As Safir Logo
المصدر:

الرجل الذي إبتلع غزة

المؤلف: رينز- دافيد/برغمان رونين التاريخ: 1997-04-07 رقم العدد:7661

في يوم الثلاثاء الماضي، دخل رجل ملتح إلى فرع بنك »لئومي ليسرائيل« في شارع هحشمونائيم في تل أبيب، وكان يتحدث بلغة انكليزية ممتازة، وعرض جواز سفر ألمانيا وتوجه الى احد الموظفين بطلب إيداع شيك في حساب السلطة الفلسطينية القائم في هذا الفرع. تلفظ الموظف ببضع كلمات قصد بها انه ينبغي الاستفسار من مدير الفرع، واختفى لبضع دقائق. وعندما عاد، أبلغ الالماني انه ليس لدى البنك اي فكرة عما يتحدث عنه، اذ انه ليس في الفرع اي حساب للسلطة الفلسطينية. نهارك طيب، شكرا والسلام. هذا الموظف، لم يكن دقيقا، على الاقل. ففي فرع هحشمونائيم التابع لبنك لئومي حساب لرئيس السلطة الفلسطينية، ياسر عرفات، وهو الحساب الذي يسميه المطلعون على بواطن الامور في المناطق باسم »الصندوق الثاني«، الموازنة السرية، للرئيس. وحسب تحقيقات اجراها مسؤولون كبار في الدول المانحة للسلطة، فان لشخصين فقط حق التوقيع على شيكات هذا الحساب، عرفات وكبير مساعديه الماليين، الرجل الغامض، محمد رشيد المعروف ايضا باسم خالد سلام. وحسب مصادر اخرى، فان لوزير المالية الفلسطيني، احمد زهدي النشاشيبي، صلة بهذا الحساب. ومنذ فتح هذا الحساب السري عام 1994، وضعت فيه اسرائيل، في تل ابيب، خمسمئة مليون شيكل على الاقل. وتثير وثيقة داخلية لصندوق النقد الدولي، موجودة لدى »هآرتس«، الى احتمال أن تكون المبالغ المحولة اكثر من ذلك. ويحدد الصندوق الدولي بشكل جازم ان الحساب القائم في تل ابيب لا يخضع لإشراف وسيطرة وزارة المالية الفلسطينية، فما الذي يتم فعله بهذه الأقوال؟ وكم حجم المبالغ التي حولت لتمويل نشاطات السلطة الفلسطينية، وكم هي المبالغ التي حولت لأغراض اخرى، او الى حسابات خاصة؟ لا احد غير اصحاب الحساب يستطيع معرفة ذلك. فقد بلغت الامور حدا سمع فيه موظفون اسرائيليون رفيعو المستوى من وزراء المالية والاقتصاد الفلسطينيين المتعددين (اذ تم استبدالهم مرات عدة) شكاوى مريرة حول الاموال التي تحولها اسرائيل الى الحساب في تل ابيب ولا تصل، في نهاية المطاف الى صندوق المالية الفلسطيني. ويقرر بروتوكول باريس، المبرم في نيسان 1994 بعد المفاوضات الاقتصادية بين اسرائيل ومنظمة التحرير، قاعدتين واضحتين: من الناحية الاقتصادية، ليس هناك حدود بين اسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية، وسيواصل الجانبان العمل داخل غلاف ضريبي واحد. وبكلمات اخرى، فان مندوبي الضريبة، والضريبة المضافة وباقي الجباة الذين يمثلون الحكومة الاسرائيلية، لن يقفوا على معبر إيريز، او على خطوط التماس، وانما سيتواجدون فقط على الحدود الخارجية. وهكذا فان السلطة الفلسطينية تبنت بذلك سياسة الضرائب والرسوم الاسرائيلية عمليا. فهل يبدو الامر بسيطا؟ بالتأكيد لا. اذ ان اتفاقات باريس حددت وجوب ان تعيد اسرائيل الى السلطة الفلسطينية اربعة انواع من الضرائب. وهكذا، على سبيل المثال. اذا وصل تلفزيون مستورَد الى ميناء اسدود، فان المستورِد يدفع لحكومة اسرائيل ضريبة استيراد. وهذه الضريبة تنقل بعد ذلك الى صندوق السلطة الفلسطينية. والشيء نفسه يحدث مع ضريبة القيمة المضافة التي تُدفع عند شراء اي مواد من إسرائيل، وكذلك رسوم الوقود والمشروبات الروحية والتبغ، وضريبة الدخل من عمل العمال الفلسطينيين في اسرائيل وضريبة الصحة. وتقوم اسرائيل بحسم رسوم العلاج، وكذلك احيانا تقوم بحسم الديون التي لشركة »بيزك« للهاتف على السلطة الفلسطينية، ورسوم شركة الكهرباء والمستشفيات في إسرائيل. وتوضح وثيقة داخلية لوزارة المالية الاسرائيلية حجم المبالغ التي دفعتها اسرائيل الى السلطة حسب الاتفاق: 72 مليون شيكل عام 1994 و792 مليون شيكل عام 1995 و1391 مليون شيكل عام 1996. وفي الشهرين الاولين من هذا العام، حولت اسرائيل 264 مليون شيكل، اي بمعدل سنوي يبلغ نحو 5،1 مليار شيكل. وفي البداية، طالب عدد من وزراء حكومة حزب »العمل« بتقديم هذا المبلغ شخصيا لياسر عرفات، في شيك، بغية التأثير عليه، غير ان رجال وزارة المالية اوضحوا لهم ان هذا الامر غير معهود. وفي نهاية المطاف، تقرر ان يحصل عرفات على نسخة من كل أمر تحويل. هذه هي قناة حياة السلطة الفلسطينية. وسوف تثبت ذلك القصة الآتية: في اليوم التالي لفتح نفق الحرم، وفي ذروة الاشتباكات بين جنود الجيش الاسرائيلي والشرطة الفلسطينية، عُقد اجتماع مهني شارك فيه آرييه زييف، الذي كان حينها مسؤولا عن تحويل الاموال للفلسطينيين، ونجح احد كبار اقتصاديي السلطة في الاتصال بالهاتف الخليوي لزييف. لم يتحدث عن النفق، وانما طلب ان يعرف ان كانت اسرائيل تستطيع تقديم موعد تحويل الأموال بيومين، لأسباب فنية، ولأن الامر يتعلق بأيام عطلة في التقويم الفلسطيني. وقد استجاب زييف لهذا الطلب. ومع بدء تطبيق اتفاقيات باريس، سأل مندوبو وزارة المالية الفلسطينيين: أين بالضبط يريدون ان يتم تحويل الاموال؟ فطالب الفلسطينيون بأن يتم تحويل المبالغ الى أربعة حسابات منفصلة في بنك فلسطين والبنك العربي في غزة، عدا مسترجعات ضرائب الوقود. وطلب محمد رشيد آنذاك تحويل هذه المسترجعات الى حساب سري في بنك لئومي، فرع هحشمونائيم في تل أبيب. أبدى المندوبون الاسرائيليون استغرابهم، وابتسموا في قرارة انفسهم، لكنهم لم يشعروا بأنهم أحرار في التدخل بطريقة ادارة الاقتصاد الفلسطيني. وتشكل الاموال المحولة الى هذا الحساب احتياطيا اقتصاديا هائلا تحت الاشراف المباشر لياسر عرفات. فلماذا يحتاج الى هذا الاحتياطي؟ لقد تعهدت الدول المانحة بتقديم 4،2 مليار دولار للسلطة الفلسطينية، تم حتى الآن تحويل نحو مليار دولار. وطالبت هذه الدول بالشفافية مقابل الاموال، وسعت الى الحصول على إشراف كامل على حسابات السلطة في البنوك، كما أرادت معرفة اوجه صرف هذه الاموال والمصادقة عليها، وطالبت بإشراك صندوق النقد الدولي ك»مستشار« للطاقم الفلسطيني الذي يعد الميزانية السنوية للسلطة. وقد تلقت السلطة بفرح هذه الاموال، لكنها فرحت بشكل أقل للاشراف المرافق لها. اذ ان الدول المانحة طالبت باستثمار الاموال في تمويل ترميم البنى التحتية المدمرة في المناطق، وايجاد اماكن عمل. وهي لم تصادق على مصاريف جارية مبالغ فيها، او تقديم الدعم لمؤسسات وأفراد يسعى الرئيس الى كسب ودهم. وكانت لدى عرفات مشاريع اخرى. ويقول اللواء احتياط داني روتشيلد »ان الفلسطينيين ضخموا اجهزتهم بشكل غير مبرر تماما. فهم لم يقيلوا ال21 ألف موظف في الادارة المدنية الاسرائيلية، الذين كانوا جميعا، ما عدا الضباط الاسرائيليين، فلسطينيين، واضافوا الى هذا العدد 20 ألف موظف أتوا بهم من تونس، وايضا 40 ألف شرطي ورجل امن. وقد نجم عن ذلك جهاز وظيفي هائل ينبغي دفع الرواتب له«. ويقول الدكتور هشام عورتاني، من كبار الخبراء الاقتصاديين في المناطق: »ان تضخيم الجهاز الوظيفي يشكل كارثة على الاقتصاد، ويجب تقليص نسبة مئوية عالية جدا من الموظفين في الخدمة العامة. لكن أقوالي تبقى نظرية بشكل عام، اذ يستحيل واقعيا إقالة ولو شخص واحد. فعرفات بحاجة لهؤلاء الناس كقاعدة لورقته السياسية، ولذلك فانه يدفع رواتبهم عن طريق الصندوق الثاني. وعمليا، فان هذه قنبلة موقوتة، اذ ان الاغلبية العظمى من المستخدمين في الخدمة العامة او اجهزة الامن تعتاش على ألف شيكل في الشهر. وهذا ليس مبلغا كافيا. فهؤلاء الرجال سوف يتزوجون وسيضطرون الى شراء الطعام لأبنائهم. والقضية هي مسألة وقت الى ان يتمردوا. ينبغي خلق وظائف حقيقية مع اجور معقولة«. ويرد على ذلك الدكتور ماهر الكرد، نائب وزير المالية والتجارة في السلطة: »اعتقد ان تضخيم الجهاز الوظيفي الحكومي هو احد الانجازات الاقتصادية الكبرى للسلطة. فأين كان كل هؤلاء الناس سيجدون عملا لولا اننا حولناهم الى موظفين؟