As Safir Logo
المصدر:

طرطوس تعيد حياكة نسيجها الاجتماعي: أكثر من 1750 أسرة نازحة في 22 مركز إيواء

المؤلف: علي سناء التاريخ: 2014-08-05 رقم العدد:12838

طرطوس ـ سناء علي اقترب الطفل بواحدة من الأزهار التي كان يحملها وسألني: «ما بدّك تشتري وردة لحبيبك؟». ابتسمت من أفكار الطفل التي سبقت سنّه، وقلت له «إن أهديتك إياها هل تقبلها مني يا...»، بردّ فعل سريع مدّ الصغير يده وقدّم الوردة ببراءة أخفى الأسى ملامحها، وقال: «اسمي أسامة..». سبع سنوات من العمر حملها أسامة قبل عام تقريباً من حي الميسّر في حلب إلى مخيمٍ للنازحين في طرطوس، مع عائلته المؤلفة من أختين ما زالتا محاصرتين في حلب مع العائلة وأخوين أصغر منه وأمّ، وأب شبه عاجز. يخرج الطفل صباحاً من مكان إقامته برفقة بعض الصبية إلى بائع الورد يشتري منه الأزهار ويبدأ بالبحث بين مقاعد الحدائق العامة التي استكشفها عن عشاق أو «محسنين» يشترون منه همّه، ويعينونه على العودة بقوت اليوم إلى عائلته، لكن أكثر ما كان يثير اهتمام الطفل في طرطوس أنه تعلم السباحة وسيذهب بعد عودته إلى الشاطئ الذي لم يكن يعرفه في حلب. المأساة ذاتها تتكرر مع فوارق بسيطة في التفاصيل، حوصر الحيّ من قبل المسلحين وبدأ سكّانه بالخروج تدريجياً، لتجد العائلة الحلبية نفسها أمام قرار النزوح باتجاه طرطوس لكونها الأقرب والأكثر أماناً بالنسبة لهم، حالهم حال آلاف العائلات الأخرى من مناطق شهدت أحداثاً مماثلة. نتيجة لأعمال العنف والتخريب والحرب التي تعيشها سوريا منذ ما يزيد عن ثلاثة أعوام ونصف العام، شهدت مدينة طرطوس حركة نزوح كبيرة من خارج المحافظة، واستقبلت أعداداً كبيرة من المهجّرين من مختلف المدن، خصوصاً حلب والرقة، منهم من استُقبل في مراكز إيواء حكومية، ومنهم من التجأ إلى مخيمات افتتحتها وترعاها تجمّعات أهلية، ومنهم كذلك من انخرط مع عائلته في نسيج المدينة بشكل شخصي. وبحسب مصادر رسمية في المحافظة، فقد بلغ عدد مراكز الإيواء الحكومية 22 مركزاً، موزّعين على المدينة ومحيطها وفي الأرياف، تشرف عليها بشكل مباشر مديرية الشؤون الاجتماعية. تضم هذه المراكز 1750 أسرة، تقوم مديرية الشؤون بتأمين مستلزماتهم وكل ما يحتاجونه من غذاء وكساء وصيانة للمخيمات من خلال اللجان المكلفة بذلك، بتوجيه من وزارة الشؤون الاجتماعية بالتعاون مع منظمة الهلال الأحمر. تحظى الأسر المسجّلة لدى مديرية الشؤون الاجتماعية في المحافظة بفرصة الحصول على بعض الرعاية والاهتمام، خصوصاً الأطفال والنساء، حيث تعمل مراكز الإيواء على توفير الرعاية الاجتماعية وسبل التعليم والتأهيل والتربية لهذه الشريحة من المدنيين، كما تحاول تأمين رعاية صحية مناسبة ولقاحات شاملة بحسب برنامج الصحة العالمية بالتعاون مع منظمة الهلال الأحمر. أبرز الصعوبات التي واجهت القائمين على هذه المراكز في بداية الأمر كانت في إيجاد آلية معتدلة للتعامل والتواصل مع هذا العدد الكبير من الأشخاص والذين ينتمون بطبيعة الحال إلى بيئات مختلفة وإلى أنماط تفكير وأيديولوجيات قد يصعب التوفيق بينها أحياناً، لكنهم تخطّوا هذه المرحلة بمساعدة مشرفين اجتماعيين أو بحكم العادة ومرور الوقت ونشوء نوع من الألفة بين الأسر. النازحون في المدينة خارج مراكز الإيواء لا يحظون بتلك الميزات لأسباب قد تخصّهم، وقد ترجع في بعض الأحيان إلى صعوبة استيعاب العدد الكبير الذي يقارب 70 في المئة نسبة إلى سكان المدينة الأصليين، ليجدوا أنفسهم أمام واقع استثنائي بظروف لا تبدو مريحة أبداً، أثّرت على كل مناحي الحياة في المدينة من ارتفاع في إيجار العقارات، إلى غلاء الأسعار الجنوني، الازدحام الخانق، وتردي الخدمات نظراً لضخامة عدد السكان الجديد بالنسبة إلى مقدرات طرطوس الفقيرة الموارد. «استضافونا بكل حبّ، وقدّموا لنا كل ما في استطاعتهم، حتى أنهم تقاسموا معنا لقمة عيشهم». هكذا يصف محمد واقع حاله وعائلته في طرطوس، الشاب الحلبيّ الذي يعمل في محل لبيع الشاورما في أحد الأسواق، يتنهّد ويضيف بغصّة: «لم أكن يوماً عاملاً عند أحد... كنت صاحب مطعم في حلب، لكن الظروف أجبرتني على ذلك والحمدلله أن صاحب المحل (الطرطوسي) شخص شهم وذو أخلاق عالية ويحترمني جداً». طرطوس التي تبلغ مساحتها 1890 كيلومتراً مربعاً، تصنّف من بين أكثر المدن السورية أمناً اليوم، ونتيجة لذلك وجدت تلك الشرائح الاجتماعية المهدّدة والفئات الضعيفة من النساء والأطفال والكبار في السن وأصحاب الإعاقة الجسدية، ملاذاً لشتاتهم، وبالرغم من عدم توفر إحصائية وأرقام دقيقة لعدد النازحين في طرطوس إلا أن واقع الحال يشرح نفسه من دون عناء، الحدائق المكتظة بالناس ليل نهار، الشوارع المزدحمة، الشاطئ، الأسواق، المدارس، وحتى عيادات الأطباء كلها تعكس الواقع الذي فُرض قسراً على تلك البقعة الجغرافية، ما أدّى إلى نشوء خلل نسبي في النظام الاقتصادي والاجتماعي للمدينة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة