لا تؤرخ »صخب البحيرة«، ولا تهتم بضبط التغييرات الحضارية بعناوينها الكبيرة. ومساراتها السيكولوجية. او حتى ترصد المسافة من نقطة تفجر الأزمة بين الفرد والحضارة.. ولكنها تحاول الاقتراب من الروح (ليس بمعناها الفسيولوجي او الوجداني الرومانسي)، التي تملأ المكان، وتهيم بالاشياء الجديدة. تنساب تفاصيل الروح في علاقات، وسلوك، لا يهتم المؤلف بتفسيرها، ويلتقطها ببراعة، يضعها في جزئيات صغيرة، لا تبني عالمù متماسكù، لكنها على ماء النص تعكس (صورة)، تكشف عن اعماق، لا يضعها البساطي امام القارئ مباشرة، بل يكتشفها معه، ليس على طريقة التحليل النفسي او الكيميائي، وانه على طريقة ضربة الفرشاة القوية التي تلمس سطح اللوحة، ومن اشارتها الخفيفة، يكتشف العالم. البساطي في »صخب البحيرة«.. لا يعرف، بل يكتشف.. مسارات الدهشة يشير العنوان من البداية الى فعل تغيير (صخب) مفارق لحالة سكون (البحيرة)، وتأتي الصفحات الاولى وكأنها تخطط المسرح لهذا الفعل، تصف تلك المنطقة الفريدة في الطبيعة (يترك المؤلف اشاراتها تجريدية) وتركز على وصف التقاء (البحيرة) و(البحر) بايقاع جنسي، يصنع معه الحياة، ويتكون به جنين (العمران). مشاركة الطبيعة هنا جزء من بناء الاسطورة، يعتمد فيه المؤلف على الايحاء والامتزاج بين كل عناصر الحياة.. البحر والبحيرة يلتقيان كما الصياد العجوز والمرأة في الفصل الذي يدخل فيه شاطئ البحيرة الى مساحة الحياة.. تدب فيه خطوات الانسان وتنحسر عنه معالم الوحشة.. في الفصول التالية حركة الطبيعة ايضù هي علامات الايحاء، النوة تحمل بقايا الحضارة من الشاطئ الآخر، والجزر الصغيرة المتفرقة، لا تستقر بها الحياة، وتتصل بالحياة عبر قناة (ترعة) حفرتها الحضارة، التي تبهرهم منتجاتها المدهشة.. (الحلاوة الطحينية..). في موازاة حركة الطبيعة تنمو شخوص الرواية على هذا المسرح الاسطوري، يتتبع الراوي هذا النمو من موقع محايد، لا يشارك (من ضمير الغائب الى ضمير المتكلم تتغير طبيعة الراوي، لتؤشر على تغير في العمران الذي هو علامة انتقال الزمن في الرواية، الراوي كان ضميرù غائبù، عندما كانت الضاحية التي ينتمي اليها ما زالت مهجورة..). هذا التتبع يتم وفق حركة سردية تشبه انتقالات الكاميرا في الفيلم السينمائي، فيها من قصدية تسليط الضوء على سلوك بعينه، وفيها من عفوية التقاط مشاهد وصور. لا تبني العالم المحكم، بل شذرات تشكل ملامح عالم لا ينساب منطقيù وفق تسلسل معروف، ومحكم، الا في المضابط الرسمية. هي تقنيات تقوم عليها »صخب البحيرة« التي هي ليست رواية ازمة البطل (الفرد) بل رواية (مكان) من خلال ملامح بشر يعيشون عليه، وتشكل مسارات حركتهم خصوصيته.. ومن هنا ليست حركة حول نقطة مركزية تجمع الاحداث في دائرتها، لكن حركة السرد لا تعنى بالاحداث، وتفرد على نسيج النص، من ايقاعات مضبوطة، تتوالد الحكايات من داخل بعضها، والراوي ينظر اليها من مسافة واحدة لا تتغير حسب الزمان والمكان.. حركة السرد الروائي تكشف عن طبقات هذا العالم الفريد بالتدريج، تتسلل، لا تقتحم، ولا تفصل، ولا تقدمه دفعة واحدة. تلعب هذه الحركة في أفق خصائص شعرية عندما يتجاوز السرد وظيفة الكشف الى محاولة صنع سياق آخر، من علاقة الناس بالاشياء وكل واحد فيه شبه من حاجاته..، تهرب هذه العلاقات من جاذبية السياق، وتكتسب غرابتها، وتخرج في رحلتها التي لا يهتم المؤلف بتفاصيلها، مقاول الانفار يحمل صندوقه ويجمع اشياءه المتناثرة في بيوت اخواته، واقاربه، ويخرج منه اشياء جديدة، وعندما يستقر، يختفي..، جمعة يخرج وراء الصوت الذي يتحدث به صندوق عثرت عليه امرأته ضمن مقتنياتها له من النوه، ويخرج كراوية وعفيفي، وراء نداء غريب من الجزر الصغيرة. المقاول اختفى، وجمعة عاد ليموت على سريره، وكراوية وعفيفي عادت جثتاهما مع النسوة. رحلات عجيبة تنتهي بالموت (الاختفاء)، الذي لا يعني الغياب بل انه شكل آخر للحضور، او اشارة ضمن اشارات تعبر عن قراءة الشخصية.. (صياد عجوز غريب الملامح، قاربه مختلف،...). عالم لا يبهرنا اكتماله، بل نقصانه، عالم مفتوح، مليء، نتسرب اليه عبر حوار شديد الكثافة يرسم به المؤلف »بورتريهات« دقيقة (دقتها ليست من تمثل الملامح الخارجية. بل من دلالتها على حركة صاحبها، في الحياة..). »صخب البحيرة« رواية يصفي فيها محمد البساطي عناصر تجربته الروائية، ليرسم بها لوحة شديدة الخصوصية لمكان تنطبع فرادته على شخوصه.. البساطي هنا »يرسم« قصيدة مفرداتها لا تنبنى على وعي المثقف، بل على احساس بسطاء تخرج فلسفاتهم عن الجاذبية المتعارف عليها.. إيقاع الأسطورة { كيف ينظر محمد البساطي الى روايته (حازت افضل رواية في العام 1994).. يقول البساطي: > هذه الرواية تخرج عن سياق اعمالي السابقة..، حاولت فيها الامساك بروح الشرق.. هذا الجانب الروحي من حياة، وتفكير الناس، ورسمت ابعاد الخلاء الفسيح الذي يمكن أن تنمو فيه هذه الروح، وكان همي أن أرى كيف تأتي، وكيف تتكون الشخصيات التي يقال انها بسيطة، لكن لها اعماق مذهلة!! لم تتشكل الرواية في ذهني منذ البداية، وباستثناء الفصل الأول، الشخصيات تشكل وتخلق عالمها، وتكون ملامحها اثناء الكتابة.. كانت تجربة غريبة على كتابتي..، في الروايات السابقة كنت احاول السيطرة على الشخصيات بشكل ما، »لكن شخصيات »صخب البحيرة«، كانت تقفز فجأة، وتأتي لتقول ما تريد، وتغادر.. والغريب انني بعدما انتهيت من الكتابة الاولى، شعرت بأن كل شيء لم يقل بعد، وكأن الرواية لم تنته، ترددت (لأنه عادة ما تنتهي الشحنة مع نهاية الكتابة..) وتركتها اكثر من شهرين، بعدهما شعرت ان العمل على هذه الصورة، انتهى.. { كيف تكون الكتابة الثانية..؟! > .. المرهق في كتابة هذه الروايات، القدرة على الحذف.. حذف كل ما يخل بايقاع العمل، حتى لو كان مكتوبù بشكل جيد جدù!! { كيف تحدد ما يمكن حذفه..؟! > كنت اكتب كل ما يأتي الى ساعة الكتابة الاولى، ولكن اثناء عملية »التبييض« (الكتابة الثانية).. كانت المعركة الحقيقية، معركة صامتة بين الكاتب والعمل، فما الذي يحذف؟ هل احذفه ام لا..؟! عيناي واذناي تساعدني على ذلك.. أعرف الكثير من الكتاب لا تهمهم هذه المسألة، وينشرون العمل بكل ما فيه، الكتابة الحديثة لم تعد تحتمل، كنا نقرأ ديستوفسكي ونجده مثل نهر متدفق، لكن الرواية الحديثة، في اعتقادي، لا تتحمل مشهدù واحدù زائدù او ليس له مبرر.. حتى لو كان مكتوبù بشكل رائع (!!). اعظم كاتب في عملية الحذف، والايقاع، هو تشيكوف، الذي كان دائمù ما ينصح جودكي من رسائلهما المتبادلة، بمراعاة التكثيف، والايقاع.. { هل الايقاع عملية حسية، ام انها خبرة الكاتب وصنعته..؟! > .. بعد أن تنتهي من كتابة العمل يتشكل ويتضح، مثل لوحة، تبعدها عنك مسافة زمنية، تكفي لأن تكون محايدù، »متفرج« عادي. اذا لم تستطع ذلك، تتركها تبرد قليلاً، ثم تنظر اليها مدة اخرى، وهنا سيمكنك تحديد أن هذه الجزء مثلاً يقلل من حيوية هذه الشخصية... وهكذا، هذه احدى مهارات الكاتب. وتتوقف على استيعابه لخبرات وطرق الفن.. يبدو من كلامي انني انحاز الى تدخل العقل الواعي على الشحنة اللاواعية التي تبدأ بها الكتابة، لكنني من المؤمنين بأن الفن العظيم يوحي، لا يشرح، وعندما اجد اثناء قراراتي الكاتب يشرح كل شيء، اشعر بأنه يستهين بعقلية القارئ، الفن يوحي، ولهذا اعتبر التكثيف كأهم شواغلي. احرص على الوصول الى ذروته.. في »صخب البحيرة«.. شعرت أن الرواية يمكن أن تبدأ بامرأة في المكان، تم تمضي.. وبعد أن عدت الى المشهد الروائي كاملا.. فضلت ان تعود لتأخذ اشياءها وتمضي. { تبدو شخصيات الرواية على حد الجنون، هل قصدت الغرابة في رسم ملامحه..؟ > تطرفت بالشخصيات في هذه الرواية الى حد ما، لأن طبيعة المكان على هذا الحد من الخصوصية.. الشخصيات هنا ليست عاقلة بالشكل الذي تعارفنا عليه، ولا يمكن ان تحكم عليها بمنطق من خارج قوانينها الخاصة.. ومن هنا يأتي الاحساس بالغرابة الذي تتحدث عنه.. كنت ابحث عن الشرق، ولهذا تبدو الشخصيات في شرود ما!! وعمومù انا احب تمثل رؤية الشخصيات التي اضعها في اعمالي، اتمثل نظرتها للاشياء، حركتها، اسلوبها، أي انني اقف عند سياقها الخاص اشحن به. واتلمس منطقة الخاص، الشخصية هنا تفرض نفسها، وتجهز لنفسها الاحداث والمكان الملائم لطبيعتها. { لكن هذه الشخوص، لا تتقابل. بل تتوازى عوالمها وكأنها تصنع خريطة لمسارات المكان في تحولاته..؟! > كان يمكن لكل فصل أن يكون رواية منفصلة عن عالم الشخصية التي يقدمها.. فكرت في هذا. ولكنني وجدت انني قلت ما اردته في مساحة الفصل.. ولن يكون مبررù أن ازيد عدد الاحداث والمواقف.. من الصعب أن تضع هذه المنطقة في »حدوتة« واحدة، لأن المكان هنا هو البطل، وهو هنا ليس مكانù خياليù، بل انه موجود، وتتبلور ملامحه، مناخه الاسطوري، التي تنطبع بها الشخصيات. وائل عبد الفتاح (القاهرة)