As Safir Logo
المصدر:

حكايات القاهرة

كوابيس الجمهور في المصارعة الحرة

مناصرون لجماعة الإخوان المسلمين يتظاهرون في حي المطرية في القاهرة امس (أ ف ب)
المؤلف: عبد الفتاح وائل التاريخ: 2014-07-05 رقم العدد:12814

هي غالباً أصوات الحروب الداخلية التي غطت على الاحتفال بمرور عام على 30 يونيو و3 يوليو. فشلت حتى السلطات القابضة في إقامة استعراضاتها داخل المسارح المحروسة بـ30 فرقة مقاتلة. لم يتح لأحد تكريس اليوم لمصلحته، لا الذين نزلوا الى الشوارع، ولا مَن يعتبرون ان هذا هو النزول الأخير. الوحيد الذي تجول وصنع احتفاله المثير هو كائن يطلق عليه اليوم الاسم الكودي الموحد «الإرهابي». الإرهابي تجول في الشوارع وترك رسائله... ومع تصاعد «الكريشندو» نامت مصر كلها بعد اختراق كابوس بارد يدور حول أسئلة تخص وجودية الجموع: «إلى متى؟ وماذا بعد؟ هل هذا قدرنا؟». على الهامش، دارت حرب شتائم بين فصائل ما زالت متمترسة في مواقع قديمة. بدا التمترس احتفالياً في بحثه عن اليقين النقي، وكما في رقصة التحطيب كانت الشتائم من أجل إثبات الانتصاب الرمزي لأحد الطرفين. سباق بين مطمئنين الى موديل حياتهم، ومتنافسين على لقب الواعظ والحكيم. إليهم جميعاً لا بدّ من إرسال تحية على الثبات والعزة بالقوة التي تشبه برامج المصارعة الحرة... الفارق أن في حرب الشتائم من يتصور ان هناك «صدقاً نهائياً او خالصاً او نقياً» يتجسد في كأس «البطولة»... «بطولة» إثبات ان الآخرين فاسدون وخونة و«خدام» لأحد الآلهة الميتة المتصارعة على حق افتراس الجميع. هؤلاء يتشبثون بقوانينهم وحدهم وما تمليه من مزاج حياتي متصلّب... هم سعداء بالسجالات التي صدأ منطقها او بتدوير كلمات وخطب عرجاء يدفعها من الخلف انسداد شرايين طاغ... يتنفسون اوكسجين الاطمئنان او يبحثون عن بخاخاته في صيدليات الحكمة المبرقشة ببواقي المخمل في مخازنهم. هل خدعنا في 30 يونيو؟ سؤال مازوخي أطلق كأنه بزوغ العقيدة من ظلام الجاهلية... ولم يفكر مطلقُ السؤال ومستعذبُه: هل خدعنا في 25 يناير؟ وإذا كان الجنرال وصل الرئاسة في جولة يونيو، فإن مندوب المرشد وصل القصر في يناير، فما الداعي الى اسئلة النيات والخديعة والتغيير عملية وصيرورة وليس حدثاً ولا فيلماً ينتهي بانتصار الخير أو على الأقل موت الشر؟ السياسة ليست صراع خير وشر أو مزايدة على الصراط الذي يؤدي إلى «الاستقامة المطلقة»... إنها بحث وتفكير وتفكيك للكتل الضخمة الضاغطة المنفوخة بامتلاكها «الحقيقة». حتى والسلطة تترك العنان لذراعها الأمني في التوحش، فإنها لا تدرك أن تسمية توحشها «وطنية»، فإنها لا تدرك أن «الوحشية نظام» سيفوز فيه الأقوى في صنع الفريسة /لا قانون إلا الغريزة/ ولهذا فإن تسمية التفجيرات «ثورة» او «انتفاضة» لن تبعدها عن مباريات الوحشية التي تصطاد ضحاياها من القتلة والساديين وتبشرهم بالقتل تفجيراً او بالإخصاء عقوبة على اغتصاب البنات في السجون. الإرهاب الآن متجول، يترك رسالته في كل مكان... رسالة مرعبة: «نعيش بينكم وسنفسد حياتكم». الإرهابي مجذوب بفكرة «بناء مملكة الله على الأرض»، يصدقها بقوة تساوي قوة نبي او مقاتل قديم. تلك الفكرة التي يبيعها السفاحون والتجار ومصاصو الدماء لمن يبحثون عن دور كبير لحياتهم... يبيعونها منذ زمن طويل مرة بالحشيش (فرق الحشاشين) ومرات بـ«رضا المسيح» (الحروب الصليبية) ومرات بنصرة الإسلام الغريب (من الإخوان الى الجهاد مروراً بالتكفير والهجرة) وأخيراً بالمظلومية الكبرى الآن. الإرهاب لا يرتبط بالإسلام او المسيحية او حتى اليهودية لكنه دين كامل الأوصاف ينشره الحواة والمشعوذون والباحثون عن زعامة او سلطة ويصدقه المجاذيب. والسلطة في مصر لا تحارب الإرهاب لأنه يقوم على كذبة وجريمة، ولكن لأنه منافس على السلطة/ بديل محتمل لها/ ولهذا فإنها ترضى بالإرهاب في لحظات صمته بل وترعاه وتكفل له الحياة... لكنها تقتله عندما يطالب بالسلطة او يحارب من اجلها. الإرهابيون يعيشون في كنف السلطة (من خيرت الشاطر الى ياسر برهامي)، حتى يخرجوا عن «الصفقة»، فتبدأ الحرب والمظلومية ويولد إرهابيون جدد. ها هم الآن يتجولون حولنا ويتركون رسائلهم المتفجرة. لهذا لن تنجح عملية مواجهة «الإرهاب» الحالية كما نجحت المواجهة في التسعينيات، لأنه لا معلومات عن المتجولين كما انهم جيل جديد لم ترصده الأجهزة الكسولة. اضف الى ذلك أن هذه الأجهزة مخترقة من «مجاذيب الخلافة» الذين ينتظرون عودة الخليفة، وأمير المؤمنين. تلك الأشكال السياسية التي ارتبطت بفترتها وعودتها أو تصور إعادتها بعد فوات زمانه هي تصورات عقل يصلح لأفلام هزلية. الإرهابي المتجول الذي يعيش في ظل مجموعات صغيرة، عواطفها مشحونة بمستويات عدة من الغضب على الدولة والمجتمع/ بداية من الشعور بالذنب أننا نعيش هذا الزمن/ وحتى العنف الدموي الذي أصبح طابع مواجهات الشرطة مع الاخوان والإسلاميين باعتبار أن هؤلاء بالنسبة للارهابي الجديد هم رسل «الاسلام» المعذبين بسبب إسلامهم. هؤلاء المتجولون لا يخضعون الى بنية التنظيمات التي يدافعون عنها، بل إنهم نتاج القهر الطويل والشعور بالاضطهاد وأن هذا البلد ليس لهم... يعيشون في أماكن لا تستطيع أجهزة العنف الرسمية (شرطة او جيش) الوصول إليها. تلك الأماكن التي نمت وترعرعت بسبب فشل الأنظمة وليس لأنهم يولدون أشراراً ومجرمين، كما ترسم صورهم في أذهان أبناء الطبقات المستريحة التي تشعر بالخطر على أوهامها. تتوهّم تلك الطبقات أنها يمكن أن تستمتع بالبلد منفردة، وتنظر بالتعالي البغيض لبشر يعيشون بالقرب منهم... لكنهم ولدوا بعيداً عن رحمة الدولة او منافيها الاجتماعية... وهذه هي الأرضية التي ينتشر فيها دين الإرهاب. هذه هي المتاهة التي يخرج منها الإرهابي المتجوّل الذي يعيش بيننا ويخرج من بيته ليضع قنبلة يفجر بها عسكرياً يقف في كشك الوردية او يضعها تحت سيارة ضابط لتنهي حياته. الإرهابي المتجول ينتقم... ويشعر أنه سيذهب الى الجنة بانتقامه. وهو نوع جديد لا تلتقطه أجهزة المعلومات الغارقة في نفايات العهود الماضية وصناعة الفضائح وتسريب المكالمات لقتل المعارضة إعلامياً... المتجول غالباً نوع جديد في تنظيم الجماعة اجتذبته المظلومية الجديدة بعد رابعة العدوية وقرر الانتقام وكسر هيبة الدولة التي مارست جبروتها. الإرهابي المتجول خطر أكبر من قنابله البدائية... خطر لأنه بدائي يسير خلف أفكار بدائية تغذيها الأحداث والمرجعيات التي تغطي الظلم بعلامات التديّن والمظلوميات النقيضة... الإرهاب يحقق أهدافه الآن بأقل قدر من الضحايا... وبطرق بدائية/ محلية الصنع... وقصة الهروب مع مسلسل التفجيرات تطورٌ ينقل الإرهاب الى مستوى لم يعد يحتاج فيه الى «عملية» كبيرة، ولكن الى «نغزات» يومية تنشر الخوف وتكشف ضعف الأجهزة الأمنية. رسائل الإرهاب تصل سريعاً... يقول مع كل قنبلة: نستطيع الوصول الى اي مكان بما في ذلك رمز الحكم ومقر السلطة الكبيرة: قصر الرئاسة. ويقول أيضاً إن الأجهزة الأمنية التي تبحث عن هيبتها بالقمع لا يمكنها تحقيق الأمن وليست قادرة على حماية نفسها... ويقول مجدداً إن القمع بيئة الإرهاب الخصبة... وإنه كي «تفجّر» الشعور بالأمان لا تحتاج الى اموال ضخمة ولا تنظيمات عنقودية او هرمية... الإرهاب يستثمر في الفشل والقمع، والأجيال الجديدة من التنظيمات تشبه الشذرات في حجمها (اي مجموعات صغيرة) تنتشر انتشاراً سرطانياً بلا جسم كبير يمكن لأجهزة المعلومات متابعته بطرقها التقليدية العقيمة، ولا بعقلية النفخة الكذابة والبحث عن الهيبة... تلك الخرافة التافهة التي ستدمر «الاستقرار» و«الأمان». المجموعات الصغيرة لم تعد تحتاج الى «هيكل تنظيمي» على الارض كما في اجيال أقدم مثل الجماعة (بتلك البنية الهرمية الراسخة) أو «الجهاد» (بعنقوديته الجبارة) او «القاعدة « بتنظيمها القديم المعتمد على قيادة مركزية تتصل بقيادات محلية... القاعة انتقلت الى مرحلة «الفرانشيز»، اي مجموعة تضم أكثر من ثلاثة اشخاص يمكنهم ان يكونوا «قاعدة» ما داموا يلتزمون بقانون «الفرانشيز» الذي يجعل الماركات الدولية تسلم اسمها مقابل الالتزام بالمواصفات. ليس هناك تنظيم/ ولا فكرة/ هدف سوى استمرار هذه الصورة (علم + مقاتل + قنبلة + بيان فيه اسم الله وإعلان استمرار الجهاد في سبيله). بهذا المنطق حدثت انفجارات الخمس سنوات الأخيرة في مصر، وتطورت بعدها لتقدّم طبعة جديدة من التحام تنظيم القاعدة بالجهاد، وفق مفهوم «السلفية الجهادية» الذي لا يميّزه عن «السلفية العلمية» سوى «اختيار طريق القتال» أو ما يسمّيه الأكاديميون: الثوري/ الراديكالي. المدهش في التسمية عدم مطابقتها لمعناها الذي ولدت فيه، وإسقاطها على واقع آخر/ وظواهر مضادة... وهذه التسمية أحد عناصر الضعف في تحليلات صادرة من معمل الأفكار الغربية والتابعة لها في العالم العربي. «السلفية الجهادية» اسم جديد يجمع توكيلات «الفرانشيز» في ما يشبه السياق/ لا التنظيم/ حيث لا يوجد عقل مركزي ولا فكرة مركزية غير محاربة «أعداء الله»/ «الكفار»... أو تدمير دولة الظلم. هذه النقلة في بناء مجموعات الإرهاب خطيرة لأنها تجعل الإرهابي يعيش بيننا بالقرب منا... جزء من حياتنا... وهذه نزعة لا يمكن مواجهتها بهذه العقليات العتيقة أو التي قادت عملية «عاد لينتقم» في الشرطة... هذه العقليات لا تفهم أن القهر والقمع والإذلال اليومي حملات دعاية لتنظيمات إرهاب «الفرانشيز» كما أن إغلاق المجال السياسي سيدفع كل مَن بحث عن مكان له بعيداً عن احتكار السلطة والثروة الى العنف او حمل السلاح او تهديد الدولة التي تبني ترسانات خيبتها يومياً... انظروا وتأملوا صورة الوحوش الذين اصطادوا طالباً ثانوياً وتكالبوا عليه تكالب الضباع... ربما تفهمون لماذا يغزونا الإرهاب؟

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة