As Safir Logo
المصدر:

مباراة الأجانب في أدبهـم

المؤلف: لعميم محمد ايت التاريخ: 2014-08-08 رقم العدد:12841

يفتقر الأدب المغربي الحديث المكتوب بالعربية أو بالفرنسية إلى تاريخ. أي إلى رصد بداياته، والوقوف على تمفصلاته وتحولاته واستمراريته. لا نتوفر في المكتبة المغربية على كتاب يشمل كرونولوجية واضحة لهذا الأدب، مثل ما فعل العلامة عبد الله كنون بخصوص الأدب المغربي القديم. قد يقول قائل، عمر الأدب المغربي الحديث قصير، نقول إن هذه الحجة في صالح التأريخ للأدب لأن سنينه معدودة، وقد نتحكم في ضبطه وفرز اتجاهاته وموضوعاته وقضاياه. يفتقر هذا الأدب كذلك إلى تداول حقيقي في البرامج التعليمية بالمدرسة المغربية، مما أوهن الاهتمام به، فالتلاميذ والطلاب قد يعرفون بعض الأسماء المشرقية المكرسة أو بعض الأسماء المغربية المشهورة، ولكنهم بالكاد يعرفون اسماً أو اسمين من الكتَّاب المغاربة. إن حضور النص المغربي في الكتب المدرسية باهت جداً، وحتى إن حضر فإنه يكون صدى وهامشاً لنص مشرقي، وبذلك فالمدرسة تعمل على تكريس أفكار قبلية وجاهزة ظلت مخيمة على أذهان الناس حتى أصبحت مسلمات. والحال هذه فالمسألة برمتها تعود فقط إلى تمثلات حول الذات والآخر. فلا يكفي أن يكتب المغاربة حتى نقول إن لدينا أدباً مغربياً بل لا بد أن يصل إلى شريحة واسعة من المجتمع المتعلم (المدرسة - الجامعة) علماً أن الأمية متفشية في المجتمع!. إذا سألت شخصاً قد يكون مهتماً بالأدب عن البدايات الأولى للأدب المغربي الحديث، قد يزمّ شفتيه ويذكر لك اسماً من الثلاثينيات أو الأربعينيات من القرن الماضي وينتهي الأمر. وإذا سألته عن رواية مغربية مشهورة يذهب رأساً إلى «الخبز الحافي» علماً أن هذا العمل هو سيرة ذاتية لكاتب حقيقي؛ وإن سألته عن كاتب مغربي بالفرنسية، يأتي اسم الطاهر بنجلون، علماً أن هذا الأخير سارد كبير لقضايا لا تعنينا، وهناك من يذكر لك محمد خير الدين وهو لم يقرأ له ولو سطراً واحداً مع العلم أن محمد خير الدين مفخرة الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية لمواقفه وعظمة أسلوبه وحدة مزاجه وتجربة الغنية، يكفي أن الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر كان أول من نشر له قصيدة بعنوان «الملك» في مجلة «الأزمنة الحديثة» اعترافاً بنبوغه وتفرده، ولحدود الآن لم تترجم أعماله إلى العربية باستثناء رواية ويوميات كتبها في آخر عمره. ترتيب الأدب المغربي إذا أردنا، فعلا، أن نؤرخ لأدبنا المغربي الحديث، فلا يجدر بنا أن نرتهن إلى الزمن الكولونيالي، فبدايات الأدب المغربي أبعد من ذلك. أراه في القرن 17 وتحديداً مع الحسن اليوسي، الذي خصص له «جاك بيرك» دراستين عميقتين، فمشكلات الثقافة المغربية بدأت منذ هذا الزمان واسترسلت عبر القرون، فتكفي إطلالة على العمل الرائد لليوسي «المحاضرات» لنشتمَّ فيه رائحة المغرب أدبياً، وننبه إلى أن هذا الشكل في الكتابة يستبطن سيرة ذاتية حقيقية، نرصد من خلالها مجموعة من القضايا الفكرية والأدبية والسياسية والدينية للمرحلة؛ فلأول مرة سيتحدث عن الطعام المميز للمغاربة هو الكسكس، ويذكر البلغة، والبرنس، ولأول مرة سيستضيف الثقافة الشعبية ويدمجها في الثقافة العالمة حين تحدث عن الملحون وذكر مجموعة من الأبيات منه، ولثاني مرة بعد لسان الدين ابن الخطيب سيتحدث اليوسي عن ساحة جامع الفنا الذي اتخذ منها كتاب عالميون موضوعاً لروايتهم في القرن العشرين، ومنذ ذلك الحين نبه اليوسي من خطورة التطرف الديني حين نتحدث عن جماعة مغربية متطرفة كانت تؤذي الناس وتمتحنهم في عقائدهم وتحدث أيضاً عن الانحراف الذي أصاب بعض الطوائف التي انتحلت التصوف مثل «نحلة العكاكزة» حقيقة، فمع اليوسي حضرت الحياة المغربية في الأدب فينبغي العودة إليه لإعادة ترتيب البيت الأدبي المغربي. لا بد من التفتيش في نصوص القرن 18 و19 حتى نصل إلى القرن 20 الذي اعتبر رسمياً بداية للأدب المغربي الحديث مع فاجعة الحماية، حيث بدأ التأريخ لهذا الأدب من خلال الأجناس الأدبية الوافدة من الضفة الأخرى، الرواية، القصة المسرح ، الشعر الحر، وهلم جراً. لقد كانت رواية «الزاوية» للوزاني إيذاناً بدخول المغرب إلى الكتابة في هذا الجنس، وفي الرواية الرسمية اعتبرت رواية «سبحة العنبر» لأحمد الصفريوي أول عمل يكتب بالفرنسية عام 1949، لكن مع البحث والتنقيب اكتشف أن أول رواية كتبت بالفرنسية بالمغرب هي للكاتب الطنجاوي عبد القادر الشاط المعروف بتعدده اللغوي تحت عنوان «فسيفساء باهتة» كتبها عام 1930 ونشرت في فرنسا عام 1932 هو صديق لعبد الله كنون عرف بوطنيته، لم يذكره الفرنسيون باعتباره أول من كتب بلغتهم لمواقفه المناهضة للاستعمار وروايته تتناول الحياة في مدينة طنجة في ذلك الزمان. إن الأسئلة التي حركت الأدب المغربي في زمن الاستعمار وبعد الاستقلال كانت مرتبطة بالهوية والمسألة الوطنية وقضايا التحرر وغلب عليها في هذه المرحلة كتابة السير الذاتية، لقد استمر هذا الأدب في طرح القضايا السياسية وتوجيه النقد السياسي الاجتماعي ثم عرف بعد ذلك تحولات ارتكزت حول أسئلة الكتابة وتجريب طرائق متنوعة فيها والانفتاح على مرجعيات متنوعة وعلى نصوص عالمية، ومن الممكن أن يسهم هذا التنوع المرجعي في دينامية جديدة للكتابة الإبداعية المغربية. ان المتتبع للأدب المغربي المكتوب بالعربية والفرنسية يلمح فروقاً بينهما من حيث الموضوعات وطريقة تناولها ومن حيت مستوى الكتابة، فالمستوى الذي ظهرت به النصوص المغربية باللغة الفرنسية اقوى منه بالعربية، وقد يرجع الامر الى رغبة الكتَّاب المغاربة في التفوق على الخصوم الفرنسيين أنفسهم من خلال لغتهم. لقد كان الرهان هو أن اتكلم لغتك أفضل منك وأن استعملها لأتخذها غنيمة حرب. أضف الى ذلك استحضار القارئ الحقيقي والمتيقظ لما يكتب باللغة الفرنسية. هذه العوامل جعلت الكاتب المغربي بالفرنسية لا سيما الرواد يسعون إلى الرفع من منسوب الكتابة، لأنهم كانوا أصحاب قضية. يضاف إلى كل هذا أن اللغة مكنتهم من الإطلاع على الآداب الأوروبية التي كان لها دور كبير في جل الآداب في العالم من خلال لغتها الأصلية والتفاعل معها. أخيراً لا بد من التنصيص على أن الأدب المغربي المكتوب بالعربية وبلغات أخرى ينبغي أن تنعكس فيه الروح المغربية بخصائصها وما يميزها حتى نجعل من هذه الروح مرقاة إلى معانقة العالمية وليس هذا بالأمر المستحيل، فلنا في ذلك سوابق وما آداب أميركا اللاتينية عنا ببعيدة. (ناقد ومترجم مغربي)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة