As Safir Logo
المصدر:

أحياء."المعشوق"في صور تاريخ ينقصه عشق الحاضر(صورة)

المؤلف: سليمان بثينة التاريخ: 1995-12-14 رقم العدد:7262

كثيرون لا يعرفون حكاية منطقة »المعشوق« السكنية، التي تحتل العقار 1933 ومساحته حوالى ثمانية آلاف متر مربع، وتقع على بعد الكيلومترين الى الشرق من مدينة صور وتمتد على طول الطريق العام ما بين المساكن الشعبية وبلدة برج الشمالي. وهي ترتفع وسط السهل الساحلي على شكل جبل صغير او تلة صخرية انشئت عليها منازل صغيرة متلاصقة ومتداخلة الى حد يصعب على الزائر الوصول الى مكان من دون مساعدة احد الاطفال المنتشرين داخل الازقة الضيقة والمتعرجة والصعبة، والتي قد تفضي به في احيان كثيرة الى »الطريق المسدود« او الى عتبة احد البيوت. تدخل »المعشوق« من احدازقته الضيقة، تبحث عن تاريخ منسي وارض فقدت هويتها وانتماءها متحولة الى منطقة سكنية تفتقر الى الحد الادنى من مواصفات العيش الكريم. لهذا أُسقطت من الخريطة السياحية للبنان. مثل مناطق كثيرة تعرضت الى الاهمال وتعاني من قسط وافر من الفوضى، وتحولت الى شبه مخيم للاجئين الفلسطينيين الذين هجروا من فلسطين في العام 1948، واقاموا منازل على ارض مشاع، ولم يحصلوا على مساعدات من وكالة غوث اللاجئين الا منذ العام 993 ، حيث انشئت لهم مدرسة ابتدائية وعيادة، باعتبار انهم كانوا يحصلون على مساعدات في الماضي من خلال مخيم البص او مخيم برج الشمالي. داخل القبة يتميز »المعشوق« باسمه ذي النكهة الخاصة، وبقبتيه: واحدة باتجاه الشمال الجنوبي، والثانية تشرف على صور. عندما تصل الى هناك وتسأل عن الطريق الى القبة، كما يعرفها اهل المعشوق، يستقبلك الكثيرون بشرح اوضاعهم المعيشية السيئة ظنù منهم انك من منظمة غوث اللاجئين. ترتفع بك الازقة المتدرجة لتصل في النهاية الى مدخل تتجمع فيه عدة نسوة يرحبن بك. هنا وصلت الى القبة الضريح لا تحتاج الى كثير من الشرح حول هدف زيارتك، فقد اعتاد آل عبد العال القاطنون داخل احدى القبتين مجيء الزائرين والباحثين والذين يسعون الى الحصول على البركة. وتجد نفسك داخل المنزل المزار المدفن او المكان الاثري، سمِّه ما شئت، فالمكان قادر على استيعاب كل هذه التسميات! وله عند ام عدنان قصة قديمة، فهي تقول انها سكنت القبة منذ العام 1948، ثم تزوجت وانجبت وسكن ابنها في بيت مجاور للقبة يدخل اليه عبر احد ابواب المقام الضريح! تضيف ان كثرين يأتون من مناطق بعيدة لزيارة القبر والتبرك به. بعضهم يأتي اسبوعيù والبعض الآخر لمرة واحدة، يقصدونه لايفاء النذور. وكل يحمل رواية مختلفة. كذلك يأتي من وقت الى آخر مهتمون بالاثار ودارسون، بعضهم اجانب، (المان وفرنسيون). يدونون الملاحظات ويصورون ثم يرحلون. وسبق ان زاره مسؤولون في مديرية الاثار قالوا انهم يعملون لاحياء المقام واعادته الى الخريطة السياحية. الشكل الخارجي للمقام يظهر القبتين، القبة الامامية لجهة المدخل تبدو اصغر واقل ارتفاعù عن القبة الثانية المتراجعة الى الجهة الشمالية. والقبتان قائمتان على مبنيين صخريين منفصلين ومربعي الشكل. القبة الصغيرة حيث تسكن ام عدنان هي عبارة عن فراغ داخلي مربع الشكل في المسقط الافقي منه، ذات سقف مقبب، اي عبارة عن قبة كبيرة لها اربع فتحات صغيرة مستطيلة للتهوية والانارة. وتبدو القبة محمولة على اعمدة تربط بينها اقواس نصف دائرية تشكل الجدار الداخلي للضريح. ويُظهر البناء من الداخل اربعة مداخل تتوسط جدرانه الأربعة، وهي عبارة عن ابواب صغيرة مقنطرة ذات اقواس . ويتميز الباب الرئيسي بوجود لوحة رخامية وضعت فوقه حفر عليها بخط الثلث قصيرة تشير الى تاريخ المدفن الذي يعود الى العام 1187 ه. وللمدخل عتبتان ومقرنصات منحوتة على القنطرة نصف الدائرية تظهر فيها معالم فن العمارة المملوكية. ولا يحدد الشكل العام للبناء فنù معماريù خالصù لفترة تاريخية محددة، لكن التاريخ المشار اليه يبين الفترة الممتدة بين نهاية الحكم المملوكي وبداية الحكم العثماني. أما الضريح الذي يتوسط القبة الاولى، فهو على شكل هرمي متدرج، اختفى احد شاهديه وبقي الآخر وهو منحوت من الرخام. فيما تشير الكتابة المحفورة الى عباس المحمد الذي حكم اجزاء من جبل عامل منذ 1760م. والذي يعود اليه بناء السراي القديمة في صور، كذلك الجامع القديم، وهو اول من امر ببناء كنيسة في مدينة صور وقد اعاد بناء قلعة دير كيفا، وتنسب اليه بلدة العباسية في قضاء صور. ومن المعروف انه قد اعاد بناء تلك المدينة اثر تهدمها سنة 1760م. وقد تعرض المقام الى الكثير من التغيير والتشويه، فقد سد بابه الغربي وشيد درج الى بابه الشرقي يفضي الى منزل ابن ام عدنان. أما بابه الجنوبي فيؤدي الى غرفة كبيرة تتوسط سقفها قنطرة تجمع بين الحائطين والسقف. وقد تحول مكان الضريح في القبة الى مطبخ أضيفت الى احدجدرانه الرفوف، كذلك اضيفت كل مستلزمات المطبخ. اما السقف الداخلي للقبة فقد تحول الى السواد نتيجة الدخان واشعال الشموع والطبخ والغسيل وما الى ذلك من الاعمال المنزلية! واخبرتنا ام عدنان انه في العام 1992 سقطت الزاوية الشمالية الغربية من القبة، وقد رمموها على حسابهم من دون مساعدة احد. ولعل التعبير الأصح انهم اعادوا بناءها وقد اعترضت مديرية الأثار على ذلك في حينه، لكنها لم تقم بشيء ضده. أما القبة الثانية وهي الاعلى فتحمل المواصفات ذاتها الا انها اكبر. وقد أزيلت قطعة الرخام التي كانت موضوعة فوق المدخل، فيما لا يبدو اثر لضريح في الداخل. وحين سكنها آل عبد العال في العام 1948 كانت مليئة بروث الابقار مما يعني انها استخدمت لفترة كزريبة للحيوانات. وتسمع ام عدنان كما يسمع آخرون ان القبة كانت مسكونة من قبل ابو شفيق مسؤول الاحراج، ثم سكنها النسور؟؟؟ الى ان جاء آل عبد العال. اما قصة العاشق، يقولون، العاشق والمعشوق ويكتفي الجميع عند هذا الحد واذا الححت بالسؤال فيقولون: القبر لعاشق دفن هنا! وللتسمية المعشوق تاريخ يعود الى عهد الفينيقيين. اذ كانت تسمى تل المعشوق، نسبة الى معشوقة الاله بعل (هداد)، وفي الديانة الفينيقية كانت عشتروت الهة الحب والجمال. فينوس عند الرومان وافروديت عند اليونان. وقد كانت تقام المعابد من اجل عبادة الآلهة. وهذه تقاليد وثنية تعود الى ما قبل الميلاد. وظل المكان محتفظù بطابعه الديني، مثل سائر الامكنة الدينية التي كانت تستخدم لأديان مختلفة تتعاقب عليها. ومع قيام المسيحية اتخذ طابعه المسيحي متحولاً الى كنيسة للعبادة، وظل فترة كذلك حتى بدء الفتوح العربية الاسلامية فتحول الى مسجد للصلاة والعبادة، الى ان وصل الى وضعه الحالي مقامù روحيù، والجدير بالذكر انه لم يذكر ضمن المقامات الدينية عند الشيعة. وهكذا استمر التقليد الديني متخذù طابعù مختلفù. فارتبط المقام الحالي بأصل التسمية عند العامة، مما ادى الى الخلط. وبالاضافة الى الرحالة بارتلت فقدورد ذكر المقام مع رحالة آخرين، امثال وليم السوري، فيكتور غوران وهما رحالتان من القرن التاسع عشر وكذلك ارنست رينو. وفي صور الرحالة تبين الرسوم اعمدة قديمة تعود الى فترات زمنية متفاوتة. وبمحاذاة التل عند اسفله توجد اقنية فريدة من نوعها بحيث تأتيها المياه من الجبل ترجع الى الفترة الرومانية وقد تم كشف بعض الاجزاء منها مؤخرù وما زال جزءù منها مطمورù الى جانب الطريق العام وصولاً الى المساكن الشعبية. عمق تاريخي وقد تردد اسم المعشوق في فترات الحكم الاسلامي مما يدل على اهمية الموقع ودوره. الاسم في الصفحة 102 من كتاب مملكة صفد لطه تلجي الطراونة: »لعل صور الجديدة هي التي ذكرها ابن بطوطة بأنها قرية عامرة بخارج صور والتي ذكرها الظاهري باسم المعشوقة وانها قرية تشبه المدينة بالقرب من صور ومما يرجح ذلك ان اسمي صور والمعشوقة كانا متلازمين حتى فترة متأخرة ثم بدأ اسم صور يحل محل المعشوقة«. وقد ورددت في اقطاع (املاك) الامير سيف الدين بهادر آص (نائب صفد 1311م) باسم المعشوقة ويعلق الصفدي على هذا مستشهدù بما ورد في الوافي بالوفيات جزء 10 ص 297، 298: »المعشوقة هي القرية التي قامت مكان مدينة صور المهدمة«. وكذلك وردت كموقع عسكري ابان الحروب الصليبية العربية فقد شيد الصليبيون سنة 1108م. حصنù عند تل المعشوق لتشديد الحصار على المدينة. (راجع ص 134 من كتاب الدكتور محمد علي مكي »لبنان 630م. 1516 من الفتح العربي الى الفتح العثماني«). اما ما يقوله البعض من ان تسميته »تل النبي المعشوق« يعود الى ان القبة الكبيرة هي مقام له فغير دقيق، اذ ما تتبعنا الرواية حول بداية انشاء المكان وربطه بحكاية العبادات الوثنية القديمة. ومما يروى من حكايات شعبية فان المكان الضريح يعود لرجل خيِّر، ما زالت رائحة الطيب تنبعث من قبره ولهذا يأتي الناس للتبرك واضاءة الشموع. المعشوق تل المعشوق اثر يحمل في طياته عصورù متتالية وحكايات تروى تختلط على العامة فيعمدون الى التمسح والتبرك بمقام النبي المعشوق والذي يبدو ان لا وجود له، اللهم الا فيما يتعلّق بعبادة الالهة عشتروت. بثينة سليمان

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة