As Safir Logo
المصدر:

التراجع إلى متاريس الأنا

المؤلف: الصكر حاتم التاريخ: 2000-10-06 رقم العدد:8723

الأنا التي نتحدث عنها هنا، ليست الموجود الفرد بما أنه كان خارج نصه، بل هي أنا الشاعر أو ذاته المواجهة للعالم والمتجهة إليه في الآن نفسه، لذا تتشقق أو تتقشر عن هذه الأنا أنوات عديدة: أنا الشاعر كمؤلف ضمني لنصه، وأنا النص كانبثاق للذات أو الأنا الأولى، وأنا العالم كما يتكوّن خارج وعي الشاعر ولكن بإرادته وشعوره. هي إذن أنا متعالية على ذات الفرد، مندمجة في أناه الثانية: أنا النص المنعكسة عنها، والمواجهة للعالم. من موجودات هذا العالم، يبرز أولا كيان (الآخر) بما أنه أنا أخرى تتقاطع مع أنا الشاعر وتهيئ لها حياة لا تريدها أو ترضاها. ولا يصل الشاعر العربي المعاصر الى (أناه) دون اختراق أسواق سلالية: فثمة أنا قديمة، تنعكس في نصوص الأدب الموروث، حيث كان الشاعر مندرجا في ضمير الجماعة: لغويا ودلاليا.. فخطابه هو خطاب الجماعة، وصوتها هو صوته، و(نحن) هو منطوق (الأنا) التي تتخلى عن سماتها، ولا تراها إلا ضمن تلك الدائرة، فالإنسان موجود بما أنه ضمن ذوات أخرى يجمعها فضاء القبيلة ووسائل عيشها وتفكيرها. وحتى في حالات التمرد (القليلة) والخروج استثناءً على نسق القبيلة، فنحن نجد مقايسة واضحة الى ثوابت الجماعة ونواميسها، وذلك يتأكد في شعر (طرفة) والصعاليك مثلا ممن كانت أنواتهم متحققة عبر رفض تلك الثوابت، لا اجتراح نقيضها أو سواها جديا... بالنسبة للشاعر العربي الحديث، كانت الأنا المنشطرة هي أوضح ما يمكن الحصول عليه من مراجعة الشعرية العربية خلال السنوات الخمسين الأخيرة. وهي عمر الحداثة الشعرية العربية تقريبا، وأشد المراحل حساسية في التحول على مستوى الحياة في البلاد العربية. وأبرز حالات الانشطار تلك، هي الإحساس بالحاجة للآخرين، واستيعاب وجودهم كضرورة، ثم الانقضاض على ذلك الوجود المتعين للآخر ونقضه.. مما يعطي هذه الحالة وصف الوجودية بحق، فلقد تلقف الشعراء العرب صيحة سارتر »الآخرون هم الجحيم« لتغدو بكلمات السياب »ان الصخرة الآخرون« في إحالة واضحة الى أسطورة سيزيف، فكأن الشاعر يستعيد معاناة سيزيف، وصخرته التي تسقط كلما ارتفع بها الى العبثية في رمزية سيزيف، والثمن الذي دفعه لقاء أرضيته، ووعيه بما يفعل، واللذة التي يمنحها له عذابه الأبدي، ومواجهة قدره منفردا، رغم انه افتدى الجماعة وعانى من أجلها. هذه المواجهة المنفردة، نجدها حتى في المواقف الكفاحية التي تستدعي اقتراب الذات من الآخرين، وهو ما عبّر عنه السيّاب في قصيدة (المغرب العربي) خلال الاحتلال الفرنسي، فهو يبدأ القصيدة بالقول: »قرأت اسمي على صخرة« والدال الذاتي (اسمي)، والأسطوري السيزيفي (صخرة) في هذا المطلع، لهما مدلول يؤكد ما ذهبنا إليه، وذلك ما عبر عنه السياب في موقف آخر، هو الشوق الى وطنه (العراق) حين قال: (وأنا المسيح يجر في المنفى صليبه). والمسيح لدى السياب مثل سيزيف، رمز للفداء من أجل الآخرين. (الآخر) في شعر السياب هو قابيل: قاتل أخيه في مفتتح الخطيئة وبدء الخلق، وأنا القتيل هذه المرة متناثرة، قد يراها السياب في مأساة جماعية، كتشريد اللاجئين الفلسطينيين، لتنعكس المقولة الشائعة وتغدو ال(نحن) (أنا) شريدة: » قابيل أين أخوك؟ يرقد في خيام اللاجئين السلّ يوهن ساعديه...« عذاب الأنثى بالنسبة للشاعرة فدوى طوقان تكون السيزيفية خلاصة لدورة العذاب اليومي الذي تمثله حياتها كأنثى في مجتمع النصف الأول من القرن العشرين، فكان عنوان سيرتها الذاتية هو (رحلة جبلية.. رحلة صعبة) حيث تقول: »حملت الصخرة والتعب، وقمت بدورات الصعود والهبوط. الدورات التي لا نهاية لها«. فالحياة عندها ليست إلا سلسلة متصلة الحلقات من الفقدان، وأقسى ما في هذه الدورة السيزيفية هو الانحباس داخل معزل النساء »لقد جعلني وجودي داخل جناح (الحريم) المغلق أتقلص وأنكمش في قمقم ذاتي. وصرت لا أملك إلا التحديث في مرآة هذه الذات.. وهكذا كان شعور بالاغتراب يتكثف«. ولكن، ما مبرر هذا الانسحاب والعزلة والشعور بالاغتراب، ما دام الآخر موجودا في الخارج في مؤسسة (الجماعة)؟ تقول فدوى: »كنت أعي ذاتي، وكنت على وعي بأن الذات لا تتكامل إلا في الجماعة. وكانت الجماعة هناك، وراء الجدران التي تحاصرني، وبيني وبينها مسافة قرون طويلة من عالم (الحريم)«. ولن تكون أشعار فدوى بعد حرب حزيران 1967 واحتلال إسرائيل مزيدا من أرض فلسطين إلا ردود فعل وقتية، لم تغير موقف الشاعرة السيزيفي الذي يلخصه ببلاغة عنوان أحد دواوينها (وحدي مع الأيام). أحيانا، توهمك القراءة العابرة، ان الشاعر مندمج في الآخر ومأساوية عالمه، كما في قول الشاعر عبد العزيز المقالح: »يتملكني حزن كل اليمانيين يفضحني دمعهم جرحهم كلماتي وصوتي استغاثاتهم يتسول في الطرقات الندى« ولكن قراءة الأبيات التالية مباشرة في المقطع نفسه، ترينا الجانب السيزيفي في عذاب أنا الشاعر ضمن الجماعة: »كلما قلتُ: إن هواهم سيقتلني ركضت نخلة الجوع في ليل منفاي« فالصديق غائب بالموت آخر العبارة، بالنفي في أولها. في حالة الشاعر محمود درويش، قد نستطيع تأويل أنا الشاعر بأنا (الأنا الجماعية) وليست (الأنا الفردية) امتثالا للربط بين الخاص والعام في شعر درويش الذي يمزج بين ذاته وموضوعه الذي هو وطنه فلسطين دائما وإن كان من أشد الزوايا خصوصية. هذا التوتر بين العام والخاص ينعكس على المعنى الذي يغدو متوترا كمعادل للعلاقة بينهما. وذلك واضح في موضوعات (تيمات) صغرى أو فرعية كالحب والطبيعة والطفولة والمدن والمنفى، خاصة، حيث تتناوب أنا الشاعر وأنا الجماعة (نحن)، ولا تتحقق الأنا إلا إذا استند الشاعر الى (نحن)، مثيرا في قارئه ما يسميه باختين »المشترك بيننا وما يجمعنا« وهذا الربط بين العام والخاص، والنحن والأنا، يفسر لنا غنائية درويش والتوترات الدرامية المتحصلة في شعره، ليجسد أنا متوسعة يصفها كمال أبو ديب ب»تعدد الأنا« أو »الواحد المتعدد«. الخسارة الفادحة هنا، تكمن في العثور على (أنا القصيدة) المساوية للهوية، بمقابل ضياع الأنا الخاصة بالشاعر، أو كما يلخص درويش ببراعة: »مذ وجدتُ القصيدة شردتُ نفسي وساءلتها: من أنا.. من أنا؟« وقد نعثر على نوع آخر من هذا التصالح الظاهري مع الآخرين كجماعة بشرية، ولكن ذات مصالح اقتصادية واجتماعية وسياسية واحدة.. يتمثل ذلك في التجليات الشعرية العربية للماركسية والانطلاق من مقولاتها النظرية كحاضنة يجد فيها الشاعر الماركسي دفنا وخلاصا.. لكن ذلك يمثل أيضا إقصاء الأنا، فكيف يوفق الشاعر بين تحقيق اجتماعيته وتركيزه أناه؟ بالنسبة للشاعر سعدي يوسف الذي يتلمس طريقا خاصا وسط الانتماء الجمعي، كان الحل متمثلا في قوله: »أسير مع الجميع وخطوتي وحدتي« لكنه يسكت عما سيلحق ذلك بخطاه من أذى، هذا إذا كانت الجماعة ترتضي مشيته المنفردة أو (رؤيته المتفردة). إن وجود (الآخر) كضرورة، ممحوة بعذاب وجوده، وثقل هذا الوجود، وأعتقد ان فكرة (القرين) أو (الشبيه) التي شاعت في شعر الحداثة العربية، هي مظهر لتأكيد الأنا الشعرية المنفصلة عن الآخر.. فالقرين يقوم بدور الآخر، ويقاسم أنا الشاعر صوته وسريره وخطوته. من هنا كان ظهور (أنا المرآة أو الأنا النرسيسية) التي أكدها الشاعر أدونيس في قصائد المرايا القناعية، وكما وقف (نرسيس) محترقا بنار حبه لنفسه، ومحاولته المستحيلة للإمساك بخيال أو طيف، كما يلخص ذلك أوفيد في (مسخ الكائنات)، فإن أدونيس يقرن المرايا في شعره بالماء أو الظل، حتى غدت رموزا شخصية له، بل لقد تماهى في المرايا حتى قال: (صرتُ أنا المرآة) وكان حنينه الدائم في أن يجد (مرآة تنتسب إليّ) كما يقول، مشيرا بذلك الى انه كطائر الفينيق الأسطوري يخلق نفسه من رماد ذاته المحترقة، دون حاجة الى الآخر. وهذا الاكتفاء بالخلق من الأنا، يجعل صورة الآخر لدى أدونيس تأتي في هيئة وسخ يحجب الرؤية: »أنتم وسخ على زجاج نوافذي، ويجب أن أمحوكم«. وفي قصيدة مهمة وذات دلالة خاصة في موضوع (الأنا) هي قصيدة (هذا هو اسمي) يقول أدونيس انه بدأ وانخلق »ماحيا كل حكمة« لأن ما وضعه الآخر كأعراف ونواميس، كانت عرضة للمحو، كي يبدأ أو ينخلق الشاعر، وهكذا يكون (الجنون) هو الوصفة المناسبة لمفارقة الآخر، والعودة الى الأنا عبر مرآة خاصة بها، تتحقق وتتأكد من خلالها: »من أجل أن أخلق مرآة تجدر أن تنتسب إليّ، وأن أتمرأى فيها من أجل أن أبتكر فراغا يتسع لأهوالي، ربما فكرت أن ألبس معطفاً بنصف ذراع وأن أمشي بقدم نصف حافية«. إن عثور نرسيس المعاصر على صورته أو ما يتوهم أنها أناه المنعكسة في مرايا الماء، يتطلب منه أن يفارق أعراف (الآخر) وخطابه، مرمزا لذلك بارتداء معطف بنصف ذراع، والمشي بقدم نصف حافية.. وذلك سيكرس عزلته عن الآخر، ويكون ثمن عثوره على مرآة جديرة بأناه هو الجنون. وبمؤثر رومانسي مباشر، تكتب نازك الملائكة في سنوات طلوع الحداثة الشعرية العربية وطفولتها (أواخر الأربعينيات) قصيدة مهمة هي (أنا)، ذات هندسة شكلية لافتة، فهي تتكون من أربعة مقاطع يبدأ كل منها بسؤال عن الأنا: »الليل يسأل من أنا/ الريح تسأل من أنا/ الدهر يسأل من أنا/ الذات تسأل من أنا« وتكون محاولة الإجابة بعد كل سؤال بستة أبيات، تكرس الحيرة والقلق وهما من سمات الرومانسية العربية وتمثلاتها الشعرية والدوران السيزيفي غير المجدي. »نبقى نسير ولا انتهاء نبقى نمر ولا بقاء« بينما تكون نهاية كل مقطع بعبارة تدل على الانطفاء والخمود: »فضاء/ جليد/ غياب« لقد نقلت نازك السؤال عن (الأنا) كجوهر وماهية، الى مستوى دلالي أوسع للتعبير عن بحث الإنسان الفرد، لا الواحد المفرد أو الرقم المندرج في الجماعة، من خلال الصلة بالأشياء المجردة من حوله، مكررة الضمير النحوي (أنا) ثلاث عشرة مرة في الأبيات الاثنين والثلاثين التي تشكل النص. ولهذا التردد الكمي مغزاه في تمركز بحث الشاعرة حول (أناها) الحائرة والمجهولة والعسيرة على الفهم، مجسدة قول محيي الدين بن عربي بعد أن يقرن الألف بالذات »إن الذات لا تُعلّم أبدا على ما هي عليه. فالألف الدال عليها الذي هو في عالم الحروف خليفة، كالإنسان في العالم، مجهول أيضا«. فالمظهر الأنوي لا يمنح رؤية المجهول للإنسان أو معرفته. أنا الشاعر، أنا العالم إن الباحث سيجد مناسبات أخرى للتصادم بين أنا الشاعر، وأنا العالم الخارجي، فالمدينة تمثل إحدى تلك المناسبات أو المصادفات، فبالرغم من أن المدينة العربية منذ الخمسينيات شهدت بعض النهوض المدني، ظلت (قرية كبيرة) تخلو من عقد التصنيع، وأخلاقيات الحداثة، وكثافة السكان، وليس فيها ما يدعو الى الشعور النفسي أو الفلسفي بالاغتراب، لكن أحمد عبد المعطي حجازي، وفي وقت مبكر، يرى ان القاهرة (مدينة بلا قلب) لا تهب الحب أو العطف لقروي نازل إليها لن يجد من يواسي غربته أو ينظر في عينيه وهو يحادثه، فيكتشف اكتشافا رائعا يعري ظاهرية الزحام وفوضاه إذ يقول: »هذا الزحام لا أحد«! فالبشر المتكتلون والمتدافعون في الطرقات والميادين والأسواق، ليسوا إلا (زحاما) لا يمثل ذاتا أو (أحدا) متعينا. هذه المدن يصفها شاعر عراقي هو سركون بولص بأنها »قاتلة القصائد بكل الوسائل الممكنة« ناقلا المفارقة المتحصلة بين أناه والمدينة، الى مواجهة بين أنا القصيدة والآخر المتجسد في كتلة المدينة. وربما كان مفهوما أو مبررا خوف السياب من المدينة وهو الهابط إليها من ريف قريته القصي (جيكور) فيرى في مدينة الخمسينيات: »حبالاً من الطين يمضغن قلبي ويحرقن جيكور في قاع روحي« فالمدينة طبقة أو فئة تقصي الأغراب والفقراء، لكننا سنجد غرابة في موقف الشاعر المغربي محمد بنيس إذ يصف المدينة المعاصرة التي تطرد شعراءها كما في اليوتوبيات القديمة بالقول إن »هذه المدينة لم تكترث بطرد شعرائها جميعا لا المعاصرين فحسب« وإن مصير هؤلاء الشعراء هو »مآل من اختاروا أن يوجدوا في العالم ومن أجله.. ساهرين على حدود الخطر«. ونلاحظ في المقتطف السابق من أقوال بنيس ملامح رؤية سيزيفية، فاختيار الوجود في العالم ومن أجله، كان ثمنه هو الطرد من أهم مؤسسات العالم وهيئاته الملموسة: المدينة. أما الحب فهو برغم كونه علاقة اقتراب حميمية من الآخر لا يحظى من الشاعر المعاصر إلا بالشكوك والقلق والمخاوف. حين يسمع السياب بموت الشاعر لوي ماكنيس يرثيه بقصيدة تحمل اسمه عنوانا لها، ويضمنها أبياتا لماكنيس نفسه بعد نظمها إيقاعيا بجو المرثية هذه الأبيات المضمنة تتحدث عن زوجين (محبين) فقدا الصلة لدرجة ان شاي الصباح الذي يشربانه معاً، استحال الى »صحارى« يضيع في ظلامها صدى صوتيهما، وقامت الجريدة »كالجدار« بينهما إذ يقرآن صفحاتها معاً. ومن رثاء ماكنيس يقفز السياب الى تصوير ما بينه وبين زوجته من مسافة! فيذكرنا بنص آخر خاطب فيه المرأة بعبارة (أحبيني) مبررا ذلك »بأن كل من أحببت قبلك لم يحبوني« وفي عناق الحبيبة يحس انه يعانق الهواء وهو يهب لشدة قسوته من القطب ذات ظهيرة، فكأنه يضم جثة مكفنة ويعود منها حاملا صخرة صماء تشده الى التراب، فالحب الذي يريده السياب أثيريا وسماويا ونبعا دافعا، تحيله الحبيبة الى تراب وصخر وبئر راكدة.. ولنلاحظ مرة أخرى كيف استحالت (الأنا) الى سيزيف الحامل في جلجلة عذابه صخرة حبيبته وثقل وجودها هذه المرة. لقد تعرفنا في بحثنا الى مظاهر وتجليات مختارة من إحساس الشاعر بأناه ومحاولته لتكريسها، عبر الابتعاد عن الآخر، المتمظهر في أنا مقابلة تتخذ من الجماعة والمدينة والحب والصداقة، هيئات أو مؤسسات متحفزة لالتهام هذه الأنا ومحوها. وما مدار شعريتنا العربية في طور حداثتها إلا حول هذه المواجهة التي تتخذ سمتا لا شعريا في معظم الأحيان، يتوسل بالإيديولوجيا والأعراف والقوانين، لإتمام عملية المحو تلك، بينما تتخذ من جانب الشعراء هيئة الانسحاب والتراجع الى متاريس الأنا المتحصنة بوعيها وقلقها وخوفها، واستدعاء رموزها الأسطورية مما يزيدها توهجا وإبداعا، بقدر ازدياد عزلتها وإقصائها.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة