As Safir Logo
المصدر:

إقرار أولى ميزانيات عهد السيسي سياسات مبارك الاقتصادية تطل برأسها مجدداً!

المؤلف: بسيوني مصطفى التاريخ: 2014-07-02 رقم العدد:12811

القاهرة ـ مصطفى بسيوني «زيادة الاستثمار المحلي إلى 40 في المئة، والزيادة غير المسبوقة للاستثمار الأجنبي الذي وصل إلى 9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع معدلات النمو في السنوات السابقة، كل ذلك لم يمنع ارتفاع معدلات الفقر». هكذا أورد التقرير المصري للاستثمار في العام 2008، الصادر عن مجلس أمناء الهيئة العامة للاستثمار، تحت عنوان «نحو توزيع عادل لثمار النمو». يستند هذا التقرير على نظرية «التساقط رذاذاً»، والتي تذهب إلى أن تحسين بيئة الاستثمار، عبر خفض عجز الموازنة، وخفض الدين العام، وتحفيز المستثمرين، سيؤدي إلى جذب الاستثمارات، والتي ستعني، رفع معدلات النمو، وستؤدي بالضرورة إلى التوسع في التشغيل، وبالتالي انخفاض نسبة البطالة وانتعاش السوق وتراجع الفقر، أي أن ثمار النمو سوف تتساقط على المجتمع جراء تحسين بيئة الاستثمار وتحفيز المستثمرين. نجحت تلك السياسة بالفعل في جذب الاستثمارات كما ورد في التقرير، وخفضت عجز الموازنة. وحققت معدلات نمو مرتفعة. ومع ذلك ازداد الفقر. وفي العام الذي صدر فيه هذا التقرير، انفجرت فيه انتفاضة المحلة ضد ارتفاع الأسعار. ومع ذلك استمرت الدولة في تطبيق هذه السياسة حتى انفجرت «ثورة 25 يناير» العام 2011. اللافت أن هذه السياسة هي التي توجه الموازنة العامة للدولة التي اعتمدها رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي أمس الأول. «إنّ إعادة بناء الثقة في كفاءة الاقتصاد المصري وتدعيم سلامة السياسات الحاكمة له بحزمة إصلاحات هيكلية يمثلان أهم عنصرين من عناصر خروج الاقتصاد من أزمته الحالية وتحسين الأحوال المعيشية للمواطنين نتيجة زيادة معدلات التشغيل ووجود موارد مالية تسمح بالإنفاق على الخدمات والمرافق بصورة أفضل»... هكذا تحدث وزير المال المصري هاني قدري في مقدمة البيان المالي للموازنة العامة للدولة للعام المالي 2014 2015. وكان رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي قد رفض اعتماد مشروع الموازنة، وأعاده إلى مجلس الوزراء مطالبا بالمزيد من الإجراءات التقشفية على المسودة الأولى لخفض العجز، والذي وصل بعد التخفيضات في الإنفاق إلى 10 في المئة بدلا من 12 في المئة في المسودة الأولى. ولم ينس وزير المالية أن يعد المصريين بثلاث سنوات عجاف، قبل أن يشعروا بالتحسن في أحوالهم، مستعيدا بذلك السياسة الاقتصادية ذاتها التي راجت بشدة في مصر منذ عام 2004، حين ظهرت سيطرة جمال مبارك وفريقه على الاقتصاد المصري وقدرتهم على توجيهه على نهج مدرسة إجماع واشنطن. الخطاب الرسمي الذي اعتمده السيسي في مطلع عهده كان خطاب التقشف، فالمطلوب من المصريين اليوم الصبر، وتأجيل «المطالب الفئوية» والتي لن ينفذها الرئيس، كما أكد صراحة. وتُرجم خطاب التقشف، الذي اعتمده بداية الرئيس إبراهيم محلب في نيسان الماضي، وأكده بعده السيسي قبل أن يتولى رئاسة الجمهورية، في الموازنة العامة بخفض دعم الطاقة بواقع 44 مليار جنيه (الجنيه المصري يساوي 014. دولار)، وهو ما يعني موجة ارتفاع أسعار جديدة تضاف إلى التضخم الموجود بالفعل، والذي قدره وزير المال في بيانه بـ10 إلى 11 في المئة. وهو ما أكدته وكالة التصنيف الائتماني «فيتش» قبل أيام حين قررت تثبيت التصنيف الائتماني للديون السيادية المصرية قبل ايام، وتوقعت موجة تضخم كبيرة جراء خفض الدعم، وخاصة على الطاقة، وتراجع سعر العملة المصرية. لكن تراجع الدعم لم يقتصر على الطاقة، فدعم تنمية الصعيد - اكثر أقاليم مصر حرماناً - تراجع من 600 مليون جنيه في موازنة 2013 -2014 إلى 200 مليون فقط في الموازنة الجديدة. أما دعم التأمين الصحي والأدوية، فتراجع من 2675. مليار جنيه في الموازنة السابقة إلى 8114. مليون جنيه في الموازنة الجديدة. كما أن دعم السلع التموينية الذي خصص له في الموازنة الجديدة مبلغ 31557. مليار جنيه، كان مخصصاً له 3083. ملياراً في الموازنة السابقة، وهي ليست زيادة زهيدة فحسب، بل وهمية أيضا، لأنها ستعني انخفاض قيمة دعم السلع التموينية بفعل التضخم. وإلى جانب خفض الدعم بأنواعه والذي سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار، فإن مساهمة مستحقي الدعم في الموازنة العامة شهدت ارتفاعاً، إذ ارتفعت تقديرات الموازنة بشأن الضريبة على الدخل من التوظف (الأجور) من 214. مليار جنيه في موازنة العام المالي السابق، إلى 25797. مليار جنيه في الموازنة الجديدة. بينما انخفضت تقديرات الموازنة لحصيلة الضرائب على السلع والخدمات من 14518. مليار جنيه في الموازنة السابقة إلى 13716. مليارا في الموازنة الجديدة. وهو تقدير يستند إلى حالة الركود التي تشهدها الأسواق. مع تغيرات طفيفة تعبر الموازنة العامة في بداية عهد السيسي عن استعادة النهج الاقتصادي الذي انتهجه مبارك قبل الثورة بأعوام، وكان أحد أسباب انفجارها، بما أنتجه من تهميش وإفقار لقطاعات واسعة من المصريين. وبرغم بعض الإجراءات الإصلاحية، مثل فرض ضريبة على تعاملات البورصة، وضريبة على ما يزيد على المليون جنيه سنويا من الدخول، إلا أن جوهر السياسة الاقتصادية ظل كما هو. حتى أن الضريبتين اللتين أقرتا خضعتا لشروط وتعديلات بضغوط من ممثلي رجال الأعمال أدت إلى انخفاض الحصيلة المتوقعة منهما. وبحسب تقديرات وزارة المال، ستكون حصيلة الضريبة الأولى 35. مليارات جنيه. أما الثانية فستكون حصيلتها 3 مليارات فقط كما أنها ستكون ضريبة مؤقتة لمدة ثلاث سنوات فقط. من الوارد أن نجد أوجه شبه بين السياسات الاقتصادية لأنظمة مختلفة ومتتابعة، خاصة مع تشابه أوضاع الأزمة والبحث عن طرق للخروج منها في البلد نفسه. ولكن الأمر أكثر من مجرد تشابه. فهاني قدري، وزير المال الحالي، كان أحد معاوني يوسف بطرس غالي وزير مالية مبارك الهارب، وأحد أهم منفذي سياسة «التساقط رذاذا» قبل الثورة. حين ترتبط تلك العودة للسياسات الاقتصادية إلى عهد مبارك بعودة المسؤولين الذين نفذوها في عهده، وتعود تلك السياسات لتوجه الاقتصاد، وحين تعود السياسة الأمنية والقوانين المقيدة للحريات والملاحقة الأمنية والتعذيب في السجون وأقسام الشرطة، كل ذلك في ظل استعادة «الحزب الوطني»، الذي حلته الثورة، تحت مسميات مختلفة، ليعقد تحالفات انتخابية للسيطرة على البرلمان المقبل، فإن كل تلك المظاهر وغيرها تتكامل لتقدم صورة واضحة عن «الثورة المضادة» التي استعادت نظام مبارك شيئا فشيئا، وبموازنتها العامة الجديدة، الأولى في عهد السيسي، تستعيد سياسته الاقتصادية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة