لم يكن في غينادي آغي ما يجعله غريبا، لا قميصه الروسي الذي بلا ياقة وبحاشية مزخرفة على الكمين ولا لحيته السولجنستينية. مع ذلك فإنه مثل سولجنستين لا يبدو طالعا من روسيا الشيوعية بل من روسيا اخرى أبعد زمنا روسيا دوستويفسكي. لا يعرف أغي الا كلمات قليلة من الفرنسية لا تفيد غالبا في التعبير وحين حاول بها ان يقول كلمته في استقلال الشعر على طاولة النقاش، لم يفهم أحدا لكن غينادي آغي يتكلم ببسمته. ببراءة ما قبل العصر التي تبدو في سمته. كنت أسأل نفسي مازحا كيف اهتدوا الى عنوانه والى أي عصر أرسلوا الدعوة. حين قالت زميلة انه سألها اذا كانت أشجار النخيل التي شاهدها في الاستراحات (لا أجد إسماً آخر)، التي قضينا فيها أوقاتا طويلة، طبيعية، والحال ان غينادي بدا طبيعيا اكثر مما يجب، اكثر مما تحتمل حياة للصناعة فيها مهما حاولنا، اثر اكيد. لكن شعر غينادي آغي كما يظهر في ترجمته الفرنسية ليس غريبا بهذا القدر. انه روسي بالتأكيد، مستقبلية ماياكوفسكي الروسية وإنسانية باسرناك.. لغة مسنونة ومقطعة في شظايا وترية متفجرة، خطف صور عامرة بغرابة وسيريالية خاصة لكن على خلفية حكائية وفولكلورية احيانا. خلفية طبيعة غامضة ودهرية. وحين وقف ليقرأ بدا وكأنه يغالب إلقاءه ولغته اول مرة، لكنه في المرة الثانية كان وراء الميكروفون نبيا من نوع خاص، منشدا قديما ودهريا وراوية أمام الموقد وسيرياليا متأخرا وانسانيا متأخرا ايضا. هدر صوته ووجهه وتألق وهو ينظر الى الأمام والى الاعلى وكأنه يخاطب شعوبا جوالة هاربة على طرق الانهار الكبرى كما هو شعبه الشوفاشي الضارب في الهجرات. كان حضور آغي واحدا من مناسبات مهرجان الشعر العالمي في الدار البيضاء لهذا العام وبقي حضورا احتماليا، فالرجل الذي كان حتى وجهه مليئا بتاريخ شعبه ولغته اكتفى احيانا بأن ينظر ويبتسم مثيرا مع ذلك فينا شعورا لم نعد لنجد له مقابلا اليوم. المسرح في الشعر كان الياباني يوشيماسو نجم المهرجان بلا منازع، صعد بقامته النحيلة وربطة عنقه وعينيه العلقيتين كما لو كان يلعب دور أحمق في شريط كوميدي. خلع حذاءه وجلس بعد انحناء طويل على أرض المسرح متوجها بنظارتيه الى الممثلة التي وقفت وراء الميكروفون تقرأ من ترجمة لشعره قرأت شعرا كما نحسب الشعر، جيشان وداخل. قرأت بصوت يفح من أرض الحنجرة لهفة ولهاثا ويختنق او يكاد بوجدان ملتاع، ويكاد كل لحظة ينقطع كوتر جريح. لكن الياباني حين وقف على المنبر ليقرأ من شعره انتظر قليلا وبدأ يقرأ بوجهه وعينيه قبل ان نسمع صوته. كانت القصيدة تبدأ من قبل الكلام، ثم تكلم وسمعنا صوتا وصوتا فحسب لكنه يخلق بنبرة وبحركات مصاحبة اشخاصا وأشياء وصورا. كان يجري كقطار ويئز كطائرة ويسقط كشجرة، وكان مفردا واثنين وجماعة حين يريد، يصارع نفسه ويهزأ ويمازح ويلعب ويروي. كان مضحكا ومنذرا ومحزنا ساعة يريد، نتذكر تلك القصة التي تروى عن ذلك الذي عزف لحنا فبكى الجميع وعزف آخر فأضحكهم وعزف سواه فناموا جميعا فتركهم ومضى. لا بد ان غوزو يوشيماسو كان يملك طاقة كهذه. ولا بد أننا لم نكن بحاجة الى سماع ترجمة شعره. لقد ترجمه بأدائه وحركاته. كنا أمام مونودرامات حقيقية وقدرة مسرحية فوق التصور. حين حاول »الممثلون« أداء شعر يوشيماسو قل إحساسنا بها، بدت قراءاتهم رطانة حقيقية. كان شعر يوشيماسو الكوسموبوليتي النثري الساخر يتحول في أداءاتهم الى انين وخطابة وغناء. (سياج الاوديون صاها صاها الاتين جاء اسياج الاوديون صاها صاها) مفارقة المهرجان كانت غالبا هنا. الشعراء يمثلون والممثلون يغنون، فرادة الشعر أيا كانت نوع من مهمة، وقد قرأ الممثلون كما فهموا، انها وجه آخر لمشكلة مع الشعر والشعر الحديث خصوصا. الغناء والتراجيديا العاطفية والرقة النبيلة هي كل ما يفهمه هؤلاء من الشعر لذا كانت الاداءات بين غناء مبالغ الى حد الكاريكاتور ورقة مخنوقة ولهفة بائسة. الأرجح ان على الشعراء ان يبدأ أولا بقراءة أشعارهم وان يقرأها بإحساسهم لها، فهذا قد يكون درسا في فرادة الشعر، الغريب ان الشعر فيما تربح دراميته على غنائيته لا يزال في نظر قرائه بحت غناء. انه سوء تفاهم مقيم بالتأكيد بين القارئ والشاعر. ان تقرأ شيئا وتسمع شيئا آخر. لعل ميشال دوغى الفرنسي كان ايضا مفاجئا، كنا لا نعرف كيف سيكون شعره الثقافوي المصنوع في القراءة، لكن دوغى كان يخبئ لنا فكاهة وشعرا خفيفا وإلقاء حياً وفوق ذلك حضورا قويا ولطيفا في آن. (هناك غالبا ما أكون قليلا لمرة اخرى). غاوستا كروز البرتغالي قدم شعرا مختلفا عن واقعية بسبوا واشراقية روزا، قرأ شعرا من وميض خفيف ويوميات ضبابية وأفكار معذبة وصور مصمتة (رائحة المطر/ تضاعف الضوء العديم للغسق). يد الله رؤياي الايراني ذكرنا ولم يذكرنا بالشعر الايراني. كان نوعا من لعب بالتراث الايراني، من صوفية مضادة (الذين يجلدون الناس لا يجلدونهم من الأمام). كان شعر الهولندي مارسنبورغ مفاجئا على نحو ما، غنائيته وعاطفيته وريفيته ليست مما ينتظر من شعر هولندي (الطفل خلف الكلمات/ في ذكرى البحر). اما الاميركية ماريلين هاكر فبدا شعرها خفيفا ومرحا، احتجاج ولكن بعلنية أقل من شعراء »البيت« وفضائحية أقل ايضا (انا الآن امتهن الغزل عاشقه/ في منزل تعرض فيه السلع المثلومة) واخيرا كان هناك صوت الافريكانية (افريقيا الجنونية) فيلما سوكانستروم الذي لم نسمعه جيدا، ربما بسبب الترجمة، ربما بسبب الشعر نفسه (عندما أمشط الريح عن رأسي، فيما النوارس تجوب سواحلي). محنة بن جلون تسعة شعراء اجانب، وستة عرب. بينهم مصري ولبناني وتونسي وثلاثة مغاربة، محمد عفيفي مطر وعباس بيضون وعبد الوهاب مؤدب ومحمد الاشعري والمهدي أخريف وطاهر بن جلون وبغياب بن جلون بات العدد خمسة، قرأ المؤدب بفرنسية فصيحة وبعربية فصيحة (ترجمة بنيس لقبر ابن عربي). وقاد ندوة بعربية فصيحة وفرنسية فصيحة. غاب بن جلون بسبب محنته الحالية على تعبير محمد بنيس ومحنة بن جلون مزدوجة، هناك شكوى خادمته المغربية من أذى ومهانة لحقا بها في بين من كتب كتابين عن احوال المهاجرين في فرنسا والعنصرية التي تجابههم. وهناك ايضا رواية عن معتقلي سجن في تطوان اخفي واخفي من فيه ردحا طويلا من الزمن ،ولم يمر زمن طويل على اكتشافه وانكشاف اخباره وقصصه، والتهمة هذه المرة استغلال معاناة هؤلاء من قِبَل من لم يرفع صوتا للدفاع عن حقوقهم ولم يجازف بموقف، أي موقف، ضد الحكم المغربي. فقد كان صديقا للملك الى النهاية. لا نتحقق بسهولة من دعوى الخادمة ولا نجزم بسهولة بأن ليس من حق الروائي ان يختار أي موضوع لرواياته، مع ذلك فإن تبرئة بن جلون ليست ايضا سهلة، ففي الكفة الثانية آلام خادمة ومعاناة كثيرين دفنوا أحياء في سجن سري. ذلك ثقل اخلاقي لا تنفع كثيرا في ازالته مفاهيم عن استقلال الفن وحق الروائي. من هنا أحسب ان الحملة على بن جلون كانت شديدة الوطأة عليه وجعلته في محنة حقيقية ولم تستطع دفاعاته في الأغلب ان تزحزح التهمة. في أمسية الافتتاح تكلم محمد بنيس باسم بيت الشعر وشجب »الحملة الاعلامية« على الطاهر بن جلون، أحسب ان كثيرين في بيت الشعر كانوا يميلون الى تعاطف اخوي مع بن جلون لا يتدخل في مضمون الحملة والتهم والسجال الاعلامي. نحن ضد تدمير شاعر: أظن ان الجميع كانوا مع موقف كهذا، رغم ان تهما مماثلة لم ترحم فلاسفة وكتابا كبارا. قرية شعرية لم يحضر بن جلون إذاً. لكن 14 شاعرا غيره حضروا ومعهم عدد أكبر من شعراء لم يشاركوا وصحافيين ومنظمين ونقادا انشأوا في فندق السويس قرية شعرية استمرت طوال أيام المؤتمر الاربعة. أربعة أيام من الصباح الى ما بعد منتصف الليل، النقاش سوية والطعام سوية والسماع سوية والسهر سوية على حمل رضيع مشوي وأمام فرقة موسيقية مهمة تلعب موسيقات المغرب المتنوعة: الغناوة الافريقية، عيساوة الصوفية، الموشحات الاندلسية. ودائما في قاعات واستراحات وقصور تحت لوحات الزليج الجميل الذي يغطي الجدران وفي صالات مفتوحة على بعضها وعلى أرائك ووسائد وفي معمار على الطراز المغربي، قرميد أخضر متناثر وأقواس جميلة وفناءات مكشوفة وحدائق نخيل. قرية شعرية دامت أربعة أيام، بل كومونة شعرية في داخلها وعلى أطرافها انعقدت مودات ونقاشات وصلات لم يعقها اختلاف اللغة والمنبت. كان الحضور الجسدي والتواجد اليومي والكلام بأي لغة وبأي كلمات والطعام سوية محل »اخوة شعرية«، على نحو ما. قليلة هي المؤتمرات التي يحسن منظموها تحويلها الى حياة. والارجح ان أهل بيت الشعر عنوا بأن يصنعوا للشعر يوما طويلا وان يمزجوه بأطايب المغرب وزخارفه ودواخله الحميمة. كنا نسمع موسيقى صاخبة لكنه الصخب الذي لا يخاف من النشاز ويوشك في ذروته ان يتحول الى نشوة بالغة عباب السماء. موسيقى عنيفة مستثارة لا تلبث ان تجد طريقها الى وحدة مزلزلة غالبا، كان الشعر بالتأكيد تحت الاقواس والزليج وعلى مائدة الحملان المطيبة وأصابع الحلوى المغربية، وهذا الإغداق الذي تتم به المائدة وغير المائدة. استقلال القصيدة »استقلال الشعر معرفة المفرد« عنوان لا يبدو محددا الا لدى من فكر فيه، استقلال الشعر حيال ماذا، حيال النثر او الفكر او الواقع او العالم. ومعرفة المفرد. أية معرفة في الشعر وهل يتأتى لنا ان ننتظر معرفة من الشعر. ربما تراءى لواضعي السؤال ان الظرف يحدده، لكن الظرف ليس واحدا لدى الشعراء العرب وليس بالطبع واحدا لدى الشعراء الاجانب. حدد بنيس في النهاية السؤال بأنه مواجهة الخطاب الشعري بالخطاب السياسي والايديولوجي. لكن السؤال الذي قد يكون عربيا بامتياز ليس كذلك لدى الشعراء العرب جميعهم. من جهتي فكرت بأن استقلال الشعر يعني استقلاله بحدوده وان هذه هي ما بينه وبين النثر وبينه وبين الفكر وبينه وبين الواقع والعالم. وكلها مستحيلة التحديد، ليس بين الشعر والنثر حد قاطع ولا بينه وبين الفكر او بينه وبين العالم حد قاطع. قد تفكر عربيا بالمناسبة السياسة او الايديولوجية او الحدثية على انها تمنع الشعر من ان يكون غرضا بحد ذاته. لكن المؤكد ان تحديد الشعر باب المحظورات والتضييقات والحجر والتحريم. احسب ان دوغى ايضا احتار أمام استقلال الشعر ورأى ان سيادة الشعر هذه أمر لا عيار له ولا امكان لرسمه وتحديده، فيما استهول ان يكون الشعر معرفة او نطلب من الشعر معرفة سوى معرفة تشبيهية. معرفة قائمة على التمثيل والمقارنة. تكلم كأستاذ جامعي بحنكة وطلاوة ومقدرة. أما الشعراء الآخرون الأجانب فلم يبد ان السؤال هو حقا سؤالهم. شاعرة محتجة كالاميركية ماريلين هاكر لم تتوجس من السياسة ولا من الاحداث العامة ولم تخش على الشعر منها. في النهاية فان تنزيه الشعر عن السياسي والايديولوجي لا يبدو هما بالقدر الذي حمله السؤال، ولم يستفز نقاشا بالقدر الذي بدا انه يسعى له. وفي اي حال فان النقاش المبتسر أشار الى حقل نقاش مغلق مفتوح في آن معا. هو في الخطاب الشعري نفسه. هل تغيرت اسئلته ووجهاتها وفي أي اتجاه، الارجح ان سجال ما بعد الحداثة العربية ينبغي ان نبحث عن بواباته. لنقل ببساطة ان مهرجان الشعر العالمي في الدار البيضاء كان جديا وماتعا ومفيدا ولولا اختصرنا هذه في كلمة لقلنا انه مجد. اذ كانت المهرجانات فنا فان »بيت الشعر« في المغرب خلاق فيه. هذه سابقة في المهرجانات العربية ومن العدل ان ننتظر سوابق اخرى.