As Safir Logo
المصدر:

نداءات الباعة الجوالين القديمة الجميلة في دمشق تحولت إلى مكبرات الصوت لوحات إعلانية تسويقية مادتها الخفية هي الجنس

المؤلف: جروس سعاد التاريخ: 2001-04-06 رقم العدد:8870

ياما رماك الهوى وقلبي انكوى يا ناعم. هذه الكلمات ليست من حوار بين عاشقين ولا تغزل صبية بشاب نحيل.. بردان؟ تعا صوبي. هلق طاب أكل العسل! بدوية يا سمرة.. مزاوية يا حلوة.. شحرر يا مال الوادي. الله الدايم...!! انها قصائد شعبية مغناة كان يسمعها الناس في الماضي، من رجل بسيط يرتدي شرواله الأسود وصدرية الدامسكو وقبعة صغيرة تغطي قمة الرأس، ساحبا خلفه حمارا او دافعا امامه العربة الخشبية، عابرا الحارات من الصباح وحتى الظهيرة، لا يأخذ قسطا من الراحة الا مع الأذان ودخوله اقرب جامع للصلاة. انه البائع الجوال وهو يدلل على بضائعه بكلمات غزلية، وعبارات ملغزة تنادم الغرائز وتلامس الروح. صورة لم يبق منها اليوم سوى بقايا باهتة، في كتب التراث والفلكلور. مظهر يفتقده ما بقي من المدينة القديمة، ولم تعرفه المدينة الحديثة باتساعها العشوائي القلق. إشارات جسدية عندما نسمع نداءات الباعة اليوم بأساليبهم الناجمة عن حالة الصخب العامة المتمازجة مع حياتنا اليومية، يعود الى الذاكرة نداء قديم، يعبر عن واقع النداءات الآيلة للنسيان: (هدوا خيامك وراحت أيامك. وما بقي بالكرم غير الحطب يا عنب). لم يبق في الشارع اليوم سوى مخلفات الضجيج وحمى السعير الاستهلاكي، حيث تلاشت الصورة الشاعرية السابقة للباعة الجوالين، وهم يقبلون مع الصباحات النديةصيفا والباردة شتاء الى الحارات الدمشفية الملتفة على بعضها بعضا، ينادون على بضائعهم بأصوات مغسولة بالشجن، فيرق قلب الشاري وبالأخص النساء المتواريات خلف الشبابيك والمشربيات، ليتشرين الخضار والفواكه ويمارسن هوايتهن المحببة بالمجادلة بالأسعار، وكأن في ذلك تقليدا شاميا عريقا يستهوي البائع والشاري معا، لينسجا دراماهما اليومية، البادئة مع نداء البائع بصوت قد لا يكون رخيما، لكنه مقنعا في التدليل على بضائعه، ولما يحمله النداء من دلالات ومعاني مثيرة للخيال مثل نداء بائع الترخون: (ويلك يا ابن الزنا يا خاين)، لعل هذا النداء الغريب يحاكي في النساء الفضوليات الشهوة لأحاديث النميمة وتبادل أخبار الخيانات المريبة. كما ان لبعض النداءات الطريفة وقعا مثيرا لما فيه من ترميز جنسي واضح كنداء بائع القثاء (على ضو القمر مدت ها الفتة)، وبائع الشوندر (بردان تعا صوبي هلق طاب اكل العسل)، وبائع الدراق (لا تشلحوا بشلح لحالو). وبرغم ما تنضوي عليه هذه الندءات من تماس مباشر مع أحد المحرمات في مجتمعاتنا يلاحظ انها تضفي روح الطرافة على عملية البيع وتعكس عمق الكبت الجنسي ومدى سيرورة هذا الجانب في السلوك اليومي، وأيضا في عملية الترويج والاعلان الذي يعتمد كثيرا في شكله الحديث على الايحاءات الجنسية أكثر من ملامسة الوجدان الانساني. من هنا يمكن اعتبار نداءات الباعة الجوالين الشكل البدائي للاعلان والترويج فهناك من النداءات ما يوقظ الذكريات الحميمة كأحلام الصبايا والشباب كنداء الغزلة (يا غزل البنات ياما غزلوك في الليالي، يا غزل البنات) مع التشديد على