فقدت صيدا »حكيمها«، وفقد لبنان وجها نيابيا وسياسيا بارزا بوفاة الدكتور نزيه البزري صاحب القلب الكبير، عن عمر يناهز ال 85 سنة، بعدما سكت قلبه وهو يعود أحد أقربائه في مستشفى الجامعة الاميركية في بيروت حوالى الساعة الثانية بعد ظهر امس. وبرحيل »الحكيم« تكون صيدا قد خسرت رجلا من رجالاتها، الذي شغل المدينة منذ العام 1953 عندما انتخب لأول مرة نائبا عن المدينة. طبع الراحل مدينة صيدا، طوال الحقبة التي تولى خلالها النيابة والوزارة، بالطابع السياسي الذي اشتهر به، فكان خصما عنيدا وشريفا في الآن نفسه، وحتى عندما كان مناوئا للمرحوم معروف سعد خلال الانتخابات النيابية، كان كل شيء ينتهي مع انتهاء الانتخابات. في صيدا يلقبونه ب »طبيب الفقراء«، ويعتبر منزله من المنازل المفتوحة أمام كل زائر الامر الذي ترك الأسى واللوعة لدى عارفيه، ولدى من واكبه طيلة فترة نيابته ووزارته. حسم موقفه منذ بداية الحرب الاهلية في العام 1975 بانتماء لبنان العربي وعلاقته المميزة مع سوريا، ولم تفصله عن الاستشهاد في 26 شباط الا الصدفة، حيث كان يسير جنبا الى جنب مع الشهيد معروف سعد على رأس تظاهرة الصيادين. حقبة الاحتلال برزت مواقف الدكتور البزري الحاسمة اثناء الاحتلال الاسرائيلي للبنان العام 1982 واحتلالها لمدينة صيدا، فتحمل ما لا يمكن ان يتحمله انسان، وبقي صامدا في منزله مع أبناء المدينة يطالب الصيداويين وابناء الجنوب بالتصدي للاحتلال ومقاومته ومنع أي هدنة معه، رافضا استقبال ما سمي الحاكم العسكري والاداري الاسرائيلي في منزله، فعوقب بمداهمة منزله اكثر من مرة، اضافة الى اثارة المتاعب للمدينة. كان رمزا للصمود لكثيرين من ابناء المدينة »طالما الحكيم في بيته فنحن سنبقى في صيدا، نواجه الى جانبه ومعه قوات الاحتلال«. كان يشعر ان وجوده ضروري، وكذلك حضوره بين الناس، فكان يتقصد الظهور في الاسواق التجارية، يلتقي المواطنين ويحرضهم على عدم التعامل مع العدو، ومقاطعة كل المنتوجات الاسرائيلية ويطالبهم بالصبر والصمود، ويؤكد ان الاحتلال الى زوال بفضل المقاومة التي كانت وتيرتها تتصاعد. الطائف كان للدكتور نزيه البزري موقفه الحاسم المؤيد لاتفاق الطائف الذي دافع عنه باعتبار »انه لا بد من هذا الاتفاق حتى يتوقف النزف ويتوحد البلد ويعاد بناء المؤسسات فيه«. وكان للدكتور نزيه البزري موقف ثابت من الاحتلال ومن عملائه، وعلى أرضية هذا الموقف رفض انتخاب بشير الجميل رئيسا للجمهورية.. لكنه انتخب امين الجميل معللا ذلك بإنقاذ البلد وللوصول الى حل يؤدي الى فك الحصار عن بيروت آنذاك. العلاقة مع سوريا اعتبر الدكتور نزيه البزري من أهم اصدقاء سوريا في لبنان حتى ان بعض الصيداويين اطلقوا عليه اسم »اذاعة دمشق« لقربه من العاصمة السورية ومن الرئيس الراحل حافظ الأسد. وسببت له هذه العلاقة بعض المشكلات وتحمل الكثير من اجل هذه العلاقة. وساهم مساهمة فعالة واكيدة خلال حرب تشرين العام 1973 التي خاضتها سوريا ضد اسرائيل، عندما كان وزيرا للاقتصاد، وأرسل الى القيادة السورية رسالة أبلغها فيها بوضع امكانيات وزارته في خدمة سوريا. وتمثل ذلك حسيا بتفريغ الاسلحة والعتاد الحربي لسوريا في ميناء طرابلس، اضافة الى ادخال المواد الغذائية الى سوريا من لبنان. العزوف في العام 1992 قرر الدكتور نزيه البزري عدم خوض الانتخابات النيابية وعزف عنها وترك الساحة لنجله الدكتور عبد الرحمن البزري. وكان قرار العزوف بالنسبة له صائبا لأنه جاء بملء ارادته. وبرغم المحاولات التي بذلت من قبل »أصدقاء« لثنيه عن هذا القرار، الا انه وبعناده الحاسم أصر على موقفه لأنه كما كان يردد دائما »انني لا اريد ان اصل الى يوم وأنا في هذا العمر وأتعرض لنكسة سياسية في حياتي. سأترك النيابة وانا محافظ على كرامتي«. وحتى تاريخه ما زال انصاره يعودون بالذاكرة الى تلك المرحلة ويشيرون الى موقفه الصائب قياسا الى ما تعرض له ابنه الدكتور عبد الرحمن البزري الذي خاض الانتخابات في حينه ولم يتبنه احد، لا بل تم وضع العصي في طريقه، وخلقت في وجهه الصعاب من قبل الجميع ولم يحالفه الحظ. توفي الدكتور نزيه البزري تاركا صيدا مطبوعة بثنائية »البزري سعد«، بعدما رسم لنفسه طريقا واضحا في العمل السياسي كما في الشأن العام، يتصرف بمعاونة فريق صغير جدا من أنصاره، ولم يعتمد في حياته السياسية لا على حزب ولا على تيار، بل اعتمد كثيرا على رأيه الشخصي وعلى آراء اصدقائه من »زوار بيته« اثناء اتخاذ اي قرار. النعي والتشييع نعى رئيس مجلس النواب واعضاء المجلس النيابي الوزير والنائب السابق الدكتور نزيه البزري الذي انتقل الى رحمته تعالى امس بتاريخ 11/10/2000. وسيصلى على جثمانه ظهر اليوم في جامع الزعتري في صيدا، وبعد الصلاة يحمل النعش سيرا على الاقدام حتى ساحة القصر البلدي في ساحة النجمة ثم ينقل الجثمان في سيارة اسعاف وتتبعه سيارات المشيعين من شخصيات رسمية وشعبية الى الجبانة الجديدة حيث يوارى الثرى. وتقبل التعازي للرجال في القصر البلدي في صيدا، وللنساء في منزل الفقيد. وفور شيوع خبر وفاة الدكتور البزري، توافد الى منزل الراحل في صيدا أهالي المدينة وأنصاره ومؤيدوه بالاضافة الى الفعاليات الصيداوية. وحوالى الساعة الخامسة وصل الدكتور عبد الرحمن البزري الى صيدا قادما من الجامعة الاميركية واستقبل بالبكاء والنحيب حيث عانق والدته وشقيقاته وافراد عائلته وانصاره والاهالي في المنزل كما وصلت النائب بهية الحريري وقدمت التعازي للعائلة بالاضافة الى المفتي محمد سليم جلال الدين والعديد من رجال الدين المسلمين والمسيحيين والدكتور أسامة سعد على رأس وفد من التنظيم الشعبي الناصري. وحوالى الساعة السادسة والنصف مساء، وصل جثمان الراحل الى المدينة حيث أوقف الموكب في شارع رياض الصلح وحمل الجثمان على الأكف يتقدمه نجله عبد الرحمن واهالي المدينة وأدخل الى المنزل وسط صيحات التكبير حيث سجي فوق سريره. إقفال في صيدا وأصدر رئيس جمعية تجار صيدا وضواحيها عصام البساط بيانا اعلن فيه اليوم يوم اقفال في صيدا حدادا على الراحل. وأصدر التنظيم الشعبي الناصري بيانا نعى فيه الراحل وجاء فيه: »تلقينا بألم كبير نبأ وفاة فقيد صيدا ولبنان معالي النائب الأسبق الدكتور نزيه البزري. لقد كان الراحل الكبير مثالا للتضحية والمروءة والاقدام، عمل في خدمة قضايا وطنه بتفان واخلاص حتى آخر رمق من حياته، وما زال ابناء مدينة صيدا يتطلعون بامتنان كبير الى المشاريع التي أسهم في العمل على انجازها واخراجها الى حيز الوجود في مدينة صيدا وجوارها. لقد التقينا مع الراحل الكبير الدكتور نزيه البزري في مواقف كثيرة كما واختلفنا معه في مواقف كثيرة ايضا، لكننا نشهد اننا في المواقف التي اختلفنا بها مع الدكتور نزيه البزري كان اختلافنا مثالا للخصومة الشريفة المترفعة عن كل الغايات الشخصية والفردية المقدمة لمصالح الجماهير الشعبية على اية مصلحة او اعتبار آخر. كما نعت الفقيد كل من: جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية في صيدا وغرفة التجارة والصناعة في صيدا والجنوب وجمعية رعاية اليتيم في صيدا ومؤسسة الحريري والنائب بهية الحريري، ومدرسة الفنون الانجيلية الوطنية في صيدا وجمعية متخرجي مدرسة الفنون الانجيلية وجمعية خريجي الجامعات والمعاهد السورية في لبنان وآل البزري واهالي مدينة صيدا.