As Safir Logo
المصدر:

التزامن.. جمع بين العلم والروح

المؤلف: شعبان رانيا التاريخ: 2000-10-03 رقم العدد:8720

الكتاب: التزامن. العلم والأسطورة والألعبان المؤلفان: ألان كومبس مارك هولند ترجمة: ثائر ديب الناشر: دار مكتبة إيزيس دمشق أن نعزو نيّة للمصادفة هي فكرة إما ان تكون غاية في السخف ومجافاة العقل او أن تكون عمق العمق، تبعاً للطريقة التي نفهمها بها. آرثر شوبنهاور قد يحصل لك ان تستيقظ ذات صباح وأنت تفكر بشخص لم تره منذ سنين ويلحّ عليك هذا الضرب من التفكير، تكمل نهارك فلا تلبث ان تلتقي ذلك الشخص في مصعد في اليوم ذاته: فتستغرب لهذا »التوافق«. وقد يحصل لك ان تنطلق الى المكتبة لكي تبحث عن كتب في البيوت البلاستيكية، وفي الاجبان، فتجد في طريقك، مجلة تضم مقالات عن الموضوعين كليهما: تضرب صفحا عن الامر مُسكتا فضولك قائلا على مضض: ليست هذه الا نوعا من ألاعيب مصادفة مثيرة خالية من المعنى! لكن إسمع، لا شك انك صادفت توافقات متتالية صبغت يوما من أيامك لونا سعيدا نعتّه ب»يوم حظك« قلت فيه: لا بد من وجود »ملاك حارس« يُكرمنا بسحره المبهج الفاتن، ذلك »صانع البهجة« كما يسمّيه هندي أميركا. لكن ماذا لو اكرمك »مشعوذ الواقع« بسحره، فتسير أمورك بخلاف ما خططت، ليس هذا فقط: تحسّ ب»أيادٍ خفية« ل»ألعبان« يسرق قصدك ويحوله تسليته كأنه لا يقصد الا ان يتبين أنك لست سوى بشري غبي تفكر وتقول: »أنا الفاعل«، ما لا أستطيع إدراكه بعيني او تسجيله بأدواتي هو حتما غير موجود، وحتى لو كان موجودا فأنا لا أصدّق ذلك، قانوني المنطق، والمنطق يحكم ما دام المسبّب ينتج عن السبب، واتصالنا بالحاضر حاضر، والسابق سبق، اما الآتي فمنتظر. في ظل هذا الوضع ستجد نفسك في حيرة وانشداه مكيلاً اللعنات وتسعى الى ان تسهم في حل اللغز الذي حتما سيظل مبهما في النهاية فتناشد الفيزيائي والبيولوجي وعالم النفس، تلتقي من ثم فيلسوفا، يتفش لك بثلاث أصابع من يده وينصحك ان تفعل ذلك للحياة بدورك قائلا لك: »كن خفيفا!... واذا ما إجا معك تعا معو«. التزامن هذه التلازمات التي تلاحظها مترابطة لا سببية بين الوقائع الداخلية (الشخصية) والخارجية (الطبيعة) هي ما أطلق عليها كارل يونغ صفة التزامن (synchronicity). يدرس كتاب/ التزامن: العلم والأسطورة والألعبان/ أبحاث كارل يونغ وقولقغانغ باولي وهايزنبرغ وغيرهم، حول التزامن، ويناقش المؤلفان مبدأ التزامن كما تجلى في الأساطير القديمة والحديثة، وكما اكتشفه العلم: ابتداء علم الفيزياء على أثر أينشتاين ونظرية النسبية، وهايزنبرغ ونظرية الكم، هذه الفيزياء الجديدة التي »تدوّر زوايا الواقع الحادة، وتترك الصورة غامضة ومشوشة« بمعنى انها احتمالية بخلاف سلفها القديم، تقدم رؤية للعالم مفتوحة، لا تتحدد فيها نتائج الحوادث مسبقا وتماما بقوانين صلبة وثابتة، وهذا ما يجعلها منسجمة مع التزامن قياسا الى النموذج النيوتني (الميكانيكي) للكون. ثانيا مع البيولوجيا، في تصور نصف الكرة المخية الأيمن مشتملا على مركز لغوي خاص به، ومنفصل عن نصف الكرة المخية الأيسر، اي تكون التوافقات المحملة بالمعنى، سيرورات متخارجة، تشبه الحلم، ويتحكم بها هذا المركز الثاني من مراكز اللغة. ثالثا مع علم النفس ممثلا بيونغ الذي يشير الى ان التزامن متجذر في المستوى الاعمق من العقل او النفس، في الunus mundus (العالم الاوحد) وهذا المستوى هو حالة »شبه نفسية« تتواجد فيها كل الامكانيات الماضية والمستقبلية وعنها تصدر السيرورات الغرائبية التي سماها يونغ »الأنماط البدئية« وهي ثيمات او صور تتقاسمها البشرية الجمعاء محبوكة في نسيج الكون، بمقابل »اللاوعي الجمعي« الذي يشير الى الوجه الكوني لهذا المستوى من النفس ويمارس تأثيرا على التجربة والسلوك الواعيين. الذات: أصل كلّي يُحضر اللاوعي (مركز انطلاق التزامن حسب يونغ) آثاره الى الوعي ليظهر فلك الاخير فلك المضامين المعلولة والافكار والرغبات جزءا من النفس التامة ويتم التفاعل بين الاثنين كتعويض للاوعي ينتج عنه تنظيم للنفس وتوازن لها. وليس هذا فقط ما ينطوي عليه التعويض برأي يونغ بل هو (اللاوعي) يقود الشخص »عبر سلسلة من التعويضات المحددة، على طول مسار يتفردن به، اي يصبح »فردا« غير منقسم. بهذه الطريقة يرشد اللاوعي كل شخص الى التحقق بتعبير فريد عن الكلية، عن هويته الفريدة، التي هي تعبير عن الشعاع الإلهي فيه الذات«. لنقف قليلا، هذا المقدس في الانسان معبّر عنه ب»الذات« هو النموذج البدئي للمعنى حسب يونغ، معنى الاخلاق، الخير والجمال... هذه الذات مكونة النواة او الجوهر، جوهر الانسان، جوهر الحياة وجوهر الكون، تشكل هنا أفهوما يقوم ما وراء الصيرورة، مبدأ لازماني شبيه بذلك الخاص بالله. فتعود كل الاندفاعات والتقييمات اليه كأصل أونيفرسالي في الانسان. قلنا »مبدأ لازماني«: نلحظ هنا قصور اللغة التي يخطها قلمنا حتى الآن عن الاتيان بلفظ يعبّر عن مضمون أفاهيم التزامن، ربما جدُر بنا القول مبدأ زماني مثلا، هذه الأفاهيم تطال الماضي والمستقبل معا، الليل والنهار، الحياة والموت والعقل والمادة الى ما هناك من ثنائيات لا تجد منطقها في اللغة ولا مكانها في وعينا. ولا بد ان نسأل الآن: أين »أنا« وقد أخذت الذات مركز الحياة وظهر ان المعنى ليس من صنع الأنا ولا وظيفة من وظائف رغباتها؟ انها ملازمة للذات، قد تحرّف او تشوه المعنى، معنى التعويض اللاوعي. ولنتصور ان تتفق الاثنتان او ترضى الواحدة عن الاخرى، بمعنى ان يحدث تفعيل واع لقصد الذات في الحياة مع تعبير عنه من الأنا، عندها سيسمح الانسان (الأنا مع الذات) للعالم بالدخول اليه وسيرقص على معزوفة كونية، فيولد مع الآخر والطبيعة »النقطة أوميغا« (والتعبير لدوشاردان) وبكلمة، هذه النقطة هي »الحب« معها يصل الانسان الى نشوة مقدسة مروعة، عندها يمكنه ان »يضع حدا لحياته الفانية وهو مغمور بالسعادة«. ان نظام التزامن يطرح للكون غاية ويكلمنا عن الوجود بلغة لا نفاذ اليها. وبهذا هو لا يقترب من فكرة اللوغوس logos الذي يجعل الكون شبيها بعقل عقلاني، بل هو نظام ألعبان يفاجئنا بغير المتوقع كأنه قطع مفاجئ. لأي غاية؟ ان أفضل الجهود الهادفة الى فهم هذا الموضوع تقف عند حدود عقلنا. ليس أمامنا بل الأفضل، ان نتمايل مع المعزوفة بأيد مفتوحة مستسلمين للإيقاعات التي تسري عبر وجودنا: فعندما تشرب من كأسك ويبدأ بأول فعله بك، لا تعاند و»اناك« فليس هو إلا »أوّل« بل إلعب كأنك ترقص، لتميل إليك الحياة فيستكين رأسها الى صدرك ثم تعايش تلك الحالة من الاسترخاء والانضباط معا، بفعل شبقٍ ولهفة في آن واحد. الانسان مشيّئاً الأرجح ان علاقة الانسان مع هويته تدخل في مندرج هام على مستويين متقابلين: التزامن جاعلا مواجهات الانسان أحداثا ظاهرية لا بد منها لحق تحقيق قدر أمجد يخدم فيه الغاية الكونية. والمعلوماتية والكمبيوتر، متقاطعة والبيولوجيا: وقد برز أولا الاحتمال حول قدرة الذكاء الاصطناعي الذي تحوزه الاجهزة على مساواة ذكاء الانسان وقد أطلق مؤخرا عالم في هذا المجال صفة »الوعي« على حاسوب فائق اسمه »هال« لما ينطوي عليه من تعقيد مخيف. وثانيا مع اختتام القرن العشرين على إنجاز لافت هو التوصل الى حل شيفرة أول كروموزوم بشري كامل. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا مع تقدم العلمين وتحيزهما الشديد الى تأويلات اختزالية لكل ما لا يُبرهن ضمن المعادلات الرياضية: اذا كان ما يُنبأ به امكانية سيطرة مطلقة على عقل الانسان وجسده، أفلا يكون الانسان هنا أيضا مختزلا الى »أنا« بالسكوت عن »ذات« متوارية وراء »الأنا« ومسؤولة عن تمظهرها؟ ترجمة ناقصة هذه القراءة لفكرة يونغ وغيره عن التزامن تضعنا ازاء واقع مزر لمكتبة تستقبل كتابا من هنا وكتابا من هناك منقولا الى العربية: تذكّرنا مثلا بكتب يونغ القريب عددها من العشرين والتي لم تتعرف عليها الثقافة العربية حتى الآن، مما يجعل القراءة هنا مجتزأة وناقصة. ويصدق الأمر على كافة فروع العلوم الانسانية والفلسفة. فلا يرفعنا من هذه المأساة الفكرية الا جهود مضنية ومتكاتفة من أصحاب كل اختصاص على حدة. ونتساءل هنا الى أي مدى سيسد مشروع تأسيس المكتبة العربية الفلسفية الذي سيتبلور في بيروت عبر اللقاء الفلسفي المؤسس حديثاً هذا الفراغ، ذلك لتكون الترجمة كما عبّر »محرتق في الفلسفة«: »تمريناً على الحرية التي نفتقدها لافتقادنا الى ما نعبّر عنه«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة