اتجهت بعض الأعمال العربية عبر مضمون موضوعاتها وحضور شخصيات الآخر للإلمام بمعادلة المثاقفة بين محتوى احداث الواقع اليومي وبين فكرة التواصل مع الآخر، اما عن طريق استجلاب شخصيات من جنسيات اخرى كوجود شخصية الرجل الروسي في عملين دراميين، وذلك لتدعيم فرضية المثاقفة بين حيثيات واقعنا وما يجري في الطرف الآخر من العالم من احداث ومتغيرات سياسية واقتصادية تؤثر من حيث ندرك او لا ندرك على واقعنا، وفي توجه بعض الاعمال الدرامية نحو فكرة التواصل مع الآخر، كان للمادة الدرامية نصيب من النجاح حينا والكبوة حينا آخر في طريقة المعالجة الدرامية. ففي موسم العام الحالي شاهدنا على شاشة التلفزيون ثلاثة أعمال درامية تطرح بشكل او بآخر العلاقة مع الآخر وماهية التأثر والتأثير الاقتصادي والسياسي العالمي كما في العمل الدرامي المصري »سامحوني ماكنش قصدي«، اضافة الى العملين الدراميين المسلسل المصري »لما الثعلب فات«، والعمل الكوميدي السوري »سري للغاية« اللذين استجلبا شخصية الرجل الروسي لطرحها في بنية العمل الدرامي وموضعه وان اختلفت طريقة طرح حضور الشخصية الروسية ومبرراتها في كلا العملين. نظام العولمة عن موضوعة العلاقة مع الآخر والتواصل مع ما يجري ويتغير في خارطة العالم السياسية والاقتصادية وتأثير ما يدور ويعترك كوكبة النظام العالمي الجديد الذي نعيشه، ومدى تأثير كل ذلك على واقعنا أثار المسلسل المصري »سامحوني ما كنش قصدي« تأليف يسري الجندي إخراج اسماعيل عبد الحافظ، بطولة ممدوح عبد العليم وإلهام شاهين وغيرهم من النجوم والممثلين، أثار من خلال القيمة المطروحة فكرة ارتباط الانسان العربي بمشاكله اليومية وما يقاسيه من لعنة الفقر والاستلاب الاقتصادي بمقدرات وإنتاج كفاحه اليومي، حيث تبدو هذه الحالة من التمايز الطبقي. نتيجة لنظام السوق الاحتكاري الذي يؤسس بدوره وفرة اقتصادية لنفر قليل من الناس على حساب الكثرة الباقية. ويبدو ذلك التحليل من خلال فكرة صعود خريج كلية الاقتصاد ممدوح عبد العليم، واحتوائه من قبل الشركة الاستثمارية الكبرى وممثلتها إلهام شاهين، الامر الذي يجعله أمام الطبقة الجديدة ويضعه بين واقعين، واقع اجتماعي يومي يتجرد يوما بعد يوما من خصوصيته وينزلق أمام عموميات التحولات الثقافية الجديدة للمجتمع الجديد الذي يفرض نفسه بقوة على غالبية أفراد المجتمع ممثله مجتمع »الربع« الذي ينتمي اليه بطل العمل ممدوح عبد العليم، فبعد ما كان يحكم مجتمع »الربع« بتمثيله لغالبية الشعب من علاقات بسيطة وعفوية وثقافية انسانية وفنية بدأت تتأثر وتتساوق مع المتغيرات، فما كان يغنى لسيد درويش لدى فناني الربع أصبح يتهاوى تحت مطارق شكلانية الثقافة الفنية الحديثة المندمجة مع واقع النغم السريع والربح السريع مما أدى الى تهميش أفراد هذا المجتمع الصغير والذي هو تعبير عن الكثير من المجتمعات في العالم، من خلال تجريدهم من مكانهم »الربع« والذي يتميز بخصوصية زمانية تاريخية وثقافية وذلك بدفعهم للانتماء الى مكان جديد لا يعنيهم ولا يمثلهم بشيء عن طريق مجموعة ممارسات انتهكتها سيدة الشركة الاستثمارية إلهام شاهين من جراء شرائها القائمين على الآثار ورجال الامن لمساندتها بتجريد أهل الربع من مكانهم التاريخي، كتعبير عن سطوة الأقوى، تحت شعار الشفقة والعطف بالفقراء كتجسيد فعلي لما يجري اليوم من ممارسات تقوم بها الدول الكبيرة في تدخلها في مجتمعات العالم وتغيرها لنظم المعيشة بالطريقة التي تضمن استلاب الآخرين لها. لقد عرى العمل الدرامي »سامحوني ما كنش قصدي« ما يحدث في العالم من متغيرات عبر تفعيل الاحداث اليومية للواقع المصري بربطه بمقولات ونظريات العولمة عبر مناقشة وحوار دائم لمؤلف كتاب الاقتصاد »آليات السوق في النظام الجديد«. الآخر الروسي وفي توجه بعض الاعمال الدرامية نحو فكرة وماهية التواصل مع الآخر تم استجلاب شخصية الرجل الروسي في بنية العمل الدرامي في عملين دراميين هما »لما الثعلب فات« تأليف أسامة أنور عكاشة إخراج محمد النجار، والعمل السوري الكوميدي »سري للغاية« تأليف حكم الباب وإخراج نبيل المالح، بعرضها لشخصية الرجل الروسي بحالتين مختلفتين توحي بمحاولة البحث في مصير وتحولات ما يجري للآخر في العقد الاخير، وقد وقع اختيار »الآخر« في هذين العملين على الشخصية الروسية، بقصد او ربما بغير قصد لإيضاح فكرة ما حل بذاك الانسان في ذلك المجتمع بعد انهيار منظومته السابقة، فمن خلال عملية النصب التي قام بها كل من نديم بهنس »محمود مرسي« وباهر »يحي الفخراني« للإيقاع »بالضبع« المليونير الكبير الذي كدس ثروته على حساب الآخرين وبطرق غير شرعية، وذلك للانتقام من احتيال ونصب المليونير الكبير الضبع بتدبير من باهر خطيب الشابة المغدورة التي وقعت ضحية لسطوة ولا أخلاقية المليونير الكبير باهر وبالتعاون مع الفنان اللص نديم بهنس بتحضير عملية نصب مضادة قوامها قوة الجن وعالم السحر، حيث اندفع الضبع لمعرفة آلية الدخول في هذا العالم بأي ثمن، وقد تم التغرير »بالضبع« المليونير الكبير صاحب العقارات والشركات الاستثمارية بدفعه لشراء مادة الزئبق الاحمر شرط قبوله للدخول في عالم الجن. وحيث تتصاعد حبكة العمل لتصل الى مفتاح الإيقاع بالضبع، كان لا بد من التحضير لمادة الزئبق عن طريق العالم الروسي »تمشنكو« الذي جسده الممثل محمود مرسي بابتكاره ماكيير مطابق تماما لشخصية العالم الروسي الذي أشار العمل الى حقيقة وجوده في الكشف عن أرشيف مصور لشخصية العالم الذي زار مصر في عهد الرئيس عبد الناصر، وعن طريق انتحال هذه الشخصية ولتبرير وإقناع الآخرين بها عمد مؤلف ومخرج العمل على إبراز وكشف معالم هذه الشخصية وأهميتها على المستوى العالمي، فقد عُرف »تمشنكو« كونه عالما سابقا بالصناعة النووية والتي يدخل في صلب صناعتها الزئبق الاحمر الغالي الثمن، والذي يدخل في صلب الصناعة النووية. لقد عرض المسلسل الدرامي »لما الثعلب فات« عبر حبكته المشوقة وموضوعة العمل راهنية الآن بالارتباط الوثيق بالماضي عبر كشف لانتماء شخصيات العمل وكشف لأسلوب معيشهم وتكوينهم المالي السابق القائم على الاحتيال »كالضبع« والفنان الكبير »نديم بهنس« مزور اللوحات العالمية، الى فكرة التواصل مع الآخر عبر تمرير شخصية الرجل الروسي في بنية مجتمع عربي، اضافة الى التعبير عن قضايا حساسية تخص حال المجتمع ك»من أين لك هذا« وبهذا يكون هذا العمل تجربة درامية قاربت لإشكاليات تخص الآخر وقضايا المجتمع الا ان الغلبة في هذا العمل كانت لصالح الحبكة البوليسية والتدريم الكلاسيكي لحكاية الأب »نديم بهنس« الذي اكتشف ابنه »باهر« بعد اربعين عاما من المصادفات الدرامية التقليدية. واللافت للانتباه تكرار ظاهرة الرجل الروسي في اكثر من عمل درامي، فإضافة الى العمل المصري »لما الثعلب فات« صادفنا رجلا روسياً آخر في المسلسل السوري الكوميدي »سري للغاية« تأليف حكم الباب وإخراج نبيل المالح، إذ عمد مؤلف العمل بربط جشع الوالد للمال وتحمسه الشديد لاستثمار غرف منزله العربي بتأجير غرفة لغرباء، كان واحدا منهم التاجر الروسي حيث دفعته المصادفات للقدوم والسكن في هذا المنزل، اضافة الى الفتاة التونسية، وما كان من إدراج وزج التاجر الروسي في صلب العمل الا محاولة للتواصل مع الآخر بمقاربة وتلميح لأسباب هجرة هذا الرجل من بلده وعمله، كتاجر في دمشق، الا ان التلميح لأسباب وجود الرجل الروسي في بنية العمل الدرامي كان متنافرا أمام ثقل المادة الكوميدية والمبالغة في الأداء الدرامي اضافة الى الإطالة والتطويل في التعبير عن بخل الأب. وحيث لم ينج العمل في مراهنات التواصل مع الآخر عن طريق استجلاب الرجل الروسي والفتاة التونسية الى صلب العمل من أي اضافة درامية، الا اذا كان القصد من زج شخصية التاجر الروسي والشابة التونسية تهدف الى الإغناء والتنويع غير المحلي دون ان يكون لذلك التنويع ما يبرره في بنية العمل الا اذا كان احتمال تبرير دوافع حضور شخصية الروسي في العمل ملكا خاصا لذهنية مؤلف العمل ومخرجه السينمائي المعروف الذي تصالح مع التلفزيون في تجربته التلفزيونية الثانية »سري للغاية« لتكون مثل هذه المصالحة لمخرج السينما تجربة غير محمودة العواقب.