»تلافيا لحدوث أي حالة تشبه الندم على شراء هذه الاسطوانة المدمجة، ينصح بعدم سماع الاغنية رقم 5 ورقم 10 خاصة وانها نفس الاغنية بشكلين وبإصرار«. بهذه »الملاحظة« قدم زياد الرحباني لعمله الاخير »مونودوز« الذي تؤديه سلمى مصفي. وما الاصرار على هذه الاغنية التي تحمل عنوان »..وبتموت« الا كونها تمهد بطريقة او بأخرى لمجمل الجو العام الذي يحكم الاسطوانة. ف ».. وبتموت«، او "black & whyس كما ورد في الترجمة الانكليزية، تعلن موت الحب الذي لا يموت: »ما دام أحلى وردة بتموت، والطير شو ما علا بيموت«، وتنتهي بشيء من السخرية: »مات مش بيموت«، على الرغم مما قد يسببه ذلك من صدمة بالنسبة الى المستمع العربي الذي لا يجد ريبيرتوار أغانيه الهابطة والراقية ما يتغنى به سوى هذا الحب بالذات، مضافا اليه طبعا حب الوطن الخالد بدوره. تعود هذه السخرية من »الحب الخيالي« لتظهر في أكثر من مكان كما في أغنية »ما منيحه الرسالة« حيث نجد ان »كلماتها رتيبة.. صفحة واحدة فيها.. اتنعشر مرة حبيبي.. قال انت حياتي قال.. وقال داب الهوى عالشال.. تا ضاع بالليالي«. هكذا ينتفي الحديث في »مونودوز« عن الحبيبين او الزوجين ليحل محلهما الشريكان (pactners) او الانثى والذكر او الصديق والصديقة، فيعبد المستمع نفسه أمام علاقات لا يؤدي الحب والغرام فيها دور الراعي الرسمي والاوحد، انما يبدو كعامل مؤثر مصطف الى جانب عوامل اخرى. ففي أغنية »ما بتفيد« مثلا، تصل العلاقة الى حافة الحائط المسدود على الرغم من اعتراف المرأة لصديقها ان حبه لها لم يتغير: »حبك لإلي لا بيقل ولا بيزيد«. اننا ببساطة أمام علاقات حقيقية، من لحم ودم، تستمر لفترة محددة تراوح بين ليلة واحدة، كما في "un verre chez nousس، وبين السكن معا في بيت واحد، كما في »ولعت كتير«. وهي علاقات لا تستمد شرعيتها من الروابط المؤسساتية، كما لا يستمد فيها الشريك وجوده من الشريك الآخر، انما هو فرد قائم بذاته يختار شريكا له ما يلبث ان يغادره ما ان يشعر انه لم يعد مناسبا له. يرسم زياد الرحباني هذه العلاقات التي أصبحت الاكثر انتشارا في العالم، حيث يحل مفهوم »الصداقة« و»المصاحبة« مكان »الحب« و»الغرام«، من دون ان يقلل من أهمية المشاعر التي تربط الشريك بشريكه، فالرابط هنا شديد الحساسية: »ما انت لما بتنحني وبتبوس ايدي على مهل، فكرك هيدا شي سهل، اي لأ تسلملي«، وهو يتجاوز الابعاد الحسية ليطال العقل: »ليه دايما ايدي.. شعري او عيني.. لي ما بتحكي عن غير اشيا موجودة فيي..«. لكنه رسم، وان بدا رائدا وجريئا على مستوى المضمون، فإن جملة جاءت مفتقدة للتراكيب والصور اللامعة التي كثيرا ما طبعت أعمال الرحباني، بما فيها الاغاني الجديدة في حفلة بيت الدين وأغاني شريط »بما انو«. فمهما بحث المستمع« فإنه لن يعثر على جملة تشبه بفرادتها وجمالها »شو بدي دوّر.. لشو عم دوّر على غيره.. في ناس كتير.. لكن بيصير.. ما في غيره«. وقد تكون حجة الرحباني في ذلك ان طبيعة عمله الجديد تحتم الابتعاد عن أي تدخل في الصيغ المستخدمة في الكلام اليومي. وهي حجة، وان كانت لا تصمد كثيرا، الا انها تفسر أكثر ما تفسر إيراد معظم كلام أغنية »ان فير شي نو« باللغة الفرنسية، حيث ان مضمون هذه الاغنية هو ما يمكن تخيله داخل احدى الحانات المنتشرة في الجانب الفرنكوفوني من بيروت حيث يكثر »التخليط« بين العربية والفرنسية المكسرة. لا يكتفي الرحباني بتجريد العلاقات من »الحب الخيالي«، بل يذهب أبعد من ذلك حين يعمد الى كسر المحرمات. وهو يدرك ان ذلك لا يمكن ان يتم عبر علاج الصدمة او التحدي المراهق، لذلك نجده يقوم بعمله على نحو هادئ مستخدما عبارة هنا وغمزة هناك ليجعل الحديث عن بعض »التابوات« في المجتمع أمرا مقبولا. هكذا يتطرق بكثير من اللطف الى مسألة المساكنة في »ولعت كتير«. فلا يخفى على أحد ان الساكنين في هذا البيت الذي يشبه »التخشيبة« ليسا زوجين. وتشير سلمى الى ذلك بوضوح حين تقول: »قللي كيف ممكن انو تسكن بنت عندك انت قللي شو بتعملها«. ومن دون وعظ او خطابية، يكفي ان نسأل المرأة في اغنية »ان فير شي نو«: (Est-ce que vous گtes pژdژ?) أي »هل انت مثلي جنسيا؟« لإبراز هذه الفئة والتدليل على حضورها في مجتمع كثيرا ما يضطهدها ويمعن في إغفال ذكرها. والمرأة التي تجرأت سابقا على القول: »مش فارقة معاي«، ها هي الآن تقول: »روح يا« و "Quand est ce que pouvons - nous venir prendre un verre chez vous?س و»مش بس تلفنلي.. مش بس تسلملي.. احفظلي هالعنوان.. وعي مين ما كان«. فالمرأة في »مونودوز« هي الفاعلة، فيما الرجل هامشي ومتلق. فهي التي »تطحش« وتدعوه لقضاء الليل معها، ثم تعود وتدعوه الى الكف عن سخافته والنظر الى ما هو أبعد من جسدها، وهي التي تعلن له موت الحب، قبل ان تتمرد معلنة: »بدي صفي قلك لا اذا ما رح بتقلي اي«. باختصار الرجل مع »مونودوز« لم يعد »بهالقوية«... بالاضافة الى ذلك، لم يتورع الرحباني عن ذكر حشيشة الكيف باعتبارها مخرجا أغلق هو الآخر في وجه رجل غارق حتى أذنيه في مشاق الحياة اليومية. التوتر والتردد يبدوان مع الرحباني ملازمين لأي علاقة. لكنهما هنا لا ينبعان من عدم استجابة طرف للآخر، انما هما جزء مكون للعلاقة نفسها التي تبدو محكومة باضطراب حتمي قد يقودها الى حافة العبث كما في أغنية »ما عم بعرف ليه«: »لام وكسرة لي، لام وفتحة لا، ما عم بعرف ليه، دايمن انت لا«. وما من شك ان الظروف النفسية والاقتصادية العامة قد تؤثر في السلوك اليومي وتدفع به الى هذا الاتجاه. فكعادته ينتقل الرحباني بخفة ما بين العام والخاص، لا بين أغنية واخرى وحسب، فإن تلي أغنية »اسعد الله مساءكم« اغنية »وبتموت«، انما ايضا داخل الاغنية نفسها، كما في »ولعت كتير« حين يتم الحديث عن المشكلة البيئية العامة مباشرة بعد البقلاوة الذي »صرلو شهرين عالمجلى«. وحين تصرخ الفتاة في مواجهة مشاكل المياه والكهرباء ووضع البيت الذي لا يشبه سوى »عش فراخ كبير«: »انا بدي عيش عيشة طبيعية«، لا يجد شريكها ردا سوى: »نبشت الريف على نثرة حشيشة، البقاع نضيف بس مش قدو العيشة« كأنما الرجل هنا هو نفسه رجل »بما انو« حيث »العيشة سودا ومش بيضا«، والحل لا يكمن الا بالاجتماع واتخاذ القرار بأن »نسلق بيضة« كونها مغذية ومفيدة. هذا البقاع النظيف لا يشبه بنظافته الا نشرات الاخبار التي تبدو أغنية »اسعد الله مساءكم« موجهة اليها، وهي أغنية لا كلام لها سوى جملة »أسعد الله مساءكم« في البداية »وهذا كل شيء بالنسبة لهذه الليلة وتصبحون على خير« في النهاية، وتفصل ما بين هاتين الجملتين موسيقى هذيانية يقطعها بين الحين والآخر صوت سيارات الاسعاف. وتواصل الاسطوانة سخريتها في أغنية »دعوى ضد مجهول« منتقدة عدم تحديد المسؤوليات في ما آل اليه الوضع في البلد، وكون الدعاوى كلها ترفع »ضد مجهول«: »البهلة ملاحق شو ملاحق.. لاحق مجهول.. وتعا حصل يا حبيبي«، ثم تضيف: »هاي دعوى ضد... ضد... ضد...«، وهي اذ تردد »ضد« ثلاث مرات لا يبدو انها تفعل ذلك للضرورات الموسيقية وحدها، فالمسافة بين »ضد« و»ضد« هي تحديدا ثلاث نقاط... ثلاث نقاط معدة للملء بالكلمة المناسبة.