ما سيؤدي الى خسارة البلدان الافريقية لصادرات تقدر قيمتها بحوالى 700 مليون دولار اميركي). وجدير بالذكر ان البروتوكول الموقع في كندا كان قد أعطى الحق للدول الموقعة عليه بعدم استيراد المنتجات التي لا تتوفر »الثقة العلمية« بسلامتها الغذائية. وهذا ما سمح لفرنسا ولدول من الاتحاد الاوروبي بعدها بالتحفظ وصولا الى حد توقيف الدفع لأثمان كميات من العلف والذرة المعدل وراثيا ومن لحوم البقر المعلفة بإضافات هرمونية قادمة من الولايات المتحدة. وقد دفع هذا الموقف هذه الدولة الاخيرة الى الرد بتوقيف مستوردات غذائية من أوروبا ومن فرنسا خصوصا بلغت قيمتها 300 مليون دولار اميركي خلال عام واحد. وكانت أنواع مشهورة من الجبنة الفرنسية في طليعة تلك المستوردات التي تم التوقف عنها. وقد رفعت الولايات المتحدة دعوى أمام لجنة مختصة تابعة لمنظمة التجارة الحرة تتهم دولا في الاتحاد الاوروبي بعدم تقديم المبررات العلمية الكافية لمقاطعة منتجاتها. ان التركيز على الزراعة المكثفة (Agr.productiviste) ادى الى اعتماد اسلوب التنميط (Standardisation) في انتاج المدخلات الزراعية وفي استعمالها لانتاج مخرجات منمطة. وذلك تلبية لطلبات الصناعات الزراعية الغذائية المتعدية الجنسية أمثال طلبات شبكات مطاعم ماكدونالدز وبرغر كينغ وغيرها. وكانت الاستثمارات الاميركية في مثل هذه الشبكات قد خرجت من الولايات المتحدة في أوائل السبعينات بعد تشبع السوق الاميركي بعروضها وخدماتها. وكانت السوق الفرنسية أحد أهم الأسواق الاوروبية المستقبلة لفروع تلك الشبكات الغذائية. وفي مواجهة هذا الهجوم للاستثمارات الاميركية أخذت المطاعم الفرنسية الشهيرة (أمثال Maxim & lipp) وغيرهما) تتكيف باتجاه هذا التنميط الغذائي الاميركي السريع (Fast food). وأخذت تتكاثر في المدن وعلى الاوتوسترادات فروع لمطاعم فرنسية على الطراز الاميركي (Free time & Magic Berger & France Quick) تميل الى تسميات انكليزية والى تنميط مشابه في النكهة والديكور وأساليب الخدمة والادارة. وارتفع تعدادها في غضون عشر سنوات (1989 2000) من 150 مطعما الى 760 مطعما. وادى هذا النمط من عولمة الاستثمار في التصنيع الغذائي الى عولمة في التعاقدات مع شبكات التسويق الزراعي المحلية والاوروبية والمتوسطية احيانا لتوفير المدخلات الزراعية الضرورية. وكان الطبيعي ان تكون حدود المنتجين الكبار للمحاصيل المنمطة المطلوبة أكبر، اضافة الى حظوظهم الاكبر في الربح المتأتي عن فروقات اقتصاديات الحجم والمساحات بالمقارنة مع حظوظ المزارعين الصغار والمتوسطين. وتعمل هذه الفروقات على استبعاد هؤلاء العاجزين عن الاستثمار المكلف في تكنولوجيا التنميط الزراعي المطلوب من الشبكات المتعدية الجنسية المتخصصة بالتجهيز بالمدخلات او المتخصصة بتسويق المخرجات. *** لقد ادى التحول في فرنسا باتجاه التنميط الزراعي الغذائي المتعدي الجنسيات والثقافات الى الابتعاد تدريجيا عن مفهوم المطبخ الفرنسي المشهور عالميا تحت اسم (La haute cuisine) هذا المطبخ المتكيف داخل فرنسا وفق تراثات مذاقية مناطقية وتقليدية متمايزة، والمشهور بالحميمية والأتيكيت الانزواءات المضاءة رومانسيا بالشموع. انه تحول يشبه التمرد على المعايير الثقافية الفرنسية المحافظة الذي شهدته فرنسا على الصعيد الاجتماعي السياسي عام 1968. فها هي المطاعم المأمركة نكهة وأسلوب خدمة وديكورا ومساحات تغادر الزقاقات الضيقة الى الأوتوسترادات والجادات الكبرى تبنى وفق تصاميم الاستراحات لا بل المحطات المتكاملة والرخيصة الخدمات تقدم الأكل المنمط بالأحجام الكبيرة بالسرعة المطلوبة وبالسعر المحدد والمحدود دونما وحي بأية علاقة مع الحضارة والثقافة الفرنسيتين. انه التنميط الاميركي في ساحات المدينة وجاداتها الغنية كما على أوتوستراداتها او في ضواحيها الشعبية الفقيرة انه التنميط الاميركي لأسلوب الحياة الذي لا يبرز الملامح الطبقية على صعيد الاستهلاك. انه الفهم الاميركي المهيمن للانسان كمستهلك يندمج مجتمعيا ولا يجب ان يميزه استهلاكه لا اجتماعيا ولا سياسيا. وهو فهم يخالف الفهم الفرنسي حيث ان الانسان هو رب عمل او مأجور يندمج فئويا ويميزه استهلاكه اجتماعيا وسياسيا. الخلافات بين الدول الغنية مارست اجهزة منظمة التجارة الحرة ضغوطات على الاتحاد الاوروبي ليقدم تنازلات في مجال تحرير الاسواق الاوروبية في محاولة لاعادة الاعتبار لحضورها الدولي بعد الحرج الذي واجهته من التظاهرات المعارضة في سياتل وقبل الاجتماع المقرر لها في الدوحة عاصمة قطر. وقد حاولت اجهزة المنظمة إغراء دول الاتحاد الاوروبي بأن تنازلاتها في مجال المعايير العلمية للسلامة الغذائية او، بكلام آخر، في مجال رفع التدابير الحمائية عن دخول المنتجات الاميركية المعدلة وراثيا، سيمكنها من مضاعفة صادراتها الزراعية والالكترونية في الاسواق العالمية وستمكنها من تحسين نواتجها المحلية (PIB) ومن تخفيف معدلات البطالة العالية نسبيا. غير ان الرأسماليات الاوروبية كانت تدرك ان فوائدها من تحرير الاسواق العالمية امام صادراتها ستكون أقل من خسائرها التي ستكون أكبر بعد انفتاح أسواقها أمام الصادرات الزراعية الاميركية وأمام الصناعات الالكترونية الآسيوية القادمة اليها بعد فتح أسواقها. وفي سبيل الخروج من هذا الضغط الذي لا تتوقف الولايات المتحدة مع الكثير من دول الجنوب عن ممارسته عبر منظمة التجارة الحرة يلاحظ ان الرأسماليات الاوروبية تميل الى الهروب باتجاه: } عقد المزيد من اتفاقات الشراكة مع دول جنوب المتوسط وافريقيا. } عقد المزيد من الاتفاقيات لتوسيع عضوية الاتحاد الاوروبي مع بلدان وسط وشرق أوروبا. وفي هذا السياق برزت في أوروبا 3 تيارات: 1 تيار التحالفات السلطوية المدعوم من كبار المزارعين المستفيدين من الدعم على التصدير ومن أشكال دعم اخرى وكذلك من الشركات الزراعية الغذائية المستفيدة هي ايضا من الأسعار المدعومة لمدخلاتها الزراعية. 2 التيار البيئي وخاصة منه الخضر في ألمانيا وبلجيكا وهو تيار ينزلق الى انفلات ليبرالي بقصد او بدون قصد عندما يطالب بمساواة الاسعار الداخلية الاوروبية بالاسعار العالمية اي برفع الدعم وحواجز الحماية وبذلك يضحي بمصلحة كبار المزارعين في الدعم خاصة وان أسعار 10$ فقط من المنتجات الاوروبية تتساوى مع أسعار الكلفة المنخفضة في الاسواق الاميركية. ويرى التيار البيئي الليبرالي ان التعويض عن خسائر المزارعين الاوروبيين الصغار يتم عن طريق إعطاء المساعدات لهم شرط قبولهم بالتقاعد المبكر وترك أراضيهم لمقتضيات التوازن البيئي. وفي مثل هذا الطرح الليبرالي المنفلت للتيار البيئي اليميني يمكن ان يتقلص عدد الحيازات في أوروبا من 7 ملايين حيازة حاليا الى بضع مئات من الحيازات القادرة على المنافسة في الأسواق العالمية والمفتوحة أمام الاستثمارات الاقوى في الزراعة المكثفة. 3 التيار الثالث او تيار الزراعة الفلاحية المواطنية: ينضوي هذا التيار تحت شعار الزراعة المستديمة اجتماعيا وبيئيا والسيادة الغذائية ويقوده »التنسيق الفلاحي الاوروبي« ومن داخله الكونفدرالية الفلاحية التي يقودها (J. Bovژ) وتدعمه منظمات بيئية يسارية ومنظمات للمستهلكين وبعض احزاب الخضر اليسارية بالاضافة الى منظمات التضامن العالمي. وتتلخص مبادئ هذا التيار كالتالي: »حق كل بلد او مجموعة بلدان بالسيادة الغذائية وحقه بالكفاية بالموارد الاساسية منها والأعلاف«. وجدير بالاشارة ان المطالبة بهذا الحق تذهب في صالح لمزارعين الصغار والمتوسطين ولا تقلل من الربح التفاضلي الذي يحققه عادة كبارة المزارعين. ان الانطلاق من هذين المبدأين يرتب القبول بالتدابير الحمائية على انواع المستوردات ويرفض الدعم على التصدير في الوقت الذي يطالب بدعم المزارعين المنتجين للسوق الوطنية عن طريق اقتطاع نسبة من فرق سعر الواردات الارخص المنافسة للمنتجات الوطنية لتغذية صندوق يدعم الاسعار المحلية. ويعتبر هذا التيار الثالث ان الدعم المباشر على الصادرات والاشكال غير المباشرة الصعبة المراقبة تحول المزارعين الى موظفين وان الدعم يعمل عادة لصالح كبار المزارعين الأقوياء (80$ من الدعم يذهب لصالح 20$ من المزارعين ولا ينال الصغار منه الا ما يحسب ضروريا للحد الادنى من كلفة معاشهم). وان فتح الاسواق وانتهاك حق السيادة الغذائية يعرض المزارعين في البلدان الفقيرة الى مزيد من التهميش لعجزهم عن المنافسة في مواجهة الاسعار العالمية المنخفضة. من المبادئ الاساسية الاخرى لهذا التيار: 1) ان تحدد مساحات الحيازات لتمكين الشباب من الحصول عليها. 2) إزالة تدابير التكثيف الصناعي الكيماوي في الزراعة وفي تربية المواشي وربط حيازة المواشي ودعمها بحيازة الاراضي. 3) ازالة المدخلات الكيماوية تدريجيا. 4) اعتماد مبدأ تغريم كل مزارع ملوث للبيئة والانتاج (Pollueur payeur). 5) إعطاء المزارعين الذين يخلقون فرص عمل اضافية نسبة من الدخل تشجيعا لهم. 6) ضرورة ان يتم التمييز في الدعم بين المناطق المختلفة مناخيا. 7) واخيرا مبدأ اعتبار الزراعة بمثابة نشاط متعدد الوظائف (Multifonctionnel) في حياة البلاد كافة. فهي نشاط وطني بكل الابعاد. ولا يعقل ان يترك لتجمع كبار المصدرين الزراعيين. فالزراعة هي متعددة الوظائف البيئية والاجتماعية والغذائية والتشغيلية تلامس هواجس المواطنين كافة ولذلك أطلق هذا التيار على نفسه اسم تيار الزراعة الفلاحية المواطنية. (*) باحث اجتماعي اقتصادي رئيس الجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع.