في الساعة التاسعة من مساء 6/5/92 كان على الطرف الآخر من خط الهاتف مكتب السيد الخامنئي بطهران، يطلب إليّ الحضور للمرة الأولى منذ استلامه موقع الزعامة. ذهبت في الوقت الذي اتفقنا عليه صبيحة اليوم التالي، لأبلَّغ باختياري مستَقبِلاً للجواهري الكبير بعد استجابته لدعوة خاصة من السيد الخامنئي. بعد ساعات خمس كانت السيارة تقلني من قاعة الشرف في مطهر مهر آباد الى مدرج الطائرة القادمة من دمشق. لم تكن فتحت بوابة الطائرة حين وقفت أسفل السلم بانتظار الجواهري الذي سينزل قبل الجميع. خرج الجواهري من بوابة الطائرة، الى باحة السلم، وحين لسعه البرد تراجع قليلاً ولفّ رأسه بشال أسود. ثم أداره على رقبته، لينزل ببطء على درجات السلم. عانقته بحرارة عندما لامست أقدامه الأرض، ورحبت بقدومه، ثم همست بأذنه: إن شاء الله هذا الشال ليس مقدمة للعمامة. لم يقل الجواهري شيئا، وكأنه مختنق بكلمات أخرى تحاول الإفلات من حنجرته، أمسك بيدي، وقال بصوت متهدج: لما ماتت يالله جابوني. وفهمت ما يقصده، قلت له: البقية بحياتك أبو فرات. كان الجواهري قد طلب إلى السفارة الإيرانية بدمشق تلبية لرغبة زوجته تأشيرة دخول إلى إيران بواسطة المستشار الثقافي آنذاك، ولاعتبارات مجهولة، أهمل المستشار الطلب وسافر الى إيران تاركاً الجواز في طاولته المقفلة لحين عودته، مما أثار في الجواهري عاصفة من التذمر الممزوج باللعنة، حتى استعاد الجواز ليذهب به الى الإمارات العربية، لاستلام جائزة سلطان العويس البالغة مئة ألف دولار، ثم الى لندن، حيث تختطف يد المنية زوجته أمونة ويعود الجواهري وحيدا الى دمشق، مفارقا أعز رفيق له في حياته، فتعصف به الغربة القاتلة والشعور بالوحدة، ليلقي به في المستشفى، ويكون وفد المستشارية الإيرانية ضمن الوفود والشخصيات العائدة له على سرير المرض، يرافق الوفد أحد المساعدين للسيد الخامنئي. وما أن تلمح عين الجواهري غضباً المستشار حتى ينفجر فينقل المساعد الصورة بكل تفاصيلها الى السيد الخامنئي، بعد أن يستجلي ملابسات الأمر فيصدر الخامنئي على الفور أمرين: الأول: إقامة مجلس فاتحة على روح »أمونة« من قبله شخصياً وفي حرم الإمام الرضا الذي رغبت بزيارته الفقيدة والثاني: دعوة شخصية ومفتوحة للجواهري لزيارة إيران. وصلت أخبار مجلس الفاتحة، والدعوة في آن واحد الى الجواهري في دمشق، وهو يعيش ذروة وحدته وضجره من الفراغ الرهيب الذي خلفته أمونة برحيلها، وعلى يد رجل يعرف كيف يداعب أوتار الجواهري، من أعضاء المكتب، لذلك جاءت الاستجابة سريعة من الشاعر الكبير. بخطى وئيدة قطع الجواهري المسافة الفاصلة بين سلم الطائرة والسيارة التي ستقلنا الى صالة الشرف. لم ينبس خلالها بحرف واحد، وأظنني استطعت قراءة الوجوم الذي غلّف ملامحه المتعبة، فقد عادت روحه الى دمشق لتصطحب معها رفيقة حياته في رحلته الموعودة إلى إيران، ليحقق رغبتها الأخيرة قبل الرحيل. توقفت السيارة أمام صالة الشرف ونزل الجواهري بين مجموعة من الأدباء والشعراء، اصطفت للترحيب بضيفها الكبير، يتقدمها المندوب الشخصي للسيد الخامنئي. في باحة الصالة، رحّب المندوب، بلباقة وأدب متميزين، وباسم القائد شخصياً، بالجواهري مطعماً ترحيبه بأبيات للجواهري نفسه، يشكو فيها غربته وضياعه المزمن: يا غريب الدار لم تكفل له الأوطان دارا تخذ الغربة داراً إذ رأى الذلّ إسارا إذ رأى العيش مداراة زنيمٍ لا يُدارى& ثم أعقبها: أرح ركابك من أينٍ ومن عَثرِ كفاك جيلان محمولاً على خطرِ كفاك موحشُ درب رحت تقطعُهُ كأنّ مغبره ليلٌ بلا سَحَرِ ويا أخا الطير في وردٍ وفي صدرٍ في كل يومٍ له عشّ على شجرِ انفرجت أسارير الجواهري وافترّت شفتاه عن ابتسامة ممزوجة بحسرة خانقة، وهو يردد مع المندوب ما قرأه من أبيات، ثم يكمل ما يفوته منها. تحلق المستقبلون حول الجواهري، وأنصتوا لما سيقوله ويتفوه به، كان كل واحد منهم قد رسم له صورة من خلال شعره، ويريد الآن أن يطابق الملامح على الملامح والصورة على الصورة. فها هو الجواهري بالصورة والصوت، يرد على المتحدث ويجيب السائل ويتفاعل معه، ليس على شاشة تلفزيون ولا في صحيفة أو مجلة، كان البعض منهم يعيش الحلم، فيما الآخر يفرك عينيه ليطمئن إلى أنه يرى الحقيقة. قصيدة في بيت وقف أحد الشعراء وألقى قصيدة ترحيبية بين يديه، كانت القصيدة إكبارا وتجليلا ممزوجا بالعتف المر، لسكوته على مأساة شعبه، فلم تهزّه جراحهم ولا صرخاتهم، أشاح بوجهه عن العراق وهو يتخبط بدمه. لماذا يا أبا فرات؟ هل تخشى على فرات؟ نحن زففنا من كل بيت فراتاً. سكت الجواهري ولم يعقب، ثم تدارك الموقف، بعد أن تذكّر أنه في طهران. قال: إي والله، مصيبة العراق أكبر من قصيدة، وأكبر من الشعر، ما أقدر أصوّرها بقصيدة. لكن الجواهري كان يقول في داخله غير هذا تماما. ثم مال عليَّ ليهمس في أذني: منو هذا الغثيث؟ قلت له: هذا دكتور... قال: طيزي، هوّه اكو قحبه ما صارت دكتوره! سادت لحظات من الصمت، أوجدتها القصيدة دون تعليق من أحد، لننصرف بعدها جميعا إلى السيارات خارج الصالة، متجهين إلى فندق الاستقلال بشمال طهران. جلس الجواهري في المقعد الأمامي، وجلست بجانب المندوب الشخصي للسيد الخامنئي في المقعد الخلفي، فيما راحت السيارة تشق طريقها في شوارع طهران الشمالية، التي تحفها أشجار الصنوبر والآس وتجري من تحتها سواقٍ رقراقة. كان الجواهري يستعيد أيام زيارته الأولى والثانية الى هذه المدينة التي بدأت بالاسترخاء لتغط في سباتها الليلي العميق. سأل المندوب الخاص الجواهري: أستاذ، سمعنا أن لديك قصيدة في الإمام الخميني، أم أنك ستنظم فيه قرآنا من الشعر، لولا أسراك في العراق؟ قال الجواهري: نعم، هذا صحيح، والآن عندي بيت شعر واحد يعادل قصيدة بكاملها، أريد ينكتب على قبر الإمام الخميني وبطريقة أنا أعلِّم الخطاط بيها.. ثم رفع يده ليشير بإصبعه، كأنه يرسم لوحة، يحرص على إبعادها وتقاطع مستوياتها: إمامٌ... »فوق«. وكيف يكون الإمام... »تحت«. إذا لم تكنْهُ... »تحت«. عليك السلام.. »بجانبها«. وهذه لوحة فنية وليست قصيدة، أريدكم تخطّوها على القبر. المندوب: شكرا أستاذنا الجواهري... رائع. كنت أستمع إلى بيت الشعر. وأتابع حركة يده، ثم أتساءل بصمت، هل صحيح ما يعنيه الجواهري؟ وهل هو مقتنع به، وكيف سيقنع الآخرين بأن هذا البيت هو قصيدة بكاملها؟ تجاوزت الساعة الثانية عشرة ليلاً، حين دخلنا الجناح الخاص في فندق الاستقلال، في الطابق الخامس عشر، كانت طهران ذلك الوقت في حالة استرخائها الليلي، أطل الجواهري على جانبها الغربي فأسرته بأضوائها المتلألئة، لتنتزع منه كلمة »يا روحي« ثلاث مرات، وتخطفه للحظات يعود بعدها الى صالون الاستقبال، ويسألني عن برنامج السفر، فأجيبه: الآن نوم فقط، وعند الصباح يحمد القوم السرى، فيجيبني: اي والله عيني ماكو أحلى من النوم. »ليش مكفنينهن بالسواد؟« كان الصباح مشرقا تماما، حين افتتح الجواهري يومه الأول في طهران، ومنذ الساعات الأولى تفحص المدينة، ليمسح عن عيونها آثار النوم، ثم يطقطق بمسبحته الكهرب، ويدندن بشيء من أبيات الشعر. استيقظ الجواهري، بكامل ملابسه التي نام بها، وهي التي ارتداها في دمشق، حتى الطاقية نامت معه على السرير دون أن تفارق رأسه، أو تفرق بينهما وسادة الريش التي اختارها دون غيرها من الوسائد. اتصل المندوب الخاص مطمئنا على صحة الجواهري، ومحددا في الوقت نفسه موعد اللقاء مع القائد؛ بعدها بساعات زارنا شخصياً ومعه ديوان الجواهري ومجموعة من الأوراق، دوّن عليها السيد الخامنئي ملاحظاته وهوامشه عند قراءته للديوان، وأخذ يقرأ على الجواهري ما كتبه الخامنئي من ملاحظات بحق الشعر وصاحبه، والجواهري يكاد يطير فرحا بما يسمع. فالخامنئي برّأ ساحة الجواهري مما علق بها من تهم وجهتها له الحوزة والوسط الملتزم وبرّر عشقه وذوبانه في الجمال بأنه مقدمة لذوبانه بالجمال المطلق، كما فسر كفره بالإيمان لأنه كفر بالكفر. فوجئ الجواهري بهذه الملاحظات والتعليل النادر لنصوصه وأخذ يردد: يا روحي، يا روحي مع كل فقرة من الهوامش التي يسمعها. ويقول أيضا: هذا القائد، مو الزعماء العرب اللي ثلاثة أرباعهم ما يعرفون يقرأون بيتا واحدا من الشعر. كانت هذه القراءة مقدمة ذكية من المندوب الخاص لإطلاع الجواهري على قيمته عند السيد الخامنئي وإشارة الى مدى اهتمامه بشعره وشخصيته، بعدها ارتأى الجواهري أن يكتب قصيدة للخامنئي يعبّر فيها عن إعجابه وتقديره لهذا القائد. سألني عن أجمل مكان في طهران، تنفتح فيه مغاليق الشعر، ويكون محلا لولادة القصيدة. جلت بذاكرتي على مناطقها لأختار »دربند«، وهو منتجع شمالي طهران، تلتقي فيه الوجوه النضرة لتقضي أجمل سهراتها، وكان الجواهري قد كتب فيه أحلى قصائده. قلت له: أبو فرات، أفضل شيء دربند، الطبيعة والبشر، كلاهما يوحي بالشعر، وانت رايح بأيام شبابك وتقول بها: رعى الله أم الحسن دربند اننا وجدنا بها روضاً من الصفو ممرعا قال: اي والله صحيح، ولكن بكيناها جمالاً مضيّعا. ثم استدرك قائلا: لكن لو نأخذ جولة بطهران أولاً مو أحسن. كانت شوارع طهران، بداية جولتنا، ذهبنا الى وسط العاصمة، ثم شرقها، وشمالها، كانت جولة صاخبة، ضعنا فيها بين أرتال السيارات، والاشارات الحمراء، والدخان الذي يلف المدينة ليجعلها الرابعة في التلوث بين مدن العالم. كان الجواهري يحدق في الأرصفة والمحلات ومقاعد الحدائق العامة، كمن يبحث عن شيء فقده بين الزحام. سألته: أبو فرات مضيّع شيء. أجاب على الفور: هذّني البنات ليش مكفنينهن بالسواد، مو حرام، هذا الجمال ما يشوفه أحد. لم يلفت نظره شيء في عوالم طهران المتعددة، سوى الحجاب الذي ترتديه فتياتها، والذي جعل منهن قطيعا أسود يتجول في الشوارع، وكأن هذا السواد أحد المغاليق المحكمة للشعر. سألني: هذه الدنيا كلها هالشكل هنا. أجبته: هذا ظاهره فيه الرحمة وباطنه فيه العذاب. عند الغروب توجهنا الى دربند. كان كل شيء فيها يبعث على الفرح، أضواؤها الملونة، نسماتها المنسرحة من القمم الشاهقة لتلامس المجرى المائي بين صخور الوادي العميق، فضلا عن الحسان من الفتيات اللواتي حزمنا أمتعتهن ليتسلقن قمم الجبال. دلفنا الى المقهى المطل على الوادي العميق، فارتفعت القمم المسننة فوق رؤوسنا كالحراب، وجرى من تحت أرجلنا ماء رقراق، وتناثرت مجموعة من الأطفال، حول الطاولات القريبة. اشتعلت السيجارة بيد الجواهري للمرة الخامسة، خلال دقائق معدودة، لكن القصيدة لم تقدح في داخله، كان وجهه يمسح المكان بعينين قلقتين، تركته لينفرد بنفسه واعتزلت متشاغلا عنه بعض الوقت، ثم رجعت إليه. قال لي: هنا ما تطلع القصيدة، قوم نشوف مكان آخر. خرجنا من المقهى وعدنا أدراجنا إلى ميدان تجريش، وقد راقبت ملامح الجواهري المنقبضة كأنها قطعة من الحجر، فيما تدحرجت كلماته العكرة بمضض واضح، ويبدو أن عسر المخاض بدأ يضغط على أعصابه. سألته: هل نعود إلى الفندق. أجابني: لا، كرهت الفندق، شوف لي مكان آخر. طلبنا من السائق الاتجاه الى »فرحزاد«، فيما راحت درجة الحرارة تنخفض ببطء، وعقارب الساعة تميل الى العاشرة ليلاً. كانت فرحزاد شبه مقفرة، مع جمال طبيعتها وهدوئها، لم يرتدها أحد إلا ما ندر من الناس، فازداد الجواهري توترا، وتجهم وجهه حتى كاد يسب من حوله، بمن فيهم النادل الذي راح يسألنا عن رغبتنا في الطعام والشراب، نهره الجواهري وطلب منه الابتعاد عن وجهه. شعرت بأن درجة الاضطراب تصاعدت في نفسه، وأنه تكلف بمهمة شاقة، وجد نفسه مكرهاً عليها، فالقصيدة عند الجواهري، إما أن تأتي أو لا تأتي. سألته: متى تأتي القصيدة أبو فرات. أجابني: مو بيدي، مرة تجي مثل الماي، ومرة تشق بطني وما تجي. سألته: وهذه المرة؟ قال: خليها واسكت! فسكت، وتناول مجموعة من السجائر، حتى انطفأت، ولم تشتعل القصيدة. أغلق النادل بعض نوافذ المقهى، إيذاناً بنهاية الوقت، فهممنا بالانصراف دون أن يعثر الجواهري على خيط القصيدة. الجميع يريد لقاء الجواهري في الطريق حدثني عن قصيدة المعري: قف بالمعرة وامْسح خدها التربا واستوحِ من طوق الدنيا بما وهبا قال: انتقلت بها من مكان إلى مكان، حتى خرجت في اللاذقية على البحر، هل هنا بحر قريب؟ أجبته: الوقت لا يتسع، اللقاء غدا مساءً، والبحر يبعد أربع ساعات براً أو نصف ساعة جواً. فقال: انفكّر للصبح. في جناح الفندق افترقنا عند الواحدة والنصف ليلاً، على أمل أن تأتي القصيدة في الصباح، ولم أكن أتوقع مجيئها. في غرفتي المجاورة، وجدت عدة اتصالات هاتفية تطلب الإجابة عنها، وكانت كلها لأسماء أو شخصيات لا يمكن إهمالها، الجميع يريد لقاء الجواهري، والجواهري لا يريد لقاء أحد، حتى أبناء أسرته في إيران لا يود لقاءهم، وهذا ما سبّب لي إحراجاً معهم، إذ إنهم يظنون ذلك اجتهادا شخصيا مني وليس أمرا يخص الجواهري، وحتى من استطاع التسلل الى غرفة الجواهري دون إذن مسبق، زعق في وجهه ولم يمد يده لمصافحته، فانسحب بهدوء تحت ذهول المفاجأة وانسحبت وراءه للاعتذار منه. ولا أنسى لون وجه الأستاذ (...) الذي زاره مرتين متوددا غاية التودد وأخيرا ثار بوجهه ثورة عمياء دون مبرر، وطلب منه ألا يتكلم معه مطلقا. فقد دخل الدكتور (...) وهو أحد أساتذة الأدب العربي في الجامعة، وجلس أمام الجواهري بكل أدب ووقار، ثم أخذ الأستاذ يلاطفه ويتودد له بكلمات رقيقة عذبة، وهو يقشر التفاح ويضعه أمامه، ويقول: سيكتب عني التاريخ انني قشّرت التفاح للجواهري... وسأقول لبناتي في البيت انني اليوم كنت عند أستاذنا الجواهري...! ظننت أن هذه الكلمات ستشفع للرجل وترطب الأجواء، وتغير من مزاج الشاعر المنفعل دائما، لم ينطق الجواهري بحرف، وكأنه خشبة يابسة.. ساد الوجوم بعض الوقت، فحاول الأستاذ أن يقطعه بسؤال ظنه مفتاحا للجواهري المقفل. قال: أستاذنا الكبير، هل كُتبت فيكم رسالة جامعية، للماجستير أو الدكتوراه؟ نحن نعلم أن اليعقوبي كتبت فيه رسائل، والشرقي، والشبيبي كتبت فيهم رسائل جامعية فهل كتبت فيكم رسائل؟ سكت الجواهري لثوانٍ قليلة، ثم انفجر بالرجل: انته ليش ما عندك حكي زين، إذا ما تعرف تحكي اسكت، أنا بحاجة الى رسالة جامعية أنعل أبو الشرقي لا أبو اليعقوبي، إذا ما عندك شغل، شوفلك شغلة وروح إلها...! وانهال عليه بسوط الكلمات القاسية، حتى اضطررت لرفع صوتي، صارخا بالجواهري: أبو فرات هو شقلّك الرجل، وبعدين جاي يزورك، معقولة هاي منك. قطعت صرختي هدير الجواهري، فأمسكت بيد الأستاذ برفق وأخرجته من الغرفة وهو مذهول من الشاعر الكبير. كانت هذه الحادثة تشكل نهاية الدخول إلى غرفة الجواهري من أي شخص، كما هي صفارة إنذار بمزاجه المنقلب وحاله القلقة. »جاءت« القصيدة ثم .. أحجمت..! أسفر الصبح ولم يسفر وجه القصيدة أمام الجواهري، كان يقطع الجناح الواسع ذهابا وإيابا ويداه وراء ظهره في تشابك دلّ على قلقه وتوتره. أردت أن أهوّن عليه الخطب. قلت له: أبو فرات، لا تتعب نفسك. القصيدة ليست ضرورية اليوم. أجابني بحنق: مو مناسبة، التقي أول مرة بالقائد الخامنئي وما عندي شيء له، هوّه الجواهري شنو بدون شعر. ثم عقّب قائلاً: ماكو بطهران مقهى شعبي، فيه ازدحام وطق ملاعق شاي ودخان سيجار؟ لم تسعفني الذاكرة، للإجابة على طلبه، فطهران لم تعتد على شرب الشاي بالملاعق، ولم أعثر في مقاهيها على رغبة الجواهري، كما أني لم أكن من رواد المقاهي الشعبية لأعرف أسرارها على الشعراء. وعندها تذكرت أن أغلب قصائده هي وليدة المقاهي العامة في براغ وباريس ولندن، لكن طهران ليس بوسعها أن تلبي رغبة الجواهري بمقاهيها المتواضعة. قلت له: كنا البارحة في أجمل مناطق طهران وأحلى مقاهيها. قال لي: صحيح، بس آنه أريد مقهى شعبي قديم، مزدحم، بيه أصوات استكانات وخواشيق ودخان سجاير. قلت له: انت تعرف الطهرانيين ما يستخدمون الخواشيق، يشربون الشاي »دشلمه«. وفجأة تذكرت المقهى الخاص بغير المسلمين وسط العاصمة، الذي يرتاده الناس بشكل مختلط، نساءً ورجالاً، كنت بمحض الصدفة، مع صديق أرمني، أخذني إليه بعد جولة طويلة في مركز المدينة. قلت له: وجدتها، أبو فرات، قوم انروح للمقهى اللّي تريده. بعد دقائق كانت السيارة المعدة لتنقلنا تقف قبالة المقهى في شارع اسطنبول، مقابل السفارة البريطانية، وينزل منها الجواهري، ليتهالك على إحدى طاولاتها، فيما كان المكان يزدحم بالرواد ويكتظ بالدخان. قال الجواهري وكأنه في حلم: إيه هذا المكان اللي أريده. جلسنا على الطاولة، وسرح الجواهري ببصره في أجواء المقهى، يتلمس زواياه وطاولاته، ويمسح الجدران والثريات المعلقة في سقفها بشيء من الحميمية والألفة. بقي الجواهري الجسد على الكرسي الخشبي أمامي، فيما حلقت روحه في فضاءات الخيال. غاب عني تماما، وعيناه تجريان مسحا شاملا لأشياء المكان، حتى استقرتا على نقطة لا تبعد كثيرا، بقيت عيناه مشدودتين إليها، حتى هز رأسه معبرا عن الإثارة التي احتشدت في داخله... وهو يقول: خرب عرضتش على هذا الظهر، صحيح والله، »بزّ حُسن الوجوه حُسنُ قفاك«. وبصمت تعقبت خط النظر إلى القفا الذي خطف الجواهري، فوجدته ظهر فتاة تجلس على إحدى الطاولات القريبة، تتدلى عليه خصلة شقراء من شعرها، فيما كان يغطي رأسها شال بني غامق. كان هذا المشهد، يمثل فتيل الانفجار للغم القصيدة الساكنة في أعماق الجواهري، التفت إليّ بعدها قائلا.. اكتب اجت القصيدة: سيدي أيها الأعز الأجلُّ أنت ذو منّةٍ وأنت المدلُّ يعجز الحرف أن يوفي عظيماً كل ما قيل في سواه يقلُّ أيها الشامخ الذي شاءه الله زعيماً لثورة تستهلُّ لك في ذمة الإله يمينٌ يَدُ مَنْ مسّها بسوءٍ تشلُّ لك في السلم منبرٌ لا يجارى لك في الحرب مضربٌ لا يُفلُّ لك أهلٌ فوق الذرى ومحلُّ لك بَعدٌ في المكرمات وقبلُ وتدفقت الأبيات على لسانه دفعة واحدة دون توقف، ثم سكت قليلاً، وكأنه نسي ظهر الفتاة قلت له: أبو فرات الظهر بستة أبيات، والوجه بستين بيت، شنو رأيك أجيبها تقعد يمك. قال: يا ريت والله. قمت لأدعوها إلى الطاولة ثم تراجعت، بعد أن وصلت محاذاتها، ماذا سأقول لها بالضبط؟ وهل ستستجيب لرجل بهذا العمر لتجلس معه على طاولة واحدة، وبأي لسان سيكلمها وتكلمه، تراجعت عن الفكرة.. ولعل القصيدة كانت ستواصل انفجارها، لو رأى الجواهري وجهها الطهراني المثير، وأنوثتها المتدفقة. رجعت إلى الجواهري وأخبرته باعتذارها، فسكت، وسكتت القصيدة بين شفتيه. مشكلة »الصلاة« عند عودتنا إلى الفندق، وجدت رسالة هاتفية من المكتب تؤكد الموعد المقرر للقاء، وتحدده بصلاة العشاء، ليلتقي الجواهري السيد الخامنئي، وهنا طرأت مشكلة جديدة، واجهها الجواهري بامتعاض شديد، فبينه وبين الصلاة أكثر من سبعين عاماً لم يعرف اتجاه القبلة فيها، ويبدو أنه أنهى علاقته بالصلاة تماما، لذلك اعتبر الموعد تحدياً لقناعته واختبارا قسريا لإيمانه. أخذ الجواهري يتململ من الموعد ويتذمر من هذه الورطة. قلت له: أبو فرات ما بيها شيء، صلِّ ركعتين بها العمر، شيصير عليك. قال: آنه ما عندي مانع أصلي، لكن ناسيها، الصلاة ناسيها. قلت له: هي الصلاة جماعة، شما يسوّون أنت تسوّي مثلهم، وانا راح أقف يمك إذا غلطت آنه أندسك. قال لي: خوش فكره، بس أنتم تعتبرون الصلاة كل شيء، يعني هو الإيمان بس صلاة أنه ماكو مؤمن مثلي بس بطريقتي الخاصة. ثم استدرك قائلاً: ابن بنتي علمني الصلاة قبل شكم يوم، بس بعدني ما ضابطها. اقترب الموعد، والجواهري يزداد تململا من الصلاة، فلم أجد بداً من الاتصال بالمكتب لتأجيل الموعد ساعة بعد أداء الصلاة، دون أن أطلعهم على السبب، مع أنهم طلبوا تفسيرا لذلك، وتمت الموافقة على التأجيل. انفرجت أسارير الجواهري حين أخبرته بتغيير الموعد وإلغاء الصلاة، فعاد الى القصيدة لإكمالها، لكنه لم يوفق. قال لي: هاي أبيات قليلة، وما مناسبة للقاء السيد. قلت له: آنه اقترح تكتبها على ديوانك، وتقدمه للسيد أثناء اللقاء بدلا من قراءتها. استحسن الفكرة، لكنه عدل عن الديوان إلى كتاب »ذكرياتي« وطلب مني أن أكتب الأبيات بخط يدي على الكتاب، وحين انتهت الأبيات الستة، أكملها ببيت واحد يعتذر فيه لما ورد في الكتاب. فاغتفر لي ما جاء في ذكرياتي يا عطوفاً على خطى من يزلُّ لقاؤه السيد الخامنئي كل شيء كان رتيبا وعاديا في الصالة التي دخلناها بانتظار السيد الخامنئي، ليلتقي الجواهري؛ كانت الغرفة مستطيلة، باهتة الأضواء، والأرض مفروشة بالسجاد المتواضع، على زاويتها اليمنى ألقيت ثلاثة مقاعد من الاسفنج، أحاطت بها أربعة مساند يتكئ عليها الجالس على الأرض. كان الوقت يمر سريعا مع الجواهري والمندوب الشخصي، وشيء من الهيبة يخيم على المكان، حتى أطل السيد الخامنئي بقامته الفارعة، فاتحا ذراعيه قبل أمتار من وصوله الى الجواهري ومرحباً بحرارة بضيفه العزيز، الذي قام بدوره متكئا عليَّ ليخطو باتجاهه. إنها المرة الأولى التي يتكئ عليَّ الجواهري في النهوض، إذ لم يكن قبلها ينهض أو يجلس إلا بمفرده، بل يأبى أن يمسكه أحد، متظاهرا بالعنفوان والقوة، إلا في هذه اللحظة التي تهالك فيها عليَّ، فأحسست بثقله كله على ساعدي، الذي أمسكه بشدة. وبقدر ما أثارني الجواهري في تهالكه عليَّ، أدهشني السيد الخامنئي في طريقة دخوله واحتفائه بضيفه، وهو يفتح ذراعيه، ويرفع صوته بالترحيب الممتزج بابتسامة عريضة، احتلت قسمات وجهه، فكان أشبه بلقاء عاشقين، وجدا فرصة للعناق الحار. لم يتمالك الجواهري نفسه، فانحنى على يده يقبلها، ثم يقبل يده اليسرى ثم ينحني على قدميه، في حركة مدهشة فاجأت الجميع، ليحاول تقبيلهما وهو يردد: دعني أقبل قدميك. ذُهلت للمفاجأة، وذُهل من معي وأعتقد أن السيد الخامنئي نفسه لم يكن يتوقع من هذا الجبل الشامخ أن يتهاوى على قدميه، بالتأكيد كانت الصورة مغايرة تماما، فالجواهري المبدع والمناضل الذي عاش في ذاكرة السيد الخامنئي طيلة أربعين عاما كما أشار هو إلى ذلك غير الجواهري الذي ينحني على أقدامه لتقبيلهما. صعق السيد الخامنئي لهذا المشهد، وانحنى عليه ليرفعه ويوقفه أمامه، ثم راح يعانقه من جديد. استقر بنا المجلس، وبدأ السيد الخامنئي بتحية الحاضرين الذين لم يزيدوا على أربعة، رحب بنا فردا فردا، ثم التفت الى الجواهري. أهلاً وسهلاً أستاذ، أنا كنت بانتظاركم أربعين سنة، وأتمنى من الله أن تبقى هنا أربعين سنة أخرى، لنتمكن من تأدية حقك. الجواهري: وأنا أشكر الله على هذه الفرصة الطيبة. الخامنئي: في بيت الجواهري قمتان للعلم والأدب، المرحوم صاحب الجواهر يمثل قمة العلم، وأنتم تمثلون قمة الأدب. الجواهري: هذا شعور طيب أنا أفتخر به من سماحتكم، وأنا أتمنى أن تتحولوا الى قدوة طيبة عند الزعماء، وكما رأيت نور محمد في وجه السيد أبو الحسن الأصفهاني في النجف، أرى نوره ينتقل إليكم الآن، وأشوفه بعيني. الخامنئي: هذه منة إلهية علينا، والشعب الايراني شعب عظيم، يعرف رجاله وقيادته وهو صنع ملحمة كبرى في هذا القرن. الجواهري: كل الشعوب عظيمة، ولكن ليس لها قيادات عظيمة. الخامنئي: صحيح كل الشعوب عظيمة. قدم الجواهري كتاب »ذكرياتي« للخامنئي، وهو يقرأ الأبيات الشعرية عن ظهر غيب والخامنئي ينصت إليه، قرأها وهو جالس بجانبه، وردد البيت الأول الذي وردت فيه كلمة »سيدي« وأظنه كان متعمدا في ذلك لإثارة السيد وتأكيد إعجابه به. وددت في تلك اللحظة أن أقول للسيد الخامنئي، ان هذه القصيدة جاءت محمولة على جديلة شقراء لأرمنية في شارع اسطنبول، وأن أصف له الظهر الذي خطف الجواهري ليعود مزودا بقصيدته العصماء، كما وددت أن تعلم تلك الفتاة أن ظهرها وجديلتها الشقراء أبدعا رائعة من روائع الجواهري بين يدي السيد »الأعز الأجل«. أنصت السيد الخامنئي لحروف القصيدة وإيقاعها بحنجرة الجواهري، ثم التفت إلينا، ليقول إنها رائعة، أحسنت يا أستاذ. أحسنت. انتهت القصيدة، وابتدأ الحديث الودي بين الرجلين، وفاجأنا السيد الخامنئي بقراءة محفوظاته من شعر الجواهري ووقائع القصائد التي تأثر بها، والجواهري يبدي إعجابه وامتنانه لهذا الاهتمام. تابع السيد الخامنئي قائلا: كنت منذ الطفولة مغرماً بالأدب العربي. بما فيه الأدب الشعبي، كنت متعلقا به، حتى انني أتعمد الحضور بين العرب القادمين من خوزستان إلى مشهد الإمام الرضا لأستمع إلى أهازيجهم وأشعارهم، وكنت أبكي أحيانا دون فهمي لمعاني النصوص الشعبية التي تقرأها النساء هناك. قال الجواهري: انت سيدنا عربي بالدم واللحم، ولا بد من أن تكون عربيا بالأدب، وهذا الأمر ليس غريبا. تابع السيد الخامنئي: وعندما اجتمعنا في الزنزانة الضيقة مع السيد باقر النزاري(1) وكان حافظا للشعر العربي والشعبي بالذات، انشددت إليه أكثر وصرت أحفظ نصوصه ومختاراته على يديه. كانت الصدفة قد ألقت بالسيد الخامنئي والسيد باقر النزاري في زنزانة واحدة، بعد أن جمعهما هدف مواجهة الشاه. كان النزاري أحد رجال الثورة في خوزستان عام 1963م. وواجه الحكم... في السجون، لتكون الزنزانة موعدا ومحلا للقاء الرجلين: رجل يأتي من أقصى الجنوب، وآخر من أقصى الشمال، وتكون نقطة الالتقاء هي مواجهة الشاه الحاكم، فيفضي كل واحد لصاحبه بما أوتي من تجربة وعلم وأدب، ويرسخ كل واحد منهما في ذاكرة الآخر. تحدث السيد الخامنئي عن أخلاق الرجل وصفاته وأدبه، واستشهد بأبيات من الشعر حفظها عنه. طال اللقاء بين الخامنئي والجواهري وتنوع الحديث. الخامنئي: نحن نريد لكم البقاء في إيران. الجواهري: وأنا أريد أن أختار قبري فيها. كان الجواهري يكره الموت بالفطرة، ويحاول الهروب منه في أية لحظة يخطر على باله، حتى ولو كان في الحديث، إلا في هذا اللقاء، فقد ذكر الموت أكثر من مرة، وأعلن استعداده لمواجهته وكان السيد الخامنئي يريد للجواهري أن يقضي بقية حياته في إيران، ليظل واحدا من شواهد القرن الأدبي والشعري. هذا ما أسرَّ إليَّ به أحد أعضاء المكتب، والإيرانيون بطبيعتهم يكرمون القبور ويزينونها، يعتبرون قيمة الميت تتناسب مع قبره، بغض النظر عما يحمل من صفات وخصائص. فالقبر عندهم شاخص حياة واستمرار، يدل على صاحبه ويخلده عبر الزمن. قال السيد الخامنئي: هل يسمح الأستاذ الجواهري بالظهور الاعلامي أمام الإيرانيين. قال الجواهري: لا يا مولانا، أنا أكره الأضواء. كان الجواهري قد أسرّ لي في البداية انه لا يريد أن يعرف أحد بوجوده في إيران، يجب أن تكون زيارة خاصة وسرية، لأنه يخشى على أولاده في العراق من الانتقام. التفت السيد الخامنئي إلى مندوبه الخاص، وقال له اتركوا الأستاذ على راحته. ثم قال للجواهري. إن بعض الأدباء الكبار في إيران يودون لقاءكم، هل تمانعون في ذلك. قال الجواهري: إذا كان لقاءً خاصا ومحدودا فلا بأس. قال لي السيد الخامنئي: سيتصلون بكم وأنتم تتصرفون معهم، ثم سألني عن الفندق وكيفية الإقامة فيه. فقلت له ان الأستاذ الجواهري يفضل الإقامة في بيت مستقلاً بدلاً من الفندق، وانه يحب أن يكون البيت على البحر مباشرة، فأشار السيد الخامنئي الى مندوبه، بتلبية رغبة الجواهري في كل ما يصبو إليه، ويرغب به، واختتم حديثه معي قائلا: ان الجواهري أمانتي عندك. ابتسم السيد الخامنئي، واستأذن ضيفه بالانصراف، فقام مودعاً وانصرفنا بعد خروجه من الصالة بلحظات. عند الباب قال لي أحد مستشاري السيد الخامنئي، إذا اهتدى الجواهري على يديك في آخر أيام حياته، وعاد الى الالتزام فستكون لك مكرمة خاصة، وستدخل التاريخ من أوسع أبوابه.