الليالي، وتنغيم النداء يداعب اسماع الناس ملبيا حاجة جمالية تكون الوسيلة للترويج. وكما الموسيقى اليوم إحدى أهم دعائم الاعلان السمعي والبصري، كذلك هو النغم في نداءات الباعة الجوالين، الذي يبدو مختلقا وقد يأتي على بعض الأحرف فيحذفها لضرورة التنغيم، وقد تأتي كلمات النداءات مجتزأة وممطوطة حتى يصعب فهمها مثل نداء الكعك التماري إذ يلفظها البائع (ريا كعيع) وهي بالأصل (تماري يا كعك) او بائع الشراشف (آآآآآآشف، ملاحف). .. إعلانات تعكس أساليب الباعة الجوالين في الماضي آلية اعلانية فطرية متقنة. وبرغم بساطتها، فهي تحتوي على كافة العناصر الأساسية التي تقوم عليها العملية الاعلانية في الوقت الراهن، كاستخدام الموروث الاجتماعي والتاريخي للمستهلك، وأيضا دغدغة الغرائز والحواس الخمس. من هنا تُعتبر نداءات الباعة جنسا اعلانيا مؤثرا، لم يفقد فعاليته برغم التطور الكبير الذي ألمّ بعلم الاعلان في العالم. كون تلك النداءات تستمد معانيها من البيئة الاجتماعية بموروثها التاريخي الممتد الى الحاضر، كمناداة بائع البليلة الحمص المسلوق (بليلة بلبلوك، وسبع جوار خدموك، يا بليلة) يستجلب الى الذهن بشكل عفوي حكايا ألف ليلة وليلة، واجواءها وعجيبها. كذلك يتجلى الأمر في النداء على اليخنة (يخنة طبخ الجارية بتنفخ، والعبد ع الباب، بقلع كلاب). في هذا المشهد المغنى تتوارى حكاية طريفة مفترضة عن العبد الواقف عند الباب لإبعاد الكلاب المتجمهرة بسبب رائحة اليخنة، كما تعكس جانبا من أجواء المطابخ القديمة، وتعطي لليخنة هذه الأكلة المتواضعة، طابعا فاخرا. والنداءان تظهر فيهما سمة المبالغة التي يتصف بها الاعلان عادة، لكنها في الوقت ذاته تعكس ميل الناس للمبالغة والتهويل، فالحمص (البليلة) على فقرها ثمة سبع جوار تخدمها كما هو حال اليخنة أيضا!! والاعلان كأي فن آخر يعكس ثقافة المجتمع وقيمه وتقاليده، فيمكن التعرف على بعض القيم الجمالية لدى المجتمع الدمشقي في العقود الماضية، من نداء بائع الزعرور (أبيض أحمر يا زعبوب، مر محنى يا زعبوب، والبزر بن يا زعبوب). ان المنظر التشكيلي هنا مشغول بألوان الطبيعة ويخاطب الحاسة البصرية، التي يعمل اليوم عتاة العاملين في المجال الاعلاني على وضع أسس ونظريات لآلية الخطاب البصري، واستثمار تقنيات الصورة التي حققت تقدما هائلا في التأثير والاقناع. ومع الفارق بين الماضي والحاضر إلا ان تلك النداءات ما تزال تحتفظ بقوة تأثيرها لما تفتحه من مسارب في الخيال لأن يشطح في رسم لوحة الجمالية الخاصة. فعندما ينادي بائع العنب: (الزيني الماس والاحمر دباس) يرتسم للشاري تشكيل بالغ الروعة لعناقيد العنب الصافية صفاء الالماس، وتتوق النفس لطعم حلاوة الدبس في العنب الاحمر الناضج. اما بائع التين عندما ينادي (دابل وعا دبالك يا عيون الحبيب، وعا دباله يمشي لحاله) ترتسم الصورة خلابة للعيون الناعسة، ومتاح لكل من يسمع ان يتصور تلك العيون حسب ارتباطها بذاكرته. الى جانب القيم الجمالية يغني نداءات الباعة احتواؤها على الفعل والحركة. في نداء الباذنجان الاسود لا تلفت المبالغة بشدة السواد فقط، وإنما الفعل الحاصل عن تلك المبالغة اذ يقول النداء (اسود ومن سواده هرب الناطور) وهنا دلالة قوية على استبعاد اللون الاسود من الألوان الجمالية، في الموروث الشعبي وبالاخص اذا كان يرمز للون البشري، كون البياض من سمات الجمال الانساني في العرف الدمشقي. وجاذبية النداء تكمن في حالة الغموض التي يثيرها، وتحريض العقل للبحث عن اجابة لسؤال حول ماهية المنادى عليه مثلا، وربما لن يقف في وجه الخيال ما يمنعه تصور اي افتراض آخر غير صورة الباذنجان الاسود موضوع النداء. ومثلا في هذه الكلمات (طلعوا علينا العبيد بالليل يا اسود)!! هل بالامكان تخيل ان المنادى عليه هو العنب الاسود، وليس الباذنجان؟!!. حامل جغرافي نداءات الباعة على ما تمثله من قيم اجتماعية واخلاقية وجمالية هي ايضا حامل جغرافي تسويقي، يدلنا على نوعية البضائع وبالاخص الخضار بحسب جودتها المنسوبة للمكان. فأطيب انواع الصبارة تلك المجلوبة من منطقة المزة الشهيرة ببساتين الصبار (هية مزاوية يا حلوة)، (باردة وعالندى شغل المزة هالصبارة). أما الكرز فأفضله الاستنبولي والحماني، والتين المنسوب لبلدة مضايا (شغل مضايا يا تين لكن بالأكل شهوة)، والسفرجل للزبداني، واليوسفي لطرابلس (شغل طرابلس ها الافندي رأس الملك)، أما البرتقال فنسبه الشهير الى مدن لبنان وفلسطين (شغل عكا وصور هالبردقال، قشر مالو هاليافاوي)، والبرتقال السكري للمغرب والعنب لداريا في ريف دمشق، والتفاح الزبداني والنرباني والازميري، والتوم يبرودي وكسرواني والجزر قابوني والتمر بغدادي، والكمأة صحراوية. ومع المرور على تلك الخارطة للفواكه والخضار قد لا تدل على حركة السوق والتواصل التجاري بين تلك المدن من المغرب الى بغداد حتى استنبول وأزمير... الخ بقدر ما نستدل على خارطة الجودة، وكأنها ماركات معروفة، وقد يكون التفاح محليا إلا ان البائع يقول انه مال أزمير للترويج، لكن على الدوام تستوقفنا دمشق وأريافها كجنة للفواكه والخضار. وما يشجع هذا التصور نداءات الباعة التي تفضل وتحبب الانتاج المحلي، فينادون على الليمون الحامض (بلدي بيتنا هالليمون أنا حوّشتو من عند بديعة خانم). لا تخلو نداءات الباعة من حس الدعابة والطرافة التي تحبب بالبائع وتجعله قريبا من الناس ومتواصلا مع همومهم فيقبلون على بضائعه بابتسامة ينشدون المزيد مما يبهج القلب. فهناك من النداءات التي تحكي عن النكايات بين الجارات كنداء بائع الثوم (يبرودي يا توم... كسرواني يا توم.. ولا عازة الجارة يا توم..)، وأيضا »ببلاش الردي يا توم). وعن العلاقة مع الحماة كما يشير اليها بائع السكاكين المنزلية (يللي بدو يصالح حماتو). وتبرز الطرافة هنا كحاجة تطلبها طبيعة مهنة البيع الجوال، كمهنة شاقة تلزمها قدرة كبيرة على تحمل الاسئلة المجانية وعبء المفاصلة على الاسعار، وأيضا الهدوء في التعامل مع صنوف مختلفة من البشر باختلاف طبائعهم، حيث تبدو روح الدعابة والمرح وسيلة النجاح في هذه المهنة. وفي هذا السياق يلجأ البائع الى تأليف نداءاته الطريفة كاستعارة صفات لاصناف من الخضار لتشبيهها بأنواع أخرى من الأغذية المحببة للترويج، كتشبيه الكستنا بالمخ (مو طيب ها المخ إلا بالحمض لاوي، جديدة هالكستنا) والدراق بالبقلاوة (دشَّروا البقلاوة وإجوا على شانو طاب يا زهري). الا ان ثمة نداءات تمتلك خصوصية شديدة فلا يُعرف اصلها الا بمعرفة حكايتها كنداء بائع الكوسا محشي الذي ذكره نجاة قصاب حسن في كتابه »حديث دمشقي«، وذلك البائع حسب القصة كان يكرر نداء واحدا لا يتغير (يا رب ما أكثر خلقك) وعندما سأله مقرب منه عن سر هذا النداء اجاب: (منذ ثلاثين سنة وأنا اجلس في باب الجابي أبيع كوسا محشي لا يؤكل من سوء حشوته. ومن يأكل منه لا يعيدها ثانية ومع ذلك كل يوم تنفق الحلة..). لقد تبدلت ملامح البائع الفقير الساعي وراء لقمة عيشه من الصباح وحتى المساء بنفس رضية وقناعة لا تفنى، رصيده من الدنيا عربة صغيرة، وكثير من الصبر والمراس في التعامل اليومي، وبعض ما حفظه من نداءات، ودعاء الى »الكريم« ليفتحها بوجهه. ومع التحولات الطارئة على سمات المدينة المعاصرة صار البائع الجوال أكثر ارتباكا وقلقا، وفقد القناعة أمام الحاجات اليومية الملحة، ولم يعد لديه الجَّلَد للتجوال بين الحارات كما في السابق، بل هو يسعى للاستقرار في اماكن الزحام، حيث لا يجدي النداء، وهناك يبسطون بضائع لم تعد حصرا على اصناف الأكلات الموسمية، بل أخذت تتحول الى دكاكين متنقلة للملابس والخرداوات، والأشياء الاستهلاكية الرخيصة، في امكنة لا يُسمع فيها سوى اصوات ضجيج السيارات والمارة. وكأن شوارع دمشق بقديمها وحديثها اعتادت هذا المشهد اليومي من الفوضى، حتى بات سمة تحيط بمعالمها الحضارية. فالواقف امام قلعة دمشق يتناهب سمعه العديد من آلات التسجيل الرديئة التي تكرر نداءات الباعة (حياالله غرض بعشرة)، وأصوات جرداء مبحوحة تنطلق من سيارات نقل يزعق بائعها وهو يطرق بأداة معدنية مسترعيا الانتباه فلا يثير إلا الحنق والازعاج، وأيضا الطنابر المزينة بشتى انواع الخشاخيش والتي لا يمل صاحبها من النفخ في بوق متحشرج. إلا ان الظاهرة التي تبدو الأسوأ في هذا المنظر، استخدام الباعة الجوالين مكبرات صوت في الأحياء السكنية الجديدة. تلك المشاهد الباعثة على الضجر لا تعبر فقط عن فقدان عصرنا لهدوء حميمي كان موجودا على الأقل في الحارات البعيدة عن صخب السوق والشوارع الرئيسية، انما تعبر بعمق عن حالة القلق التي تعيشها مدينة دمشق وأي مدينة تنمو بسرعة تحت طغيان الصرعات الاستهلاكية والواقع الاقتصادي المتردي، حيث تحول فيه الباعة الى صيادي زبائن. ضمن اجواء من ارتباك مفاهيم السوق والتجارة، ضاع صوت البائع البسيط وشجوه وتودده اللطيف، وسادت انماط أخرى من البيع الجوال، افرزها واقع البطالة والانتاج المحلي المحموم للسلع الاستهلاكية الرخيصة، والتي ساهمت في ظهور حلة معاصرة للبائع الجوال، بصفة مندوبة او مندوب مبيعات، ينطلق حاملا حقائب البضائع بحثا عن الزبون يغرر به وراء كل باب بيت او مكتب او مؤسسة، بعملية لا تختلف الشيء الكثير عن التسول من حيث آلية الإقناع الى حد الترجي. البائع الجوال الذي عرفناه في النتاج الثقافي والتراثي الدمشقي لن يعود الى شوارعنا الصاخبة. ومهما بدا واقع الباعة الجوالين اليوم بائسا، خاليا من الدفء الانساني، فهو حتما جزء من الواقع العام الذي نعيشه، في مدن تنسى حاضرها يغرق في الفوضى والقلق، بين الحنين الى الماضي والتوق للمستقبل.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة