مقابلة
لم تعد ضحى الدبس إلى بيتها في مدينة جرمانا قرب دمشق، منذ أكثر من سنتين. بعد اندلاع جحيم الحرب، تركت الممثلة السورية البيت لمجموعة من النازحين كي يقيموا فيه، مفضِّلةً الإقامة في فندق وسط العاصمة، يكون آمناً وقريباً من أماكن التصوير. لكنّ ذلك لم يؤثّر على حيوية الممثلة التي استطاعت خلال السنوات العشر الأخيرة، كسر الحصار المفروض على أدوار الصفّ الأوّل، من قبل بعض الشلل الفنيّة. تستقبلنا صاحبة شخصية فيحاء (ضبّوا الشناتي) في صالة الفندق، وبعد طلبها لقهوة الصباح الدمشقية، تشعل سيجارتها وتتحدّث عن بداياتها: «لم أكن أنوي المضي في عملي كممثلة تلفزيون، فمنذ تخرجي من المعهد العالي للفنون المسرحية العام 1985، كان طموحي السفر لمتابعة دراستي فنّ التمثيل في أوروبا، والحصول على درجة الدكتوراه من هناك لتأسيس منهج لفنّ التمثيل في سوريا، لكن المخرج هيثم حقي نصحني وقتها بالبقاء، وأسند لي أدوارا عدّة في التلفزيون، كان أولها شخصية سالمة، في مسلسل «هجرة القلوب إلى القلوب» (1990)». تخبرنا الدبس عن معاناتها مع الإقصاء، «بسبب حصار تعرضتُ له من قبل إدارة التلفزيون السوري حتى منتصف التسعينيات لأسباب سياسية تفضّل الممثلين البعثيين على غيرهم من الفنانين المستقلّين، ما أبعدني عن خيارات مخرجي الدولة. علماً أنني لا أنتمي لأي حزب أو تيار سياسي، بينما كانت «شركة الشام الدولية» كجهة إنتاجية خاصة ووحيدة آنذاك لها طقوسها الخاصة بها، وكنت أرفض الانخراط في أجواء شللها». وتتابع صاحبة شخصية «نفّجة» بعد طلب بعض الحضور في الفندق أخذ الصور التذكارية معها: «بقيتُ عشر سنوات مهمّشة وبعيدة عن خيارات أي مخرج، وأصابتني حالة من الاكتئاب المزمن تعالجت منها على مدى سنتين ونصف. فمقاييس المخرجين تتقاطع بقوّة مع ذائقة مجتمعاتنا العربية للمرأة، وهي الفتاة ذات الجسد المكتنز والوجه المستدير والشعر الأشقر». مع مجيء العام 2000 كان على ابنة جبل العرب أن تنسى الخيبات التي تعرضت لها من قبل مخرجي التلفزيون أو المسرح، وتبدأ مرحلة غزيرة من حياتها المهنيّة بدءاً من «سيرة آل الجلالي» (2000) و«ذكريات الزمن القادم» (2003) لهيثم حقّي، وصولاً إلى «الخربة» (2011) و«ضبّوا الشناتي» (2014) لليث حجو. قدمت الدبس أدواراً وشخصيات عدّة في السينما كان أبرزها مع عبد اللطيف عبد الحميد في فيلمه «نسيم الروح» إضافةً لمشاركتها في فيلم «الطحين الأسود» مع غسان شميط، وآخرها في فيلم «رقصة النسر» مع شقيقها المخرج نضال الدبس. لكن ماذا عن قيام الدبس بأداء دور الأم في سن مبكرة من عمرها الفني؟ تجيب: «وصلتُ إلى ما يعتبره المخرجون بالسن المحير عند الممثل، فلم أكن أصلح لدور طالبة الجامعة ولا لدور الأم، ناهيك عن أنّ الدراما العربية ذات قوالب جاهزة ومنمّطة للشخصيّات، وهي دراما لا تعطي المرأة حقّها، خصوصاً شخصية الأم التي قدّمتها معظم أعمال التلفزيون على أنها شخصية ساذجة ومغلوبة على أمرها، إلى أن جاءتني الفرصة التي طلبتها شخصياً من المخرج نذير عواد في مسلسله «ورود في تربة مالحة» للعب دور الأم في هذا العمل، إذ كان لدي الرغبة القويّة في تقديم شخصيّة الأم بشكل مختلف عما تداولته معظم الأعمال السورية، وفق مساطر دينية واجتماعية صارمة تجعلها مرادفا نهائيا للأرض والعطاء والطهارة لا يمكن مسّه». كانت تلك الفرصة التي دخلت الدبس عبرها في تحدٍّ كبير، راهنت من خلاله على إعادة كتابة معظم أدوارها أمام الكاميرا: «ما زلتُ أعتقد أنّه على الممثل أن يعيد كتابة الشخصيات التي تسند إليه في معظم ما يلعبه من نصوص، وهذا ما قمتُ به باستثناءات قليلة، وبتعاون مباشر مع الكاتب والمخرج. أنا من الذين يعتقدون أنّ النصّ المكتوب لا يزال قاصراً عن معادله البصري على الشاشة، كوني أعمل دائماً على العالم الداخلي للشخصية أكثر منه على تفاصيل مكياج وأزياء الشخصية». أداء الدبس المتميّز في أدوار الأم الشابة والذكية في مسلسلات «أهل الغرام» و«الانتظار» مع الليث حجو، نقلها بقوّة إلى واجهة النجوميّة بعد عشر سنوات من إقصائها، لتتوالى الأدوار عليها. بين الكوميديا والتراجيديا زادت هذه الممثلة من حرفية أدواتها أمام الكاميرا، لتقدّم كاركترات لافتة على صعيد صياغة الشخصية: «ساعدني في ذلك مشاركاتي في لوحات «مرايا» مع الفنان ياسر العظمة، لكنني أؤمن أن الكوميديا تحتاج إلى خفّة ظل ّربانية». خاضت الدبس مغامرتها الأصعب في مسلسل «خربة» حيث وقفت مع نجوم الكوميديا في بلدها على رأسهم دريد لحام، ورشيد عساف، وباسم ياخور وشكران مرتجى. تقول إنّها عاشت القلق والرعب قبل أداء شخصيّة «نفّجة»، لكنّها تعاونت مع مخرج «الخربة» الليث حجو لإظهارها بالشكل المطلوب. عملت مع حجو في مجال الكوميديا من جديد هذا العام، في «ضبّوا الشناتي». «حرصنا أنا والمخرج وجميع الممثلين الزملاء في العمل أن نبتعد عن السخرية والتهكم فكانت كلّ شخصية تتبنّى ما تقول وما تفكّر به. كان العمل من بطولة الأسرة السورية والحوار اليومي الذي اعتمد على مصطلحات الأزمة. تشبهني شخصية «فيحاء» إلى حدٍّ بعيد، بين القسوة والحنان وتمسكها بالبقاء في وطنها بحجارة البيت التي تحمل معاني حياة كل السوريين». وعن دور «أم نذير» شيخة الحارة في مسلسل «بواب الريح» لمخرجه المثنى صبح تقول الدبس: «تمثل هذه الشخصيّة الوجه الآخر للمرأة السورية الذي شوهته مسلسلات البيئة الشامية، كونها صاحبة المبادرات الاجتماعية وتقوم بتوزيع جريدة ممنوعة. لقد أردت من خلال هذا الدور أن أقول إنّ هناك نساء غير اللواتي يمضين وقتهنّ بالطبخ، ونداء أزواجهنّ بعبارة «سيدي وتاج راسي». كان هناك نساء أخريات اشتغلن على خط تنويري في دمشق وغيرها من المدن السوري، لذلك أنا ضدّ أعمال مثل «باب الحارة» حتى العظم». (دمشق)