«. ويشير مسؤول حكومي اسرائيلي رفيع المستوى الى غايتين اخريين للصندوق الثاني: »ثمة في السلطة الفلسطينية خطط سرية لإنقاذ عرفات وأفراد عائلته وعدد من كبار المسؤولين في حالة وقوع انقلاب. ويشتمل ذلك على اقامة قيادة في المنفى لديها الكثير من الاموال. والجانب الآخر، هو سلسلة نشاطات يشعر نظام عرفات بضرورة تمويلها، ايضا من اجل عدم فقدان مواقع القوة السياسية، من دون ارتباط بما اذا كان الوضع الاقتصادي جيدا او سيئا. وهكذا، فان عرفات، على سبيل المثال، يواصل دفع مخصصات الشهداء للأرامل والايتام من الصندوق الثاني. وهو لا زال يدعم مصابي صبرا وشاتيلا الذين ينظر اليهم كأبنائه. والدول المانحة لن تقبل ابدا المصادقة على مثل هذه المصاريف«. عودة إلى الستينيات عند إقامتها، سعت السلطة الفلسطينية الى تأكيد استقلالها عن اسرائيل، واعلنت الغاء كل الاوامر والانظمة التي اصدرها الجيش الاسرائيلي منذ احتلال الضفة والقطاع عام 1967. وحسب رأي خبراء اقتصاد، مثل البروفيسور عزرا سادان، فان السلطة ارتكبت خطأ كبيرا، عندما خلقت فراغا دستوريا وفوضى تجارية لم يتم إصلاحهما حتى اليوم. وعلى الاقل في هذا الموضوع، فان الفلسطينيين لم يتعلموا الدرس الاسرائيلي بتبني النظام البريطاني، بأغلبيته، عند إقامة الدولة. وعمليا، ان إلغاء اوامر الحكم العسكري والصلة بالقانون الاسرائيلي، أعاد الوضع القضائي ثلاثين عاما الى الوراء: ففي الضفة الغربية، يسري حاليا القانون الاردني لسنوات الستينيات، وفي غزة القانون المصري لتلك الفترة. وعلى رغم ان لوائح القوانين في هاتين الدولتين تطورت كثيرا منذ عام 1967، الا ان الفلسطينيين فرضوا على أنفسهم لوائح القوانين القديمة، التي لم تكن تشمل آنذاك قانون الشركات او قانون العقود او قانون الاستثمار، وأحكاما اخرى ضرورية لإقامة تجارة حديثة. وقد نجم عن ذلك انه ليس هناك اليوم في المناطق قانون ملزم بتسجيل الشركات، وليس هناك إلزام بإعلان مناقصات، ولا منظومة مرتبة لأوامر التنفيذ وجباية الديون، ولا يوجد قانون ينظم منح قروض الاسكان، وليس هناك اي وسيلة لتوثيق مبادرة اقتصادية مشتركة، والقائمة تطول. ويقول دبلوماسي غربي على صلة وثيقة بالسلطة الفلسطينية لصالح الدول المانحة: »ان المستثمرين الاجانب يترددون في القدوم الى هنا، اذ من غير الواضح لهم كيف يعملون، ومن يضمن لهم حقوق الملكية على استثماراتهم، او قدرتهم على تحصيل الديون في مناطق السلطة«. ويقول البروفيسور جيمي فاينبيلت من الجامعة العبرية: »لقد نشأ في غزة منذ إقامة السلطة نحو ستين فرع لبنوك، وهذا عدد هائل في مثل هذه المنطقة الصغيرة. غير ان هذه الفروع ليست مستعدة لتقديم القروض للسكان، لانه ليس هناك جهاز لتحصيل الاموال في حالة العجز عن السداد«. ويؤكد الدكتور ماهر الكرد، نائب وزير الاقتصاد، ان الوضع القانوني سيئ، وان صياغة القوانين الجديدة متعثرة ومتأخرة عامين على الاقل. ويؤكد ايضا انه من العسير جدا على سكان المناطق الحصول على معلومات في الشؤون الاقتصادية، مثل تسجيل الشركات. ويشير الكرد ايضا الى فشل محاولة استخدام مؤسسات اقتصادية رسمية، مثل سلطة مصرفية، او مكتب جباية ضريبة الدخل. وهو يتهم بذلك الدول المانحة، التي لم تحول اموالا كافية لطواقم التفكير التي عكفت على صياغة القوانين. ويرد الدبلوماسي الغربي رفيع المستوى بشدة على هذه الاتهامات: »ان الدول المانحة شجعت جدا السلطة الفلسطينية على الاسراع في ملء النواقص واعادة صياغة لائحة القوانين، ولم تواجه الفلسطينيين في ذلك اي مشكلة مالية. غير ان المشكلة تمثلت في سلم اولوياتهم. فبدلا من انفاق الاموال في اوجه ايجابية، فضلوا مواصلة تمويل جهازهم الوظيفي المتضخم ودفع الرواتب. وعندما أفلحوا في نهاية المطاف في المصادقة على قانون، فقد كان قانون تشجيع الاستثمارات المالية (البورصة) والذي هو قانون سيئ ومريض حقيقة. وقد نصحتهم طواقم خبرائنا بعدم المصادقة على هذا القانون، الذي يخلق جهازا حكوميا بميزانية كبيرة لتشجيع المبادلات الفردية. ونحن قلنا ان هذه بوابة للفساد، ولكنهم لم يكونوا على استعداد للإصغاء الينا«. عرس الاحتكارات في يوم خميس، قبل اسبوعين، وصلت الى معبر إيريز شخصية فلسطينية هامة تبدو عليها علائم الزمان. كان يحمل بيده كومة من الاوراق، وخلفه فتاتان فيليبنيتان مرتبكتان. اشار الرجل اليهما وطلب ترتيب امر مرورهن الى غزة بسرعة. وأوضح »انهما عاملتان جديدتان في بيت محمد رشيد«. وردا على سؤال: أين تقع مكاتب رشيد؟ يقول عمير كياني، ملحق تجاري اميركي في اسرائيل، مرفقا ذلك بضحكة كبيرة وغمزة عميقة المعاني: »اي مكاتب تقصد؟ لديه الكثير من المكاتب«. المكاتب الرسمية تقع في شارع الثلاثين على حدود حي الرمال الراقي في بناية من خمس طوابق عليها يافطة واحدة: وزارة الثقافة. وفي الطابق الثالث، تقع مكاتب الشركة الفلسطينية للخدمات التجارية (PCSC). وهذا مكتب فاخر، بكل المعايير: الكثير من الزينة الخشبية والأثاث الفاخر. وفي المطبخ يوجد قمقم زجاجي كبير مليء بالفورملين الذي يحفظ ثعبانا كبيرا، اسود اللون، وعلى الجدار صور مسؤولي السلطة الفلسطينية في أوضاع مبتسمة. السيد رشيد ليس هنا. اوضحت لنا السكرتيرة. انه في الخارج يقوم بأعماله. ومحمد رشيد، او خالد سلام، هو اليوم احد الرجال الاقوياء في السلطة. يلبس بأناقة. ويتحدث بلغة انكليزية ممتازة، متزوج من مواطنة كندية، ويعرف كيف يلقي بالنكات الجيدة عندما يتطلب الامر ذلك. ورشيد محاط بالغموض ويجمع بين يديه قوة اقتصادية هائلة، كأكبر المستشارين الماليين للرئيس. ويسمى رشيد في القطاع ب»الدكتور الكردي« نسبة الى مسقط رأسه في المنطقة الكردية من العراق. وهو ليس فلسطينيا، وانتمى الى منظمة التحرير في عهد بيروت. وفي قيادة منظمة التحرير في تونس، شغل رشيد منصب المستشار الاعلامي لياسر عرفات، وكان يحرر مجلة »صوت البلاد« التي صدرت في قبرص بدعم سوفياتي، وهو مقرب جدا من عرفات. وبفضل أصوله، فان رشيد معلق جدا بعرفات. وحسب قول مسؤول رفيع المستوى في السلطة الفلسطينية، ان عرفات معلق جدا برشيد بسبب إخلاصه الأعمى له. وعندما تقول رشيد، فإنك تقول الاحتكارات. فعند إقامة السلطة، قرر رؤساءها الاشراف على قطاعات اقتصادية حيوية عن طريق الاحتكار. وقد منحت حقوق تشغيل هذه الاحتكارات لعدد من كبار المسؤولين، وفي مقدمتهم رشيد. وصاحب الاحتكار يشتري البضاعة التي يشرف عليها من المنتج او المستورد في إسرائيل، ويقوم ببيعها في المناطق بسعر أعلى. ويتم استخدام الفارق في تمويل نشاطات السلطة التي ترفض الدول المانحة تمويلها. او ان تمويلها يضيع في الطريق، اي يصل الى أياد خاصة، كما يزعم ممثلو الدول المانحة واقتصاديون فلسطينيون واعضاء في المجلس التشريعي الفلسطيني. وقطاع الوقود هو نموذج ممتاز لاحتكار مربح على وجه الخصوص. فسكان المناطق يستهلكون 40 مليون ليتر من الوقود شهريا. وفي ظل الحكم الاسرائيلي، سيطرت على قسم هام من السوق شركة بادسكو، وهي شركة مشتركة بين كبريات شركات النفط الاسرائيلية (باز، ديلك، وسونول). وكانت هذه الشركة تبيع الوقود ل65 محطة خاصة في أرجاء الضفة والقطاع. وقد استأجر العتاد في المحطات اصحابها الفلسطينيون من بادسكو. وكان لشركة بادسكو عقود مع أصحاب محطات الوقود حتى ما بعد عام 2000. وفي الاتفاق الاقتصادي بين السلطة وإسرائيل، تعهدت السلطة بعدم المساس بالعقود القائمة بين موردين اسرائيليين وزبائن فلسطينيين، والتي وقعت قبل محضر باريس. غير ان الوعود في جهة، والواقع في جهة اخرى. ففي 18 تشرين الاول 1994 أبلغ رجال جبريل الرجوب، رئيس جهاز الامن الوقائي، كل اصحاب محطات الوقود في الضفة بأنه محظور عليهم شراء الوقود من أي مصدر عدا شركة »دور انرجيا«. وبعد يومين منذ ذلك، سد رجال الرجوب تحت تهديد السلاح الطريق امام حاويات بادسكو في المعابر بين إسرائيل والسلطة. وأرسل اصحاب المحطات رسالة الى السلطة طالبوا فيها بمواصلة العمل مع بادسكو. غير ان الرجوب لم يستجب لطلبهم. ويقول إيلي هلحمي، المدير العام السابق لشركة بادسكو: »بعد استقرار السلطة في المناطق، قام الرجوب بالاعلان عن انه من الآن فصاعدا ستتم جباية ضريبة إضافية بنسبة ثابتة على المبيعات اليومية. وقامت »دورية الوقود« التابعة للامن الوقائي بإجراء فحوصات يومية في محطات الوقود للوقوف على فوارق مبيع الذهب الاسود بين الصباح والمساء«. هذه الضريبة تتيح للرجوب زيادة قوة جهازه. واليوم يعمل في المناطق نحو عشرين جهاز أمن تتنافس في ما بينها، وبداية، ان قدرتها على النفوذ مستمدة من قوتها الاقتصادية.. وبين عشية وضحاها، وجدت بادسكو نفسها من دون عقود، ومن دون غايات توريد، ومن دون العتاد الذي قامت بتأجيره لمحطات الوقود. وفي وقت متأخر، تبين ان السلطة كانت قد أبرمت عقدا حصريا بتوقيع ياسر عرفات للتزود بالوقود من الشركة الفرنسية الالمانية ماريمفكس، غير ان شركة »دور« أطلت فجأة وخطفت كل الصندوق. وجرى توقيع العقد بين يوسي آنتفيرغ، الذي كان حينها مديرا عاما لشركة »دور«، ومحمد رشيد عن الجانب الفلسطيني، بصفته »مستشارا اقتصاديا رفيع المستوى« لياسر عرفات. ولا توجد اي علاقة تجارية بين اصحاب المحطات وبين »دور انرجيا«. اذ ان »دور« تبيع الوقود لاحتكار فلسطيني بسعر معين، ويقوم هذا الاحتكار ببيعه لأصحاب المحطات بسعر اعلى بكثير. ويبقى الفارق بين السعرين في جيب الاحتكار. وليس امام اصحاب المحطات اي منفذ آخر، لان جهاز الرجوب في الضفة، ومحمد دحلان في غزة، يمنعان اي استيراد من اي منافس ويزودان شاحنات الوقود بالمرافقة العسكرية حتى المحطات. وهناك اسلوب آخر من اساليب تمويل النشاطات المتزايدة لأجهزة الامن، وهو جباية رسوم تفريغ. اذ يسيطر الرجوب ودحلان عمليا على كل آلات التفريغ في معابر السلطة الفلسطينية. كما ان دحلان هو مالك رافعات الشحن في معبر إيريز. ويجب على كل تاجر وصاحب شاحنة ان يدفع رسما لجهاز الامن الوقائي كي يسمح له بالمرور. واحيانا تجري الامور بشكل أبسط. فأحد مستوردي المنظفات الاسرائيليين، الذي فتح فرعا في غزة، طلب منه ان يدفع 2000 دولار »تبرع« للقوة 17. كما ان عربيا ثريا من شرقي القدس طولب قبل حوالى عام بشراء 14 سيارة جيب حديثة من أمواله لاستخدام جهاز الرجوب. } ولكن هناك من لا يلتزم بالصمت ويقول الدكتور حيدر عبد الشافي، المعارض الابرز في المجلس التشريعي الفلسطيني: »لولا الاحتكارات لكان الاقتصاد في وضع افضل«. وعبد الشافي ليس وحيدا في رأيه هذا في المجلس. اذ ان حسام خضر، مثلا، وهو من نابلس يقول: »لقد قاموا باقتسام الكعكة في ما بينهم. فالزعماء الفلسطينيون ظنوا ان اقتصادنا هو تركة تعود لهم ولأبنائهم. وبهذا الشكل فان كل مسؤول كبير حصل لنفسه على حصة اقتصادية سمينة من الاستيراد الى مناطق السلطة. احدهم حصل على الوقود، وآخر على التبغ، وثالث على أوراق اليانصيب، ورابع على الطحين. اما الحصى للبناء فانه تابع بشكل مباشر لأجهزة الامن التي تحقق من ورائه ارباحا خيالية لتمويل انشطتها«. وقد رفعت الاحتكارات في العديد من القطاعات الاسعار على المستهلك. فمثلا غذاء الماشية كان يباع في عهد السلطة الاسرائيلية ب120 دينارا للطن الواحد. وهو يباع اليوم ب300 دينار للطن. كما ان كيس الطحين الذي كان يباع ب15 دولارا ارتفع الى 40 دولارا. وحسام خضر لا يعارض ان تجبي السلطة عمولة من ضرائب الاستيراد »فالمشكلة هي ان الاموال لا تصل الى السلطة، وليس للسلطة اي فكرة عما يجري وكم تربح الاحتكارات. حرية تدفق المعلومات؟ لقد اضحكتني. ان بوسعي الصراخ في المجلس التشريعي وتشكيل لجان تحقيق، لكن لا شيء ينجم عن ذلك. اننا لا نحصل من السلطة على المعلومات التي نطالب بها. ونحن لا نعرف مقدار ربح الاحتكارات وأين تذهب الاموال. فالاقتصاديون الكبار وأصحاب الاحتكارات، وخصوصا محمد رشيد، ليسوا على استعداد للمثول امام المجلس. وعندما يأتون، فانهم يخلّفون وراءهم اسئلة من دون إجابات، وكل هذا مغلف بستار أمن الدولة وكل شيء سري«. وتشتد انتقادات خضر: »ان الحديث يدور حول مافيا بدأت عمليا نشاطها بموازاة المفاوضات مع إسرائيل. فهؤلاء الرجال الذين تحدثوا في السياسة وأوسلو، حاولوا في اثناء ذلك اقامة صلات مع شركات اسرائيلية. وهذه المافيا هي التي تقوم حاليا بالتحريض ضد المجلس التشريعي الفلسطيني. ان هؤلاء سيفعلون كل ما بوسعهم بغية مواصلة أعمالهم من دون اي إشراف او رقابة من جانب اي طرف. ووجود مجلس تشريعي ضعيف يناسبهم جدا«. وكان خضر هو الذي فجر قبل بضعة شهور قضية الطحين، اذ تبين ان احد المقربين من وزير محدد في السلطة حصل على امتياز استيراد الطحين. وقد استورد هذا الرجل خمسة آلاف طن طحين من رومانيا وحصل على إذن الاستيراد من وزارة التموين. وجرى تخزين الطحين بشكل سيئ في مخازن كبيرة في نابلس فأصابه التلف. ويقول حسام خضر: »تقع هذه المخازن قرب بيتي، وكان غريبا مشاهدة شاحنات اسرائيلية تصل في منتصف الليل لتحمل كميات كبيرة من الطحين من المخازن، وقد تعقبت احدى الشاحنات ووصلت معها الى مصنع تغليف طحين في تل أبيب. واكتشفت انهم يقومون بإعادة تعبئة الطحين الفاسد من جديد وكأنها بضاعة صالحة، ويعيدونها الى المناطق للبيع في المحلات«. »وفور انفجار هذه القضية حسبما يروي حسام خضر أصدر وزير التموين، أبو علي شاهين، أمرا الى مدير مكتبه بعدم تزويد المجلس التشريعي بأية تفاصيل تتعلق باستيراد الطحين. وقام ابو عمار بتشكيل لجنة تحقيق وزارية، لم تعقد اي اجتماع، وتوصلت الى استنتاج أن كل شيء على ما يرام. اما لجنة التحقيق التابعة للمجلس فسوف تقدم في الاسبوع المقبل استنتاجاتها«. ويروي خضر أيضا ان كبار المسؤولين في السلطة هددوه بأنه في حال استمرار متابعته للموضوع، فسوف يتم إلغاء حصانته البرلمانية. ويقول خضر ان هؤلاء المسؤولين يزورون باستمرار مكاتب مستورد الطحين. ومن الجدير بالذكر، ان ابا علي شاهين هو ناشط قديم في »فتح«، وقد أصدر قبل إقامة السلطة الفلسطينية بوقت قصير، بيانا علنيا ضد الفساد في قيادة م.ت.ف. كيف ابتلع البحر غزة وكما الوقود والطحين، أقيمت احتكارات لاستيراد الحديد واللحوم، والدهانات، ومواد البناء والاسمنت والسجائر، وجميعها تحت سيطرة مسؤولين في السلطة او أقاربهم. وحسب تقارير وزارة الخارجية الاميركية، تعمل اليوم في المناطق على الاقل 27 شركة احتكارية. وفضلا عن ذلك، فان السلطة الفلسطينية تسمح باستيراد منتجات اخرى فقط لقلة من طالبي ذلك. وبهذا الشكل فان الشركة المصرية التي تعود لنبيل شعث تستورد اجهزة الكومبيوتر للمناطق. وفي رام الله تعمل شركة »فلتيك« لاستيراد اجهزة الكترونية ترفيهية (تلفزيونات وأجهزة فيديو) ويملكها ياسر عباس (ابن ابو مازن) وسامي الرملاوي، من كبار المسؤولين في وزارة المالية الفلسطينية. ولخيبة أملهم، تعلم الكثير من التجار الفلسطينيين ان الاحتكارات ادت الى إلغاء المنافسة وإغلاق الأسواق والعقود التي كانت مفتوحة تحت الاحتلال الاسرائيلي. واليوم ليس هناك سوى مورّد واحد وهم مضطرون الى الشراء منه. ومنذ وقت غير بعيد، ألقت عضو المجلس التشريعي، راوية الشوا خطابا وصفت فيه »كيف ابتلع البحر غزة«، والتشبيه هنا واضح لمن يفهم الامر. فشركة »البحر« هي شركة اقيمت في غزة وتقوم ببناء منطقة المنتجعات على شاطئ غزة وهي ضالعة في صفقات عقارية اخرى. ومن وثيقة تسجيل الشركة، يتبين ان لها اليوم مالكين وهما: هاشم حسين هاشم ابو ندى، الذي يصف نفسه في الوثيقة بأنه »تاجر«، ولكنه عمليا مستشار اقتصادي للرئيس عرفات ومسؤول كبير في وزارة المالية، ومعين خوري، المعروف باسم رمزي، والذي يصف نفسه أيضا بأنه »تاجر«، ولكنه في حقيقة الامر رئيس مكتب عرفات. ويروي اسرائيلي من وسط البلاد، يعمل في مجال استيراد الاجهزة الكهربائية للسلطة الفلسطينية، انه انشأ العلاقة مع نبيل شعث حتى قبل التوقيع على اتفاقيات اوسلو في مكاتب الامبراطورية الاقتصادية لشعث في القاهرة: »كنت أرغب في التصدير لمصر، لكن نبيل قال لي، دعك من ذلك، بعد قليل سيحل السلام ونستطيع إبرام صفقات رائعة في فلسطين. وبعد اتفاقات اوسلو، فتحت شركة نبيل المسماة »تيم« فرعا لها في غزة، ويقوم ابنه علي بإدارة الفرع. وقد عقدت مع علي صفقات في المجالين الخاص والحكومي، اي بيع اجهزة للسلطة الفلسطينية. وعن طريق هذه الصفقات تعرفت إلى الكثيرين في مكتب الرئيس، وبينهم المستشار الاقتصادي للرئيس، هاشم ابو ندى«. وقد وقعت شركة »تيم« على عقد بقيمة نصف مليون دولار لإقامة شبكة كومبيوتر لصالح السلطة. ويقول هذا المستورد الاسرائيلي: »بعد ثمانية شهور، ضعفت جدا نشاطات نبيل شعث وبدأت في عقد الصفقات مع شركة »البحر« بالشراكة، اذ كانوا كما لو انهم يقومون بالعمل لصالح السلطة، ويبيعون الاجهزة، لكن عمليا كنا نحن نقوم بكل العمل«. } س: اذا كنتم تقومون بكل شيء، فلماذا كنتم بحاجة الى أبي ندى؟ ج: »هل جننت؟ كيف يمكن ليهودي من اسرائيل ان يفوز بعقد توريد للسلطة الفلسطينية؟ كان أبو ندى يدخل معي الى مكتب الرئيس ويقول له بضرورة طلب كذا وكذا من شركة »البحر«، وكان الرئيس يوقّع. وينتهي الامر«. ويقول حكمت زيد، رئيس اللجنة الاقتصادية في السلطة: »ان كل التفاصيل التي ذكرتها حول اصحاب الشركة والصفقات المشبوهة صحيحة. فحالة شركة »البحر« هي حالة خطيرة جدا، ونحن سنبحث الامر قريبا في المجلس التشريعي«. ويقول الدكتور هشام عورتاني: »عند اقامة السلطة وعدت بخلق اقتصاد سوق. وعمليا تقوم بعكس ذلك وتتدخل طوال الوقت في المبادرة الخاصة، مع إيثار مسؤوليها. ولدينا نحن الفلسطينيين، ميل لإتهام اسرائيل في كل مشاكلنا الاقتصادية. وهذا خطأ اساسي. اذ يجب ايضا ان نتهم انفسنا. واولا اعتقد بوجوب الاطاحة بكل القيادة الاقتصادية للسلطة: نبيل شعث، ابو علاء، محمد شتيا، محمد رشيد. وليس من الجائز ان نسمح لشخص مثل نبيل شعث، الذي يملك مصالح خاصة كبيرة بهذا القدر في أراضي السلطة، بان يشرف على الاقتصاد الرسمي لها بشكل يضعه في حالة تضارب مصالح دائم. وليس من الجائز ان نأخذ وزير اقتصاد عديم النفع بهذا القدر (والمقصود ماهر المصري). لقد فشلوا جميعا، وعليهم الذهاب الى بيوتهم«. ويترأس الدكتور عورتاني معهد أبحاث اقتصادية مستقل، فحص في الآونة الاخيرة احتكار الاسمنت. وتبين ان الاسمنت تستورده شركة PCSC التي يديرها محمد رشيد. ويُفرض على جميع المقاولين الفلسطينيين شراء اسمنت شركة »نيشر« الاسرائيلية من رشيد. وتقوم اجهزة الامن الفلسطينية بإيقاف شاحنات المنتجين الآخرين. وقد لفت مسؤول فلسطيني رفيع انتباهنا الى العلاقات الممتازة القائمة بين محمد رشيد ووزير الشؤون المحلية جميل الطريفي. وبتدقيق قصير، تبين ان فرع شركة PCSC في رام الله يقع في بناية مكاتب شركة البناء التابعة لجمال الطريفي شقيق جميل. ستار دخاني والسجائر هي احد الفروع الاولى التي اهتم الفلسطينيون بها وحاولوا انتزاعها من أيدي المنتجين والمستوردين الاسرائيليين. واقيمت في السلطة شركة »يونيبال«، التي هي، حسب قول الدكتور عورتاني، شركة متفرعة عن PCSC التي يديرها محمد رشيد. غير ان الدبلوماسي الغربي رفيع المستوى ليس واثقا بان كانت الشركة تعود لرشيد أو لمستثمرين أجانب، ولكنه يعلم ان الشركة حصلت على تسهيلات كبيرة في مجال الاستيراد. وكان الهدف الاول لشركة »يونيبال« هو شركة »دوبيك« الاسرائيلية. وحسب بروتوكول باريس فان الفلسطينيين لا يستردون ضريبة الشراء المدفوعة على منتجات اسرائيلية. وبكلمات اخرى، اذا دخّن الفلسطينيون سجائر مارلبورو فان السلطة تربح، واذا دخنّوا سجائر »تايم« الاسرائيلية فان السلطة الفلسطينية لا تكسب شيئا. إسرائيل هي السبب ويتهم الدكتور ماهر الكرد اسرائيل بكل شيء: »فواقع العلاقات الاقتصادية القائمة بيننا وبين اسرائيل أصغر كثيرا من اتفاقات باريس، التي كانت تصغيرا للترتيبات الانتقالية التي كانت شذوذا عن اعلان المبادئ. ونحن نعيش مرحلة انتقالية الآن، ولا احد يعرف كيف ستكون التسوية الدائمة. ولذلك من المستحيل التخطيط للمستقبل. اننا نعمل على اساس فرضية انه ستكون لنا دولة مستقلة، لكن حتى الآن ليس لدينا تجارة حرة، ولا سيطرة على الموارد، وثمة فاصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، وهناك الحصار. وبسبب إسرائيل، هناك توقف عن إكمال الميناء في غزة والحدائق الصناعية«. وحتى عندما سئل عن الاحتكارات، وجد السبيل لإلقاء التهمة على اسرائيل: »لقد سمعت كل الاشاعات عن أرباح الاحتكارات، لكن ليس لديّ اي دليل ثابت على ذلك. والامر هنا ينطوي على غير قليل من النفاق. وعندكم ايضا شركة »بيزيك«، الى وقت قريب كانت احتكارا. اننا ندعو الى إقامة اقتصاد السوق الحر. ومن الواضح انه ينبغي علينا في البداية السيطرة على بعض القطاعات. وقد تعهدت السلطة بالقضاء على الاحتكارات حتى عام 1998«. وماذا عن الفساد؟ »ان حجم الفساد عندنا لا يختلف عما هو قائم في إسرائيل او ايطاليا. والامر موجود في كل مجتمع. وهو امر طبيعي. ان الاحتكار الوحيد هو اتفاقات باريس التي تفرض علينا الاستيراد عبر الموانئ الاسرائيلية، ولا تتيح لنا الاستيراد بشكل حر. وهذه هي المشكلة الحقيقية سوية مع الحصار وعدم تطبيق العلاقات الاقتصادية من جانب اسرائيل«. ويتفق اسرائيليون كثيرون، بينهم آباء وأوصياء اتفاقات اوسلو، مثل رون فونداك، ويائير هيرشفيلد واوري سافير، مع قول الكرد إن الوضع ليس فظيعا، وان هذه امراض ولادة اقتصاد في قماطه. بل ان فونداك يؤيد وجود »صندوق ثان«، مخفي عن أنظار العالم تحت الاشراف المباشر والسري للرئيس. فهذه هي الطريقة الوحيدة، حسب فونداك، التي يستطيع عرفات بواسطتها البقاء في وجه تهديدات »حماس« وتأثير المتطرفين على الشارع في المناطق. قضية يوسف البابا من الصعب تخيل ان فونداك بأقواله هذه يستطيع إقناع عائلة يوسف البابا. وكان البابا في الثانية والثلاثين من عمره وقت موته. وقد عمل طوال حياته في تجارة الاراضي والمقاولات. ويقول أفراد عائلته ان ممتلكاته بلغت 13 مليون دولار. وحسب قولهم، فان مسؤولين في اجهزة الامن الفلسطينية والسلطات المحلية طلبت من يوسف ان يدفع لهم »خوة« دائمة. ولكنه رفض. فدفع الثمن بشكل آخر: في الثالث من كانون الثاني هذا العام، استدعي لمحادثة مع حاكم نابلس محمود العالول. وخرج الى الاجتماع بسيارته المرسيدس حاملا مبل

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة