قضيت أسابيع من شهور هذا الصيف الذي يوشك على الانقضاء تاركاً نفسي لسياحة واسعة وحُرَّة وسط الوثائق الإسرائيلية. مكاناً: فقد ظللت على سواحل البحر الأبيض المتوسط مرة على شاطئه المصري الممتد والمفتوح إلى نهاية الأفق، ومرة أخرى على شاطئه الإيطالي في جزيرة »سردينيا« وخلجانها المتلاصقة والمتعانقة في منطقة »كوستا سميرالدا« (ساحل الزُمُرُّد). وزماناً بعد مكان، فقد قضيت كل الوقت أو معظمه على شواطئ البحر الأبيض المتوسط مُستَغرِقاً أو غارِقاً! مع مجموعات وَفيرة ومُثيرة من الوثائق الإسرائيلية! والوثائق الإسرائيلية مادة جديدة بالنسبة لي. فمن زمن طويل تعَرَّفتُ على الوثائق البريطانية، وتَعَوَّدتُ الاطلاع عليها قراءة ودرساً عند اللزوم. ونفس الشيء بالنسبة للوثائق الأميركية والوثائق الفرنسية. أما الوثائق الإسرائيلية فقد بَدَت لي بعيدة المنال، أو هكذا خَطَرَ لي تحت انطباع (ثبَتَ خطأه) بأن الهَوَس الأمني الذي تبديه إسرائيل (حقيقياً كان أو مُصطَنَعاً) يَضَع على الملفات الإسرائيلية قِفلاً ضاع مفتاحه! وكنت أعرف أن »موشي شاريت« مسؤول السياسة الخارجية في الوكالة اليهودية قبل إعلان قيام الدولة وأول وزير لخارجيتها بعد الإعلان اعتمد ضمن عملية »إنشاء وترتيب وزارة الخارجية لدولة إسرائيل« نظاماً للتعامل مع الوثائق في وزارته يُساير به »ما تجري عليه الدول المتحضرة«. كذلك كنت أعرف أن واحداً من أبرز مساعدي ومستشاري »شاريت« وهو »روفين شيلواح« سبق غيره في الاهتمام بمسألة الوثائق، وكانت مقترحاته التي وافق عليها »شاريت« أن تفتح إسرائيل ملفاتها بعد ثلاثين سنة »حتى تستطيع الذاكرة الإسرائيلية أن تستكمل الحقائق اللازمة لاتصال فكرها العام، وأن تملأ فجوات أو تعيد تصحيح تصورات قد تكون الظروف أثرت بها على سطح وشكل الحوادث، وحتى يكون في مقدور المهتمين في العالم أن يطلعوا على عناصر وموجبات صنع القرار الإسرائيلي« (ربما من هنا أن واحداً من أهم مراكز الدراسات السياسية والإستراتيجية في إسرائيل اليوم يحمل اسم »شيلواح« تكريماً للرجل وتقديراً لجهده). وأخيرا فقد كنت أعرف أن مقترحات التعامل مع الوثائق عُرِضَت على رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت »دافيد بن غوريون«، وقد قبل »بن غوريون« بهذه المقترحات للدولة كلها وليس فقط لوزارة الخارجية لكنه استثنى من »أجَل الثلاثين سنة« ملفات عدة جهات منها رئاسة الوزراء، والمخابرات العامة (هيئة »الموساد«)، والجيش بما في ذلك المخابرات العسكرية (هيئة »أمان«)، ولجنة التوجيه العلمي والتكنولوجي لإسرائيل، ولجنة الأمن والدفاع في الكنيست. وكان قرار »بن غوريون« بالنسبة لملفات هذه الجهات مَد الأجَل إلى خمسين سنة، مع إعطاء مكتب رئيس الوزراء (وجهازه) سلطة إطالته إلى خمسين سنة أو أكثر إذا تعلق الأمر بأسباب للأمن القومي »يكون لها تأثير باق ومستمر«. وبرغم ذلك كله مما كنت أعرفه فقد ظل لديّ ما تلحقه »الانطباعات الخاطئة« بأصحابها حين يركنوا إليها حتى تُقعِدهم عن المتابعة والمراجعة! والذي حدث بعد ذلك هو أن الملفات بالفعل فُتِحَت على الأقل جزئيا، بمعنى أن الاطلاع عليها قيّد بتصريح خاص، ثم إن الاطلاع اقتصر على قلة مختارة، ولعل ذلك كان نوعاً من التجربة لثغرات النظام قبل اعتماد تطبيقه. وكان الدكتور »مايكل بريشر« صانع المراجع القَيِّمة والموثوقة عن صنع القرار في إسرائيل (وهي حتى الآن أربعة أجزاء) أكثر من استفاد من رخصة الاطلاع المحدود لتجربة نظام التعامل مع الوثائق في إسرائيل. وكانت مؤلفات »بريشر« عوناً لا غِنى عنه لأي مشغول بعملية صنع القرار في إسرائيل، لكنها لا توازي رؤية الصور الأصلية للوثائق الإسرائيلية، والإمساك في اليد بها، والاطلاع عليها، ودراستها مباشرة ومن موقع نظر قد يختلف عن موقع نظر »بريشر«. وفي الثمانينات من القرن الأخير القرن العشرين بدأت بعض الملفات الإسرائيلية تُفتَح لكن البداية لم تكن مشجعة. فقد كان الاستهلال أكواماً من تقارير للوكالة اليهودية قبل قيام الدولة في موضوعات تتعلق بالهجرة، وشؤون الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، ومشاكل المؤسسات العاملة وسط هذه الجاليات خصوصاً في علاقاتها مع حكومات البلاد التي تعمل فيها. وكانت هذه البداية مُخَيِّبة للأمَل ومُؤَكِّدة لانطباع سبق، لكن حقائق الأشياء مع حركة تعامل دؤوبة دَفَعَت خطوة بعد خطوة إلى مسار آخر، خصوصاً مع اطمئنان الدولة اليهودية لقوتها مقابل ضعف خصومها، وهنا فإن القطرات الأولى المخَيِّبة للأمل تَحَوَّلَت إلى خيط ماء ينزل من صنبور، ثم إن هذا الخيط تَحَوَّل إلى مجرى ماء يمتلئ زيادة مع كل موسم، ثم إن هذا المجرى اتسع عند آخره ليصبح مُسَطَّح ماء قد لا يكون بحراً، ولعله أقرب إلى بحيرة، وبدا ذلك كافياً لإثارة الفضول، ثم الاهتمام. وذلك ما كان بالنسبة لي. هكذا على شواطئ البحر الأبيض جنوباً وشمالاً كان معي ملء حقيبة كاملة من الوثائق الإسرائيلية تحتوي أكثر من ألف وخمسمئة ورقة مُصَوَّرة من الوثائق الإسرائيلية، مُستَخرَجة من ملفات وزارة الخارجية الإسرائيلية المدرجة تحت عنوان »Foreign Ministry Record Groups" " أو من الملفات التي يرمز إليها بالحروف »I. S. A." وهي اختصار » "Israel State Archives" أي »أرشيف دولة إسرائيل«، ومن ضمنها محاضر لاجتماعات مجلس الوزراء في الفترة ما بين سنة 1951 إلى سنة 1966 وكانت هذه الوثائق مجموعات مُنتقاة قام على نقلها من العبرية إلى الإنكليزية مكتب للترجمة في إسرائيل يتعامل مع عدد من الجامعات ومعاهد ومراكز الأبحاث السياسية والاستراتيجية الكبرى في العالم، مشغولة بالشرق الأوسط وما يجري فيه! بالإضافة إلى الوثائق اتسعت حقيبتي لأربعة مراجع كل منها وثيقة قَيِّمة في حد ذاتها: الأولى مجموعة من 52 صفحة مُصَوَّرة من يوميات مؤسس الدولة »دافيد بن غوريون« ومحفوظة في مكتبته بجامعة »بئر السبع«، وقد تُرجِمَت هذه اليوميات إلى الإنكليزية، ولم تُتَرجَم بعد إلى اللغة العربية وتُنشَر كما حدث في الجزء الأول من يوميات »بن غوريون« الذي نشره مركز الدراسات الفلسطينية في بيروت، وكانت نهاية هذا الجزء عند سنة 1949 بعد إعلان دولة إسرائيل وقيامها، وحربها الأولى مع العرب، واتفاقياتها للهدنة مع بعضهم سنة 1949. والمرجع الثاني هو آخر كتب المؤرخ الإسرائيلي القدير والمدَقِّق »آفي شلايم« الأستاذ الآن بجامعة »أوكسفورد« والكتاب بعنوان »الحائط الحديدي«، وموضوعه مجرى الصراع العربي الإسرائيلي طوال نصف قرن (1948 1998)، وقد صَدَرَ هذا العام (2000). وثالثها كتاب »أفنير كوهين« الصادر عن جامعة »كولومبيا« بعنوان »إسرائيل والقنبلة«، والكتاب موضوع تحقيق سياسي وجنائي في إسرائيل الآن، يسأل كيف تَسَرَّبَت كل هذه الأسرار إلى »كوهين«؟ وكيف سَمَحَ لنفسه ب»خيانة« الأمن الإسرائيلي حين نَشَرَها (سنة 2000)؟ ورابعها هو ذلك التقرير المذهل في معلوماته والذي قدمه الجنرال »إيلي زائيرا« رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية أيام حرب سنة 1973، وكانت اللجنة الخاصة التي شُكِّلَت برئاسة كبير القضاة »أغرانات« للتحقيق في أسباب مفاجأة إسرائيل بنشوب القتال يوم 6 أكتوبر سنة 1973 قد اتهمت الجنرال »زائيرا« بالتقصير، ورَدَّ الجنرال على ذلك بتقرير مُضاد تأخر ثلاثين سنة قبل أن يقدمه لأنه ارتأى انتظار مدة سريان قانون الوثائق حتى يكون دفاعه عن نفسه مؤصَّلاً. وكنت قد سمعت عن هذا التقرير الذي قدمه الجنرال »زائيرا« إلى الكنيست، وكنت شديد الرغبة في الحصول عليه كاملاً أو أجزاء منه، خصوصاً ما يتصل فيه بالدور الذي قام به بعض الملوك العرب في علاقاتهم الخفية مع إسرائيل. وقد وَصَلَت الرغبة بي حتي رَجَوت الصديق الكريم الدكتور »عزمي بشارة« وهو أستاذ ومفكر قومي بارز، وفي نفس الوقت عضو في الكنيست الإسرائيلي أن يجد لي وسيلة إلى التقرير. وتَفَضَّلَ الدكتور »عزمي بشارة« وأرسَل لي صفحات منه طلبتها ومعها ترجمة عربية قام بها بنفسه عن الأصل العبري. ثم كان أن التقرير تُرجِم بشكل ما في بيروت وطُبِع على الآلة الكاتبة في نُسَخٍ محدودة، ولم يلتفت إليه أحد بالقدر الكافي على الأقل. ثم تمكن المؤرخ العسكري المصري القدير الدكتور »إبراهيم شكيب« من الحصول على صورة له، وحين عرف اهتمامي بالتقرير تَفَضَّلَ وأهداني »صورة من الصورة« التي كانت في حوزته، وهي في قرابة أربعمئة صفحة. وإذن فهي الآن في هذا الحديث وما بعده سياحة واسعة وحُرَّة وسط الوثائق الإسرائيلية شاغل صيف بأكمله على شواطئ البحر الأبيض جنوباً وشمالاً! علي أني قبل التَوَجُّه إلى الماء والخوض والسباحة فيه إذا توافر العمق أستأذن في لفت النظر إلى عدد من الملاحظات: الأولى أن هذا الحديث كله يعتمد بالكامل على الوثائق الإسرائيلية، وسوف أشير إلى بعضها تحديداً خلال السياق إذا كانت الوقائع فيها أساسية، ثم إنني اخترت لهذا الحديث أن يكون »وقفات« سريعة عند بعض المواقع الفارقة، وحتى تتلاحم الصور وتتكامل، وتكون منها في النهاية »بانوراما« عريضة أي مشهد عام وكامل للواقع كما بان وتَبَدَّى من المنظور الإسرائيلي، ومن الموضع الذي تَصَرَّف منه صانع القرار هناك. والثانية أنني ركزت في هذا الحديث على ما يخص مصر بالتحديد لأسباب لا يحتاج شرحها تفصيلاً. فقد كانت مصر وما زالت هي الطرف المركزي في الصراع العربي الإسرائيلي من بدايته وحتى الآن، وذلك بصرف النظر عن تباين التوجهات والسياسات والخيارات التي اعتمدتها مصر على امتداد أربعة عهود: مرحلة النظام الملكي، ثم المراحل الثلاثة لثورة 23 يوليو وبَعدها من »جمال عبد الناصر« إلى »أنور السادات« وأخيراً »حسني مبارك«! والثالثة أنه إذا خطر لي أن أتدخل في سياق هذا الحديث مُضيفاً أو مُعَلِّقاً فإن ذلك سوف يكون (كما أفعل عادة) مسبوقاً بسطرين من النقط وملحوقاً بسطرين من النقط حَداً وفاصلاً، ثم إن أي تَدَخُّل من جانبي سوف يكون دائماً داخل قوسين واضحين حتى يتمايز حديث الوثائق عما قد يلحق به من عندي إضافة أو تعليقاً! وهذه تقدمة طالت، لكني ظننتها ضرورية، فقد كان تقديري وما زال أن متابعة مجرى الحوادث من الضفة الأخرى لأي صراع تجربة غنية، ثم هي تجربة كاشفة إذا جرت المضاهاة والمقارنة بين مواقع النظر من هنا ومن هناك! وبعد ذلك فقد أضيف: أن هذا الحديث ليس كتابة في السياسة ولا في التاريخ، وإنما هو قراءة في السياسة وفي التاريخ. 1 »مصراييم« يبدو من مجمل الوثائق أن »دافيد بن غوريون« مؤسس الدولة في إسرائيل وأول رئيس للوزارة فيها بعد الإعلان عن قيامها كان مسكوناً طول الوقت ببلد اسمه »مصر« (»مصراييم« كما كان ينطق الاسم ويكتبه بالعبرية) وشعوره نحو هذا البلد لا يتغير ولا يتبدل وإن تأرجح بين القلق الشديد والكراهية العميقة، وهو يستذكر ويستعيد في إشاراته إليه ما وَرَدَ في التوراة المتداولة في إسرائيل من نعوت وأوصاف تمس مصر وشعبها، وهي نعوت وأوصاف متمادية في معظم الحالات إلى درجة الشتم المقذع والسَب! وفي تجربته هو بعيداً عن »المأثورات« التوراتية فإن إشاراته إلى مصر تَرِد من أول لحظة ضمن تعبيرات من نوع: »باشوية مصر« أو »دولة الباشوات المصريين« (ولعله أثر باق من فترة دراسته وإقامته في اسطنبول) لكن التَحَيُّز يَبين حين يذهب إلى تعبيرات من نوع: »الباشوات وخَدَمهم من الفلاحين«، أو»الأمراء الألبان والشركس وعبيدهم من المصريين«، و»شعب مصر هذا المزيج من الذل والادعاء«! ولم تكن مصر داخلة في حسابات »بن غوريون« أثناء تفكيره وتخطيطه لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين، فقد كان يراها مُلتَهِية بأمورها ومشغولة بعلاقاتها مع بريطانيا، كما كان يرى في أحزابها السياسية مجرد هياكل طبقية تحمي مصالح كبار مُلاك الأرض الزراعية، ويرى أكبر رجالها لعباً في يد مُتَمَوِّلين أجانب ينهبون البلد وسوف يواصلون نهبه! وحتى حين وضعت مصر توقيعها على ميثاق جامعة الدول العربية (سنة 1944)، فقد كان رأي »بن غوريون« أن الجامعة العربية من أولها إلى آخرها »لعبة إنكليزية« لكنه حين دعا الملِك »فاروق« إلى أول مؤتمر قمة عربي في »أنشاص« بدأ »بن غوريون« يراجع حساباته، فهذا المؤتمر العربي الأول على مستوى الملوك تَوافَقَ مع مجيء مفتي القدس الحاج »أمين الحسيني« لاجئاً إلى مصر ومُحتَمِياً بالملِك »فاروق«. ثم كان أيضاً أن تَوافَقَ ظهور مفتي القدس وضيوف »فاروق« من الملوك العرب في نفس الوقت وفي نفس القصر لكن »بن عوريون« أراح نفسه بأن سَجَّلَ باستخفاف أن ملِك مصر »يلهو بأوهام أكبر من قدرته«، وسوف يعرف يوماً وعما قريب »أن كل هؤلاء الملوك والرؤساء الذين جمعهم في قصره لا يُمَثِّلون أكثر من حِلف كراهية. يحقد أعضاؤه على بعضهم قبل حقدهم على أي طرَف خارجي«. لكن »بن غوريون« راح يعتبر »لهو« الملِك »فاروق« خطراً مُحتَمَلاً عندما تَبَيَّن له أن مصر سوف تشارك رغم ما نقله إليه أصدقاء له من الأجانب والعرب، ومن اليهود المصريين، عن معارضة قوية في مصر تُعارض اشتراكها في حرب محتملة في فلسطين إذا قامت فيها دولة يهودية. كان »بن غوريون« مُطلِعاً على رسائل كتبها الحاخام الأكبر للطائفة اليهودية في مصر »حاييم ناحوم« أفندي. ولم يكن الحاخام الأكبر في مصر يكتب ل»بن جوريون«، لكنه كان يكتب لصديقه الدكتور »ماغنس« رئيس الجامعة العبرية في القدس. لكن الحاخام كان يُقَدِّر (وتقديره صحيح) أن »بن غوريون« سوف يطلع بوسيلة ما على ما يكتبه. وكان »حاييم ناحوم« أفندي على صلة بالملِك »فاروق«، وبكل رجال القصر الملكي، وبعدد من الساسة المصريين من كل الأحزاب والاتجاهات، وكان مُقَرَّباً من أغلبهم خصوصاً وقد كان معارضاً للصهيونية ومشروعها، لكن الرجل في النهاية كان مُنحازاً لأهله، فإذا كانت هناك دولة يهودية على وشك أن تقوم في فلسطين، فليس أمام الحاخام مفر من تأييدها حتى ولو جاءت خطواته بطيئة مُتَثاقِلة، على عكس وكيله في مقر »الحاخامية« الذي كان داعية مُندَفِعاً إلى تأييد مشروع الدولة، ويَعتَبِر مناصرة الحركة الصهيونية مُرادِفة للصلوات في المعابد وموازية لها في ممارسة العقيدة. ومن المفارقات أن نائب الحاخام الأكبر في مصر كان اسمه »عوفاديا يوسف«. ........................ ........................ ]وهو الآن الراعي الروحي والسياسي لحزب »شاس« الذي يملك سبعة عشر مِقعَداً في الكنيست الحالي، وكان يشارك في ائتلاف حكومة »باراك« حتي خرج احتجاجا على مجرد طرح موضوع القدس للمناقشة في محادثات »كامب دافيد« الثانية في اجتماع »كلينتون« و»باراك« و»عرفات« خلال شهر يوليو الأخير سنة 2000، ثم كان هو القائل في مؤتمر صحافي منذ أسابيع أن العرب كلهم »جَراد« و»بهائم« و»وحوش« لا يصح لإسرائيل أن تقترب منهم أو تتصل بهم أو تجتمع بأيٍ منهم في مكان واحد ! [. ........................ ........................ 2 استراتيجية مع دخول مصر سنة 1948 في حرب فلسطين واشتراك جيشها في المعارك التي دارت على أرضها راح »بن غوريون« يفكر جدياً في سياسة يتعامل بها حسب قوله مع »جارنا الذي فَرَضَه التاريخ علينا منذ أقدم العصور عند الجنوب«! وهكذا كان »بن غوريون« (وحزبه) يصلون الماضي »التوراتي« البائد والذي أعيد بعثه بل واختراعه في الحاضر والمستقبل بعد أكثر من عشرين قرناً! أي إن »مصر« ما زالت هي بالضبط »مصراييم« التي خرج منها اليهود هرَباً من »الفرعون«، وكل ما حدث عبر ألفي سنة هو أن الفرعون الآن لم يعد »رمسيس الثاني« وإنما »فاروق الأول«! وكان ذلك خلطاً خطراً يمزج الأساطير بالتاريخ، لكن »بن غوريون« ما لبث أن حَوَّلَ هذا الخلط إلى استراتيجية كاملة! وربما أن أدق وثيقة في توصيف استراتيجية إسرائيل إزاء مصر هي الوقائع الواردة في محضر اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلي في جلسته يوم 29 مايو سنة 1949. في هذه الجلسة وقد خصصها »بن غوريون« لمناقشة »سياسية عامة« حول الأوضاع على ضوء ما ظهر من فشل كل المحاولات التي سعت لاستكمال اتفاقيات الهدنة المعقودة في »رودس« (يناير وفبراير 1948) وتَحويلها إلى اتفاقيات صلح ومعاهدات سلام كما كانت إسرائيل تأمل وكما كانت بعض القوى الدولية تريد! ومن أول دقيقة في الجلسة شرع »بن غوريون« في الكلام لا يُضَيِّع وقتاً. وطبقاً لمحضر الجلسة (التي جرت في مقر الحكومة المؤقت في تل أبيب في الساعة الثامنة والنصف واستمرت إلى الساعة الواحدة إلا عشر دقائق بعد الظهر) فقد بدأ »بن غوريون« كلامه قائلاً: »الآن يلزمنا أن نضع سياسة للمدى الطويل مع العرب. فكلنا يعرف الآن أنهم (العرب) مُصَمِّمون على عدائنا، ولذلك فإن السلام معهم بعيد. ولكني أريد أن أقول إن هذا ليس بالضرورة كارثة لنا، وبالعكس فقد يكون مفيداً ونافعاً.. لماذا؟ لأن جيش الدفاع (الجيش الإسرائيلي) وصل عندما توقفت المعارك إلى أبعد بكثير مما رسمه قرار الجمعية العامة لحدود الدولة اليهودية. فقوات جيش الدفاع احتلت كل ما كان مُخَصَّصاً للدولة الإسرائيلية وأكثر من 70 $ مما كان مُخَصَّصاً للدولة الفلسطينية في مشروع الأمم المتحدة. وهذا شيء عظيم. ولو أننا وصلنا إلى حل مع العرب الآن لكان علينا أن نسلمهم أراضي كثيرة هي الآن تحت سيطرتنا، وهُم لم يستطيعوا أن يحتفظوا بها بالسلاح، ونحن لا يصح أن نتركها لهم بحِبْرٍ على وَرَق. ليس هذا فقط، بل إننا إذا كنا توصلنا إلى حَلٍّ (مع العرب) لكان علينا أن نقبل عودة بعض اللاجئين لأن القرارات الخاصة بعودتهم ما زالت حَيَّة في ذاكرة الدول، وقد يفرضون علينا أن نقبل منهم أعداداً نحتار ماذا نفعل بها. بالعكس نحن يهمنا الآن أن يُهاجر عَدَدٌ أكبر من الفلسطينيين خارج البلد حتى يفسحوا المجال لوافدين يهود وصلوا إلى هنا أو هم في طريقهم إلى الوصول. هناك أيضاً مشكلة بالنسبة للقدس. في الوقت الحالي الأمم المتحدة مُتَمَسِّكة بقرار تدويلها، وهذا يَحرِم إسرائيل من مدينة لها وضع خاص في التاريخ اليهودي، وقد أصبحت الآن نقطة جذب لا تُقاوَم بالنسبة لليهود في الدياسبوراه (التيه). ولهذا كله فإننا جميعاً مطالبون وأظنكم توافقونني على أفضلية أن ننسى الآن موضوع السلام مع العرب على الأقل لعشر سنوات قادمة، خصوصاً أنه ليس هناك خطر حقيقي يُهَدِّد إسرائيل من جانب العرب، كما أنه ليس هناك ضغط دولي يرغم الدولة على أن تتصرف بعكس ما تراه لازماً لمصالحها! وفي المحصلة كما أرى فإن الموقف في المنطقة عموماً ملائم لإسرائيل، فلدينا أقوى جيش، ومعنا انتصار كبير حققه هذا الجيش، وقد قامت الدولة بالفعل، وحدودها كلها تحت السيطرة. وفي الحقيقة فإننا في موقف شديد القوة في الإطار الذي يعنينا تأمينه حول إسرائيل ولصالحها. الملِك »عبد الله« في الأردن نحن على اتفاق كامل معه، وكان يحلم بأن نتقاسم معه الأرض الواقعة تحت الانتداب البريطاني، ولم يكن لديه شيء يعطيه لنا، ولقد حصل على بعض الأرض (في الضفة الغربية) وذلك مقبول لأننا لا نريد كل هذه الملايين من الفلسطينيين داخل حدود الدولة اليهودية. و»عبد الله« يستطيع أن يبقى في شرق الأردن إلى آخر عمره، والهاشميون يمكن أن يكونوا أصدقاء لنا تُوَفِّر لهم العلاقة معنا توازناً ضد كراهية السعوديين والمصريين لهم. سوريا (الجار الآخر في الشمال) لا خَطَر منها. ليست لديها قوة تُذكَر، وقد انشغل جيشها في السياسة الداخلية للبلد ولن يخرج منها. لبنان لم يُمَثِّل على الإطلاق ولن يُمَثِّل إلى الأبد تهديداً لنا يمكن أن نخشى منه ثم إن لدينا أصدقاء في لبنان«. يواصل »بن غوريون« كلامه وفقاً للمحضر، فيَصِل إلى مصر ويقول: »مصر مسألة أعقد. في الوقت الحالي لا خطر منها لكنها في المستقبل خطر مُحتَمَل. الحقيقة أن مصر هي ما يجب أن نَتَحَسَّب له. لماذا؟ لأن مصر هي الدولة الحقيقية الوحيدة في العالم العربي حتى الآن، وهذا يجعلها تهديداً كامناً. إن المصريين لا يفهمون أننا لا نريد شيئاً عندهم. كل ما نريده منهم أن يبقوا وراء حدودهم وأن يفعلوا هناك ما يشاؤون لكن الفرعون المصري (الملِك »فاروق«) تداعبه أحلام من أيام جده »إبراهيم« باشا (ابن »محمد علي« والذي كان قائداً لجيوشه في الشام)، وهو لا يُدرك أنه ليس »إبراهيم« باشا، كما أن العصور العثمانية انقضت! ولست أفهم لماذا لا يكتفي »فاروق« بما لديه ويبعد عنا؟ مصر بلد كبير. ونحن ليس لنا مَطالِب فيها. وبيننا وبينها حاجز حقيقي من صحراء واسعة. وقد كانت هي الطرف الذي سعينا إلى اتفاق أكيد معه، ولو كنا فعلنا ذلك لكان هذا الاتفاق »غزوة عظيمة«. (من المدهش أن »بن غوريون« استعمل في كلامه عند هذا الوضع تعبيراً عسكرياً كانت ترجمته إلى الإنكليزية بالنص: "a tremendous conquest" وكان استعماله لهذا التعبير العسكري بما فيه كلمة »الغزو« لافِتاً للنظر). ويستكمل »بن غوريون« عرضه: »كنا مُهتَمين بعقد اتفاق صلح مع مصر، ولبعض الوقت تَصَوَّرنا أن ذلك ممكن، ولكن عِناد »فاروق« أظهر لنا أن علينا أن ننتظر. أي اتفاق صلح مع »عبد الله« (الملِك »عبد الله« ملِك شرق الأردن) لا يشغلني كثيراً. »عبد الله« أعجز من أن يعقد صُلحاً وأعجز من أن يشِنَّ حرباً، ولذلك فالعلاقات معه مضبوطة. مع مصر المسألة تختلف. نحن لا نريد بالتأكيد حرباً معها. ولا نريد حرباً في المنطقة كلها، لا عندنا ولا على حدودنا، وإذا كان لا بد من حرب في المنطقة فالأفضل أن تكون هذه الحرب عربية عربية وليس عربية إسرائيلية. هذا رأيي، وكذلك يَتَعَيَّن أن تكون سياسة دولة إسرائيل! بعض رفاقنا (يقصد وزير خارجيته »موشي شاريت« في الغالب) يَتَصَوَّرون أننا لا يجب أن ننفض أيدينا من السعي للصلح مع مصر لهم أن يحاولوا، وأما أنا فاعتقادي أن الاحتمال بعيد. مُؤجَّل على الأقل. لماذا؟ لأن الملِك »فاروق« مجروح في كبريائه ("amour propre" حسب التعبير الذي استعمله) نتيجة لهزيمة جيشه في فلسطين. وشابٌ في سِنِّه وملِك وأحمق سوف يضع كبرياءه قبل واجباته. هو يرغب في الاتفاق معنا، لكنه سوف يطلب من الدولة (إسرائيل) ثمناً لا تستطيع الدولة أن تعطيه له. لا نستطيع أن نعطيه دواءً لكبريائه المجروحة ليس هذا شأننا ! وإذن فإن السؤال الأهم الذي يواجه إسرائيل الآن وعلينا الإجابة عنه هو: »ماذا نفعل إزاء مصر؟ في الوقت الحالي لا خطر، ولكن مع وجود إمكانيات لدولة حقيقية هناك فإن علينا أن نَتَحَسَّب لأن إسرائيل دولة صغيرة ومحاطة بالأعداء من كل جانب، وإذا خرجت مصر من وراء حدودها وأقامت تحالفات في يوم من الأيام وقد رأينا نموذجاً من ذلك في حربهم الأخيرة معنا لمنع استقلال الدولة فإن ذلك سوف يكون خطراً كبيراً علينا أن نكون مُستَعِدّينَ ليومه قبل أن يجيء. نمنع مجيء هذا اليوم قدر ما نستطيع ونكون مُتَأهِّبين لهذا اليوم إذا جاء«. وكانت مقترحات »بن غوريون« في عرضه العام لاستراتيجية إسرائيل إذا جاء »ذلك اليوم« كما يلي: 1 يلزم أن تظل مصر وراء حدودها والإنكليز والأميركان وأوروبا لا بد من أن يعرفوا أن ذلك في صالحهم من الناحية الإستراتيجية ومن ناحية تأمين البترول. 2 يجب منع مصر من إقامة أي تحالفات مع بقية العالم العربي قفزاً فوق إسرائيل، خصوصاً مع سوريا بالذات، ثم مع السعودية والعراق. وهذه مسألة مُهِمَّة. 3 من الضروري توسيع العازل الصحراوي بين مصر وإسرائيل، وهذا العازل لا بد له أن يشمل سيناء المصرية، وأيضا منطقة النقب (الصحراوية جنوب فلسطين). 4 عندما تقبع مصر وراء حدودها وتترك إسرائيل وشأنها فإن إسرائيل يتحتم عليها أن تعطي نفسها كل المزايا المتوافرة استراتيجياً لمصر (التي دَفَعَت »نابليون« لوصف مصر بأنها »أهم بلد في الدنيا«) وهي: الموقع المتوسط بين القارات الثلاث (أوروبا وأفريقيا وآسيا). البرزخ الواصل من البحر الأبيض إلى البحر الأحمر بحيث يمكن أن تُحفر فيه قناة تضاهي قناة السويس، أو تَمتَد عليه خطوط سكك حديدية أو خطوط أنابيب لنقل البترول (وكان تحقيق ذلك الهدف هو الدافع الأول وراء مسارعة القوات الإسرائيلية حتي بعد عقد اتفاقية الهدنة إلى احتلال منطقة »أم الرشراش« وهي موضع ميناء »إيلات« اليوم). ويواصل »بن غوريون« عَدَّ شروطه فيضيف: 5 إن إسرائيل عليها أن تحاول العثور على صداقات خاصة، أو حتى علاقة مصلحة متبادلة بينها وبين عدد من العناصر المكَوِّنة لل»موزاييك« الإنساني في الشرق الأوسط. ويتساءل »بن غوريون«: هل نستطيع إقامة علاقات مع الأكراد في العراق وإيران وتركيا؟ هل نستطيع إقامة علاقات منظمة مع »الموارنة« في لبنان؟ لا أتحدث عن علاقات مع أفراد هنا وهناك، ولكن مع كُتَلٍ دائمة وحاضرة باستمرار؟ هل نستطيع مع الدروز خصوصاً وهناك قسم كبير منهم تحت سُلطة الدولة الآن؟ هل نستطيع مع العَلَوِيين في سوريا؟ فَكَّرتُ أيضاً في أقباط مصر لكنهم حالة ميؤوس منها لأن حرصهم على حياتهم المشتركة مع المسلمين في مصر طغى عندهم على أي اعتبار آخر (!). 6 ثم يطرح »بن غوريون« قضية الجاليات اليهودية في العالم العربي خصوصاً في مصر متسائلاً: »هل حان وقت تجنيدهم لصالح الدولة أو أن الوقت ما زال مبكراً للمحاولة؟ هُم هناك حيث هُم على أي حال رصيد احتياطي فيه عناصر مستعدة وراغبة بأن تستجيب لما تطلبه الدولة منهم«. 7 أن تحقق إسرائيل لنفسها قوة ردع تواجه بها »الكَم البشري الإنساني الضخم« في مصر إذا جاء »ذلك اليوم«. استفاض »بن غوريون« خلال الجلسة طويلاً في كلامه عن قوة الردع الإسرائيلي والشروط المطلوبة لها: جيش أقوى من كل الجيوش العربية مجتمعة »لأنهم قد يحاصروننا«، وقادر على نقل المعركة من أول يوم إلى أرض العدو »لأن رقعة أرضنا ضيقة«، ومُهَيَّأ لحسم أي معركة في عدة أيام »لأنه جيش شعبي، وهو مُطالَب فور انتهاء القتال بأن يعود إلى مستعمراته ومصانعه ومكاتبه«. يُدَعِّم هذا الجيش أن إسرائيل يجب أن تكون لها صداقة استراتيجية مع قوة عظمى »لا تسندها سياسياً فقط وإنما تفتح لها مخازنها للسلاح والذخيرة عند الحاجة وإلى الحد الضروري«. ويشير محضر جلسة مجلس الوزراء الإسرائيلي يوم 29 مايو 1949 الى أن »دافيد بن غوريون« خلص من ذلك إلى القول (وكأنه يلقي نبوءة !) بما نصه: »محظور على دولة إسرائيل أن تقامر بأمنها، ولهذا فإن استباق أي تهديد محتمل بضربة وقائية هو عمل له مبرراته السياسية والأخلاقية حتى وإن ثبت في ما بعد عدم صحته«!! وفي ذلك الاجتماع، وقبل ذلك في يومياته سواء في الجزء الأول الذي تُرجِمَ ونُشِر باللغة العربية، أو في الجزءين الثاني والثالث وكلاهما ما زال بعد (على حد علمي) محبوساً في أصله العبري وإن تُرجِمَت قرابة ألف صفحة منه إلى الإنكليزية والفرنسية ولم تُنشَر بعد كان »بن غوريون« بادي القلق من احتمال أن »يَظهَر بين العرب رَجُلٌ له قدرات قيادية ولديه الجاذبية الإنسانية (charisma) التي تجعله قادراً على تحريك الحجم العربي ليصبح قوة فعلٍ قادرٍ على نحوِ ما صَنَعَ »مصطفى أتاتورك« في تركيا!« كذلك قال وكتب، وأعاد وكرر! وكان ذلك هاجسه الهائم في خواطره طوال السنوات من 1948 إلى 1952. 3 حكاية ومن اللافت للنظر أن قراءة الوثائق الإسرائيلية في المرحلة الأولى لقيام الدولة تُظهِر بكل وضوح أن »القدس« لم تكن على قائمة الأولويات الكبيرة على جدول أعمال مؤسس الدولة »دافيد بن غوريون«. كانت منطقة النقب على رأس الجدول، وأما مدينة القدس فقرب الذيل، والسبب أن »بن غوريون« كان يخاف من القدس على »روح الدولة« كما تُسَجِّل المحاضر مِراراً، وكان رأيه أن روح الدولة الحديثة »علمانية بالضرورة«، وكانت خشيته أن القدس سوف تقلب حركة الموازين لصالح التَدَيُّن والدين، وقد تؤثر على فكرة العِلم والتحديث وبناء قواعد القوة المادية لدولة إسرائيل. كان ذلك رأيه مبكراً ومن قبل قيام الدولة، وفي ذلك الحين لم يكن يمانع في تقسيم المدينة بين العرب واليهود، ولا في وضعها كلها تحت سُلطة الأمم المتحدة، كما وَرَدَ في القرار الصادر عن الجمعية العامة في نوفمبر سنة 1947، لكن »بن غوريون« راح يُغَيِّر رأيه ويزيد حرصه على القدس مدفوعاً بضغوط اليهود في الولايات المتحدة الأميركية. لقد كان هؤلاء اليهود الأميركيون بالنسبة له سَنَدَ المرحلة، بمعنى أن مشروع الدولة اعتمد على يهود أوروبا ليَنمو جَنيناً ويُوْلَد والآن وتحت موازين قوة جديدة فعليه أن يَعتَمِد على يهود أميركا ليعيش ويكبر. ويهود أميركا لا تحركهم إلى نصرة إسرائيل أن يذكرهم أحد بأبناء دينهم الذين هربوا من أوروبا إلى إسرائيل في القرن التاسع عشر، ولا تثير خيالهم حياة المستعمرات ضمن حركة ال»كيبوتز«، ولا يهمهم أن المهاجرين اليهود إلى فلسطين مكشوفون أمام أغلبية عربية في ذلك البلد تقاوم وجودهم. تلك كلها صُوَر عرفها اليهود حتى في تجربتهم الأميركية، وحين كان العالم الجديد (أميركا) في خيالهم (وليس فلسطين) هو »أرض الميعاد«. وفي مجتمع مُتَدَيِّن (ومُدَّعٍ بالمثالية التبشيرية) مثل المجتمع الأميركي في القرن التاسع عشر، ثم بعد ذلك في عصر الظهور والخروج إلى العالم في القرن العشرين فإن يهود أميركا استدعاهم إلى نصرة إسرائيل عامل رئيسي واحد هو الدين، وهنا يمكن أن تكون القدس استرجاعا للماضي »اليهودي« (رغم أنها لم تكن في أي وقت على طول التاريخ عاصمة لأيٍّ من القبائل اليهودية وممالكها القصيرة العُمر في فلسطين (كنعان القديمة). كانت في القدس بقايا للهيكل، أو هكذا قيل. لكن حول هذه البقايا كان لا بد من نحت صَنَم أسطوري مُستَجَد يَدعو ويُنادي يهود أميركا ويستولي على مشاعرهم.) وعندما قامت الثورة المصرية سنة 1952 فإن »دافيد بن غوريون« بحث في كل سجلات الدولة الإسرائيلية عن معلومات يستنير بها في التَنَبُّؤ بما عسي أن تكون عليه تصرفات الرجل الذي ظهر في مقدمة الصفوف وهو اللواء »محمد نجيب«. ولم يعثر »بن غوريون« على ما يفيده، لكن المعلومات الواردة من القاهرة كانت تشير إلى رغبة في التركيز على الإصلاح الداخلي. ولوَهْلة تَصَوَّرَ »بن غوريون« أن لديه فرصة للتعامل مع »محمد نجيب«. وبتفكيره وبتشجيع من وزير خارجيته »موشي شاريت« بدأت محاولة تبدو ساذجة أو سطحية في الوثائق الإسرائيلية إذا قورِنَت بحقائق الأمور زمانها في القاهرة، والذي حَدَثَ كما تروي الوثائق الإسرائيلية هو أن أحد مستشاري سفارة إسرائيل في باريس سَلَّمَ للوزير المفوض المصري »علي شوقي« (وهو أحد أبناء الشاعر الكبير »أحمد شوقي«) خطاباً من »بن غوريون« إلى اللواء »محمد نجيب« وعندما وَصَلَ هذا الخطاب إلى القاهرة وكانت وزارة »علي ماهر« (باشا) هي القائمة بأمور الحكم فيها خلال الشهور الثلاثة الأولى كان قرار »علي ماهر« (باشا) بعد التشاور مع اللواء »محمد نجيب« وعدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة (بينهم »جمال عبد الناصر«) هو أن هذه المحاولة الإسرائيلية لا ينبغي الرد عليها، ذلك أن الرد بأي جواب يعني الدخول في حوارٍ مع إسرائيل لا يريده النظام الجديد ولا يستطيع تَحَمُّل عواقبه، ثم إن الرفض الصريح قد يثير على الجانب الآخر ما لا لزوم لإثارته، خصوصاً في هذا الوقت المبكر من عمر النظام الجديد، وهو في كل الأحوال مشغول بفتح باب المفاوضات مع الإنكليز من أجل الجلاء، وليس في صالحه أن تتقاطع الخطوط وتتداخل بأي شكل في حوارٍ مهما تكن طبيعته مع إسرائيل. لكن وجه الغرابة أن الوثائق الإسرائيلية تواصل الإشارة إلى اتصالات ورسائل يجري تبادلها بين القاهرة وتل أبيب مروراً بباريس. ........................ ........................ ]ربما أضفت أنني أعرف عن تحقيقٍ جرى في شأن هذا اللغز عندما بدأت بعض حكاياته تَتَسَرَّب وتصل إلى أسماع الحكومة الأميركية في الظروف التي كَثَّفَ فيها الرئيس »أيزنهاور« مساعيه النشيطة لتحقيق »سلام في الأرض المقَدَّسة« (وهو نفس ما يحاوله »كلينتون« الآن سنة 2000!) ثم حدث في تلك الفترة (أواخر سنة 1954) أن »روبرت ماكلوي« المبعوث الشخصي للرئيس »أيزنهاور« سأل في القاهرة عن »نقطة معينة« قال إنها وَرَدَت في سياق رسائل متبادلة بين القاهرة وتل أبيب عن طريق باريس. وبدا ذلك في القاهرة مبعث دهشة وحيرة، ثم تقرر إجراء بحث تَطَوَّرَ إلى تحقيق تبين منه أن بعض »الشُطّار« من المصريين في باريس قاموا بعملية لحسابهم الشخصي[. ........................ ........................ ]ووفق تقرير مكتوب ومحفوظ في ملفات رئاسة الجمهورية في مصر (وفي هيئة المخابرات العامة أيضاً) فقد ظهر أن هؤلاء »الشُطّار« تطوعوا لعمل سياسي لا يدخل في اختصاصهم، ثم أقنعوا بعض الجهات في مصر وقتها بأنهم تمكنوا من تجنيد دبلوماسي مُهِم بالسفارة الإسرائيلية في باريس، وأنهم يحصلون منه على معلومات سِرِّية في مقابل مبالغ يدفعونها له وعلى الناحية المقابلة فإن ذلك الدبلوماسي الإسرائيلي جرى إيهامه بأنه فتح خط اتصال مع القاهرة. ودار كلام، وطارت مَبالغ حَوَّلتها المخابرات المصرية وقتها إلى باريس لصالح »عملية مُهِمَّة«، ثم تَبَيَّن في النهاية أنها أحلام صغيرة على ناحية، وأوهام كبيرة على الناحية الأخرى![ ........................ ........................ ]ووجد »جمال عبد الناصر« نفسه مضطراً إلى إبلاغ »ماكاوي« بأن ما وصل إلىهم عن اتصالات تجري في باريس »هَجص« (حسب تعبيره) لا أساس له ثم يعترف بأن »بعضهم لسوء الحظ وجدها وسيلة لزيادة دخله والاستمتاع بمباهج الحياة أكثر في باريس، وأن إجراءات مناسبة قد تم اتخاذها«. ثم أوضح »جمال عبد الناصر« ل»ماكلوي« »أنهم« (يقصد الأميركان) كان يجب أن يَستَدِلّوا بالمنطق العادي على أن نظاماً قام على حركة بدأت من القوات المسلحة، وبدأت كرَدِّ فِعلٍ لتجربة حرب فلسطين التي شارك فيها عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة كان مُستَحيلاً عليها استحالة كاملة أن تقترب في بداية أيامها من أي مغامرة مع إسرائيل وراء سيناء، خصوصاً أن أمامها أزمة مع الإنكليز الذين يحتلون ضِفاف قناة السويس. ولا أجد داعياً أن أقول الآن في ذلك الموضوع أكثر، لكن التحقيق ونتائجه كما أسلفت موجودة ومحفوظة في الرئاسة وفي المخابرات، وبعض التفاصيل ليست مُريحَة![ ........................ ........................ ]ثم كان أن محاولات »روبرت ماكلوي« وبعدها محاولات »روبرت أندرسون« وهو مبعوث آخر ل»أيزنهاور« إلى مصر (سنة 1955) اصطدمت بمشكلة أساسية كبرى هي »النقب«، فقد أصَرَّت مصر في عهد الثورة كما كان في العهد الملَكي من قبل على أن من المستحيل عليها قبول أي حل للصراع في الشرق الأوسط لا يتضمن أن تكون منطقة »النقب« عربية (وضمن قرار التقسيم كما أعَدَّه الكونت »برنادوت« وسيط الأمم المتحدة في هدنة فلسطين سنة 1948). وداعي الإصرار المصري أن »النقب« عربياً يكفل استمرار الاتصال البري بين مصر وبقية العالم العربي في المشرق، وذلك هو المصدر التاريخي الأكبر في حياتها بالدين (المسيحية والإسلام) ثم باللغة (العربية). وهنا طرأ على قائمة أولويات »بن غوريون« بند آخر سبق اهتمامه ب»النقب« بنفس مقدار ما أن »النقب« سبق »القدس«! ذلك أنه هنا أصبحت الأولوية الأولى ل»دافيد بن غوريون« هي: »القنبلة« ! [ 4 القنبلة تمتلئ الوثائق الإسرائيلية بتقاريرها وشهاداتها ومعلوماتها بإشارات دائمة ومتكررة وملحة إلى ضرورة أن تكون لإسرائيل قنبلة نووية تكون »الحامي النهائي لها وسط جموع العرب المحيطين بها في كل ناحية، والذين أضمروا لها العداء حتى من قبل قيامها، ثم رفضوا التعامل الطبيعي (التطبيع) معها بعد قيامها، وحتى بعد انتصارها عليهم عسكرياً في سنة 1948. وتبدأ أولى الإشارات في الوثائق الإسرائيلية إلى القنبلة النووية حتي قبل قيام الدولة، وتَرِد الإشارة بغير تسمية في محضر اجتماع للجنة التنفيذية للوكالة اليهودية حضره »بن غوريون« سنة 1947 وقال فيه إنه »عندما تقوم الدولة اليهودية في وسط هذا البحر من الحِقد العربي عليها فإن ضمانها الوحيد هو الحصول على سلاح علمي مُتَطَوِّر من مستوى ذلك السلاح الذي حَسَمَت به الولايات المتحدة حربها مع اليابان (القنبلة الذرية)«. ثم يستطرد »بن غوريون« ليقول: »الدولة اليهودية عندما تقوم لا ينبغي لها أن تكرر تجربة يهود أوروبا الذين لم ينتبهوا إلا بعد فوات الأوان إلى أن »هتلر« يريد »إبادتهم في غرف الغاز«! وإذا لم نقف للعرب من قبل الدقيقة الأولى فإن »المحرقة« (الهولوكوست) التي جرت في أوروبا سوف تتكرر هنا في الوطن اليهودي، وذلك لا ينبغي أن نسمح به مهما كانت المخاطر ومهما بلغ الثمن«! ........................ ........................ ]وبعد اقتراب »جمال عبد الناصر« من قمة السلطة في مصر سنة 1954 راح »بن غوريون« يتحدث بصراحة أكثر عن »القنبلة«.[ ........................ ........................ وفي اجتماع للجنة السياسة الخارجية للحزب الذي كان يرأسه وهو حزب »المابام«، وبتاريخ مايو سنة 1954 فتح »بن غوريون« عقله وقلبه لأعضاء اللجنة قائلاً طبق وقائع المحضر: »إن العرب كما نرى من حولنا يظنون أنهم وجدوا زعيماً يُوَحِّد شملهم ويقود صفوفهم إلى حربِ إبادة ضد إسرائيل. إن العرب لم ينسوا قط إهانة هزيمة جيوشهم بواسطة جيشنا وهُم الأكبر منا عدداً في السكان، وفي مساحة الأرض، وفي حجم الموارد، وسوف يعودون مرة ومرة لقتالنا، وهُم يَقدِرون على تَحَمُّلِ هزائم يستوعبونها بحجم السكان والأرض والموارد، وأما إسرائيل فإنها لا تستطيع بمعنى أن إسرائيل إذا خَسَرَت الحرب مرة خَسَرَت الحياة إلى الأبد! ذلك ما ينبغي أن تعرفوه جيداً، وأصارحكم بأن الأرَق يتملكني كل يوم ويحرمني من النوم كل ليلة عندما أفكر في المصير المظلم الذي يمكن أن يُرَتِّبه »ناصر« ومُشايِعوه في العالم العربي لنا، ولا يمكن أن أستريح إلا إذا كان لدى إسرائيل سلاح للردع النهائي يكون هو الحماية الأخيرة للشعب اليهودي. إننا فقراء في موارد الجغرافيا إزاء العالم العربي، ولكننا أغنى منهم بموارد العقل والعِلم، وأنا أنتظر من رجال مثل »آينشتاين« (صاحب نظرية »النسبية«) و»أوبنهَيْمر« (مدير المشروع النووي الأميركي) و»تيللر« (مهندس القنبلة الهيدروجينية) والثلاثة يهود أن يقوموا من أجل إسرائيل بما قاموا به من أجل الولايات المتحدة «! وكان »بن غوريون« قد بدأ يتحرك فعلاً نحو خيار نووي إسرائيلي راح يتحدث عنه باستمرار باعتباره »الضمان النهائي« إذا »بدا أن كل شيء يمكن أن يضيع«! وكانت أول خطوة ل»بن غوريون« هي تعيين العالِم الألماني اليهودي الشهير »إرنست بيرغمان« مستشاراً خاصاً له للشؤون العلمية! وكان قراره أن يكون المشروع النووي الإسرائيلي تحت الإشراف المباشر لرئاسة الوزراء وليس لرئاسة الأركان كما اقترح بعضهم وكان رَدُّ »بن غوريون« على اقتراحهم بقوله: »رؤساء الأركان يجيئون ويذهبون مرة كل سنتين أو أربع سنوات، ونحن الآن أمام مشروع يتعلق به عُمر إسرائيل إلى آخر الزمن«! 5 فرنسا مبكراً وفق ما تقول به الوثائق الإسرائيلية طرح »دافيد بن غوريون« سؤاله الكبير وهو »كيف يمكن لإسرائيل أن تقيم مشروعها النووي ومن ثم تقوم ببناء قنبلتها النووية (أو »خيار اللحظة الأخيرة« كما كان يسميه). وقد أحس »بن غوريون« وفق ما تُظهِره الوثائق أن هذا السؤال لا يمكن تأجيله، خصوصاً أن خلافاً نَشَبَ في التقديرات والرؤى بين مستشاره العلمي (الدكتور »إرنست بيرغمان«) وهو الأستاذ الأشهر في علوم الطبيعة، وبين مساعده السياسي الذي اختاره للتشهيل والمساعدة (»شيمون بيريز«). كان موضوع الخلاف أن الدكتور »بيرغمان« يريد أن يبدأ المشروع النووي الإسرائيلي من البداية حتي ينهض مُؤسَّساً على أرض صلبة قابلة لتَحَمُّل ثقله، وقادرة على دفع إمكانيات تطوره. وعلى الناحية الأخرى فإن »شيمون بيريز« يقول برأي مخالف مؤداه أن البدء من البداية مضيعة للوقت لا تستطيع إسرائيل تَحَمُّلها، وحسب قوله: »لماذا نعيد اختراع ما سَبَقَنا غيرنا إلى اختراعه، ولماذا لا نُوَفِّر الوقت ونأخذه جاهزاً؟«! وهنا بَرَزَ سؤالٌ كبير عما إذا كان ذلك مُتاحاً لإسرائيل؟ بمعنى: هل هناك طَرَف سبق إلى تحصيل قدرة نووية متطورة يرضى بأن يساعد إسرائيل فيها؟ وإلى أي مدى؟ وتحت أية شروط؟ وظل »بن غوريون« حائراً بعض الوقت بين مستشاره العلمي ومساعده السياسي. كان يرى وجهة نظر العالِم (»بيرغمان«)، ومن ناحية أخرى فقد بدا أن رأي مساعده السياسي (»بيريز«) احتمال لا يصح إهماله. وهكذا طَرَحَ السؤال الكبير نفسه على مستوى لجنة الأمن في مجلس الوزراء الإسرائيلي، وكانت النتيجة (في وقتها) غير متوقعة لأن الإجابة عن السؤال توصلت إلى أن: »الدولة الوحيدة التي يُحتَمَل أن تساعد إسرائيل هي فرنسا؟«. والأسباب في مجملها على النحو التالي: »بين الدول النووية القادرة نظرياً على مساعدة إسرائيل في أي مشروع نووي فإن: 1 الولايات المتحدة لن تقبل (في المستقبل القريب على الأقل) لأن مصالحها واسعة في العالم العربي، كما أن شركات البترول الأميركية تملك نفوذاً على القرار السياسي الأميركي في الشرق الأوسط. 2 بريطانيا حالة ميؤوس منها، فقد قام نفور بينها وبين إسرائيل من قبل إعلان قيام الدولة اليهودية، مضافاً إلى ذلك أن بريطانيا الآن مشغولة بترتيب أوضاعها في العالم العربي، وهي داخلة في مفاوضات مع مصر ومع العراق للوصول إلى معاهدات جديدة تحل محل معاهدات قديمة مع البلدين (معاهدة سنة 1936 مع مصر ومعاهدة سنة 1930 مع العراق) . 3 الاتحاد السوفيتي لا يمكن حتى مفاتحته بالطلب الإسرائيلي، فهناك مشاكل معقدة مع الدولة السوفيتية، وهي مشاكل لها جذور تاريخية، كما أن لها امتدادات معاصرة أهمها الآن موجة اضطهاد عارمة ضد اليهود (بسبب قضية الأطباء الذين شارك بعضهم في علاج زعيم الاتحاد السوفيتي ذلك الوقت »جوزيف ستالين« ثم اتهموا بأنهم حاولوا دَسَّ السم له بتحريض من المخابرات الأميركية). وإذن تبقي فرنسا؟ والمعضلة: هل ترضى فرنسا؟ وبأية شروط؟ وكان الرد الذي جرى التوصل إلىه وصاغه »شيمون بيريز« في مذكرة لم يظهر نصها الكامل في الوثائق الإسرائيلية، وإنما ظهرت إحالات وإشارات لها، فهو: »1 إن فرنسا تشعر بمرارة من الطريقة التي يعاملها بها حلفاؤها الإنكليز والأميركان لأنهم لا يريدون حتى الآن اعتبارها طرفاً معهم على قدم المساواة في القرار السياسي الأعلى للدول الغربية. 2 وترتيباً على ذلك فإن بريطانيا بالذات تتصرف في أوروبا وخارجها بمنطق أنها مرتبطة مع الولايات المتحدة الأميركية بعلاقات خاصة تَجمَع الناطقين باللغة الإنكليزية (تلك كانت استراتيجية »ونستون تشرشل« في الحرب العالمية الثانية وبعدها)، ومن هنا فإن بريطانيا تتعامل مع فرنسا بنوع من التعالي يستفز الحكومة في باريس! 3 إن استفزاز فرنسا بواسطة بريطانيا والولايات المتحدة أيضاً بلغ مداه في الشرق الأوسط، إذ تآمرت بريطانيا مع بعض »الوطنيين المحليين« على »زحلقة« فرنسا من الشرق العربي (سوريا ولبنان). 4 إن الحركة الوطنية العربية أبدت مُعارَضة ومُقاوَمة لمصالح فرنسا رغم »جذور ثقافية فرنسية قديمة ولا تزال حية«، وهذه المعارضة والمقاومة واضحة ليس فقط في التضامن العربي مع استقلال سوريا ولبنان، وإنما هذا التضامن العربي مستمر الآن وأكثر اندفاعا في المغرب العربي تأييداً لاستقلال »تونس« و»المغرب« وحتى »الجزائر«! وفي وقت ما بين نهاية سنة 1954 وبداية سنة 1955 جرى تكليف »شيمون بيريز« بأن يبدأ في استطلاع »الأفق الفرنسي«. وكان أول اتصال استطلاعي أجراه »شيمون بيريز« مع السفير الفرنسي (الجديد وقتها في تل أبيب) وهو السفير »بيير جيلبرت«. ولم يقل »بيريز« للسفير الفرنسي طبقاً للوثائق كلمة واحدة عن »مشروع نووي إسرائيلي«، بل وفي الغالب وكما يبدو من الأوراق فإنه لم يتحدث أصلاً عن السلاح، وإنما كان مجمل كلامه للسفير الفرنسي أن »فرنسا في الظروف الراهنة تحتاج إلى صديق موثوق به في الشرق الأوسط. وهناك صديق جاهز ومُخلِص أيضاً، لكن فرنسا »مشغولة بغيره!«. وأضاف »بيريز« ما مؤداه: »إن الولايات المتحدة الأميركية ما تزال تحاول مع »ناصر« وتأمل أن تجعله صديقها في المنطقة. ثم إن بريطانيا تحاول مع الهاشميين في العراق والأردن، وأيضاً في سوريا. وذلك يضع إسرائيل وفرنسا في نفس القارب معاً، وإذا تذكرت باريس، ومن مصلحتها أن تتذكر، أن تل أبيب تقع في منتصف المسافة بين القاهرة ودمشق إذن فإنها سوف تكتشف أنه لا بد للبلدين (إسرائيل وفرنسا) من أن تكون لهما في الشرق الأوسط سياسة متفق عليها بينهما وحدهما«! ومما هو ظاهر في الوثائق فإن السفير الفرنسي »بيير جيلبرت« كان على استعداد للفهم، وقد اقترح على »بيريز« أن يقصد إلى باريس ويستطلع الأفق هناك بنفسه. وزاد السفير الفرنسي على ذلك بنصيحة أثبتت التجربة أنها كانت صادقة ونافعة إلى أبعد حد، فقد كانت نصيحة السفير الفرنسي ل»بيريز»: »اذهب إلى فرنسا ولا تُضَيِّع وقتاً كثيراً مع الساسة، وإنما حاول أن تتصل بوكلاء الوزارات الدائمين، فهُم القوة الحقيقية الآن في باريس لأن السياسة الفرنسية الحزبية تشهد حالة »هزلية« من عدم الاستقرار نتيجة لأزمات »الجمهورية الرابعة في فرنسا«، وهي أزمات مُستَعصِيَة جعلت كل الوزراء في مَهَبِّ الريح، وبالتالي ركزت السلطة الفعلية في يد البيروقراطية«! ومن المدهش أن »شيمون بيريز« حمل تقريره عن لقائه بالسفير الفرنسي إلى »دافيد بن غوريون« رغم أنه لم يَعُد في ذلك الوقت رئيساً للوزراء، بل كان »أباً« غاضباً من جميع »الأولاد« ومُعتَزِلاً في مستعمرة »سد بوكر«. لكن الوثائق تُظهِر أنه من هناك حيث »اعتزل« كان لا يزال يشير ويُوَجِّه ويُدير، وإلىه وليس إلى رئيس الوزراء الذي خلفه (»موشي شاريت«) يعود كل المنفذين في إسرائيل خصوصاً في الجيش والمخابرات وحتى وزارة الخارجية التي احتفظ بها رئيس الوزراء الجديد لنفسه! 6 استفزاز طوال سنة 1954 كان »موشي شاريت« رئيساً لوزراء إسرائيل، لكن الوثائق الإسرائيلية تشير إلى أن »دافيد بن غوريون« كان الآمر الناهي من وراء ستار عن طريق الثلاثي الشهير من معاونيه »موشي ديان«، و»شيمون بيريز«، و»ييغال آلون«. وكان هؤلاء الثلاثة وغيرهم من رجال »بن غوريون« قد ساورهم القلق مما يجري في مصر، فقد بدا أن »رجلاً قوياً« يصعد إلى قمة السلطة بسرعة، وأن هذا الرَجُل بالفعل يقيم نظاماً وطنياً تظهر ملامحه أكثر كل يوم، ثم إن هذا الرَجُل يدير مفاوضات مع بريطانيا يبدو أنها على وشك الوصول إلى اتفاق يتحقق بموجبه جلاء القوات البريطانية عن قاعدة قناة السويس. وكان رأي الثلاثة ولم يخالفهم أحد أن ذلك أمر ينبغي منعه بكل الوسائل لأنه لا بد قبل خروج الإنكليز من قواعد قناة السويس أن يتحقق صلح بين مصر وإسرائيل، لأن عودة قواعد قناة السويس إلى مصر، وما يصحبها بالضرورة من عودة مصرية حُرَّة إلى سيناء، تفتح الباب لاحتمالات مجهولة. وجرى في نفس الوقت أن مصر بدأت تخرج إلى العالم العربي وإلى العالم الأوسع، وكان ذلك مُثيراً للقلق تلك الفترة في إسرائيل وطبقاً للوثائق فقد امتدت صلات متينة بين مصر من ناحية وبين كل من الهند ويوغوسلافيا من ناحية أخرى. ثم إن فكرة شديدة الأهمية طرحت نفسها في ذلك الوقت، وهي إمكانية عقد مؤتمر تجتمع فيه الدول الآسيوية والأفريقية وحركات التحرير الوطني ثم تَبَدّى أن مصر من أكثر العناصر النشطة في الدعوة إلى هذا المؤتمر الذي تقرر أن يعقد في »باندونغ« إندونيسيا. وتحتوي وثائق الخارجية الإسرائيلية في تلك الفترة على إشارات وتحذيرات من أن »ناصر يستعمل علاقات أقامها مع الزعيم الهندي »جواهر لال نهرو«، ومع الزعيم الإندونيسي »أحمد سوكارنو«، ومع الزعيم البورمي »أونو«، لمنع مشاركة إسرائيل في التحضير أو المشاركة في أعمال المؤتمر الكبير المقترح، في الوقت الذي كانت هي (إسرائيل) راغبة في اعتبار نفسها دولة آسيوية! وكان من المزعج (ل»بن غوريون«) أن قادة آسيا وأفريقيا اقتنعوا بما قيل لهم في القاهرة من أنه إذا التزمت إسرائيل بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 191 (قرار التقسيم بالنقب عربياً، وهو مشروع »برنادوت« وسيط الأمم المتحدة المكلف بتنفيذ قرار التقسيم) فإن إسرائيل تستطيع حضور مؤتمر »باندونغ«، وإلا فإن اشتراكها مع عصيانها لقرارات الأمم المتحدة يصبح رُخصَة لاحتلال غير شرعي لأرض بقوة السلاح! وتنجح مصر فعلاً في استبعاد إسرائيل من »تجَمُّع باندونغ«، وتَحول دونها ودون المشاركة في المؤتمر الذي اعتبر في زمنه »حدثاً تاريخياًً ضخماً«. ويُصبِح المزاج في إسرائيل حاداً في كل ما يتعلق بمصر، ويَرِد ذِكرها في كل الوثائق الإسرائيلية من تلك الفترة ليس باعتبارها عَدُوّا مُحتملاً، وإنما باعتبارها عَدُوّا ماثلاً في الحال وشديد الخطر في المستقبل. وتبدأ السياسة الإسرائيلية في ممارسة العداء مُسَلَّحاً ضد مصر. وهناك وثيقة من مكتب رئيس الوزراء »موشي شاريت« تشير إلى أن رئيس أركان الحرب »موشي ديان« اقترح عليه (في ذلك الوقت من أواخر 1954) خطة عمل مسلح هدفه عزل قطاع غزة عن مصر لإفقادها الاعتبار وسط العرب، والتأثير على هيبتها في آسيا وأفريقيا. وتشير الوثيقة إلى أن رئيس الوزراء سأل رئيس أركان الحرب: »أليس معنى ذلك أن مصر سوف تجد نفسها مُضطرة إلى حربٍ معنا؟« ويَرُدُّ »ديان« قائلا: »ولِمَ لا«؟ وضمن الوثائق الإسرائيلية مجموعات لا داعي للوقوف أمامها طويلاً لأن أمرها مشهور، وهي خاصة بما عُرِفَ باسم »فضيحة لافون«، ومؤداها أن تعليمات صَدَرَت منسوبة إلى مكتب وزير الدفاع في ذلك الوقت (ربيع وصيف سنة 1954) بتنفيذ عمليات تفجير قنابل وإشعال حرائق في القاهرة والإسكندرية، ومهاجمة مكاتب تابعة لسفارات الدول الأجنبية وخصوصاً سفارات الولايات المتحدة وبريطانيا لإظهار قصور الحكومة المصرية في السيطرة على الأمن وحماية أرواح الأجانب في بلدها، ومن ثم تكون غير جديرة بالاستقلال، غير مستعدة لمسؤوليته، غارقة في تَعَصُّب أعمى ضد الغرب! وقد نجحت محاولة تفجير القنابل وإشعال النار ثلاث مرات، ثم انكشف أمرها في المرة الرابعة في دار سينما »مترو« بالإسكندرية حين اشتعلت قنبلة في جيب عميل يهودي كان يحاول وضعها في رُكنٍ من ممرات دار السينما، ولم يكن الأمر أمر انكشاف مؤامرة، وإنما تَحَوَّلَ الموضوع كله إلى فضيحة لأنه ثَبَتَ أن »الموساد« (المخابرات العامة) قد قررت (دون توجيه سياسي من أعلى) أن تقوم بتنشيط عملها بين اليهود المصريين، فجَنَّدت عشرات منهم في تنظيم سري مُسَلَّح وإرهابي. ........................ ........................ ]وكان ذلك في الواقع فصل النهاية في قصة جالية يهودية عاشت طويلاً وازدهرت كثيراً في بلد عربي إسلامي. وفي الواقع فإنه بسبب هذه الفضيحة تضاءل عدد اليهود في مصر من 420000 قبلها إلى 3000 بعدها، حتى جاءت حرب السويس ولم يَعُد باقياً في مصر غير عَدَدٍ يقل عن ألف يهودي ويهودية ![. ........................ ........................ كذلك تتضمن الوثائق الإسرائيلية رُزَماً كاملة يمكن المرور عليها بسرعة، وهي تَخُص الغارة الشهيرة على غزة، وملابساتها أن مصر كانت تبدي معارضة لفكرة حلف عسكري غربي (حلف بغداد) وتدعو الدول العربية إلى مقاطعته وإلى التمسك بميثاق الدفاع المشترك بينها، ومن هنا قررت قيادة الجيش الإسرائيلي، رغبة منها في إظهار عجز مصر نفسها أمام العالم العربي كله، أن تقوم بغارة مسلحة على مواقع الجيش المصري في غزة. وكانت هذه الغارة على غزة قد جرت بأمر مباشر من »بن غوريون« يوم 28 فبراير 1955 الذي عاد قبلها بيوم واحد من عزلته الاختيارية في مستعمرة »سد بوكر« وتولي وزارة الدفاع، ثم رئاسة الوزارة. كانت الغارة على غزة قد أدت إلى استشهاد سبعة وثلاثين من العسكريين المصريين ضباطاً وجنوداً، كما جرحت خمسة وأربعين، مُستهدِفة بالدرجة الأولى معسكراً للجيش المصري. وكانت الغارة على غزة إحراجاً شديداً للنظام الثوري في القاهرة. وكانت وقائعها وملابساتها هي ما دعا »جمال عبد الناصر« إلى إبلاغ الولايات المتحدة بأنه إذا لم يحصل على سلاح من الغرب يحمي به حدود الوطن وأمن الأمة و»سلامة القوات« فإنه سوف يشتري السلاح من أي مكان. وكانت تلك بداية صفقات الأسلحة مع الاتحاد السوفيتي. ويوم 27 سبتمبر 1955 أعلن »جمال عبد الناصر« عن أول صفقة سلاح مع الاتحاد السوفيتي بواسطة تشيكوسلوفاكيا. 7 الأرض عَرَفَت الحكومة الإسرائيلية كما يَظهَر من الوثائق بأمر صفقة الأسلحة مع الاتحاد السوفيتى قبل الإعلان عنها رسمياً فى القاهرة يوم 27 سبتمبر. وراحت أجهزة إسرائيلية مُتَعَدِّدة تنصح بشن حرب وقائية "preventive war" ضد مصر. ومن المفارقات أن وزارة الخارجية كما يبين من الوثائق كانت أول المطالبين، فقد كتب السفيران »أبا إيبان« و»جدعون رافائيل« مذكرة مشتركة يطلبان فيها »ضرورة قيام إسرائيل بعمل عسكري بقصد إسقاط النظام العسكري فى مصر الذي يتزعمه ناصر«. وتَظهَر على حافة هذه البرقية تأشيرة تقول: »الحرب الوقائية معناها منع طرف على وشك أن يشن حرباً من اختيار التوقيت الملائم واستباق محاولته بضربة أولى، وهذا ليس متوافراً في ما يحدث الآن من مصر«. لكن إشارة أخرى سريعة وعابرة فى إحدى الوثائق تشير إلى أن »إيسر هاريل« رئيس جهاز المخابرات (الموساد) مُصِرٌّ على ضرورة »حرب وقائية«. ثم تجيء وثيقة إسرائيلية أخرى متأنية وواضحة، وهي مذكرة كتبها رئيس هيئة الأركان الجنرال »موشي ديان« إلى وزير الدفاع ورئيس الوزراء (بناءً على طلب »بن غوريون« في ما يبدو). وتقول مذكرة »موشي ديان« بالنص: أ إن الحل الكامل الضرورى لمشكلة إسرائيل الأمنية يتطلب إسقاط نظام ناصر فى مصر. وهناك أساليب عدة يمكن بها مواجهة التطورات الأخيرة (يعني صفقة الأسلحة المصرية مع الاتحاد السوفيتي) وإذا أريد تأجيل تنفيذ الحل الكامل في الوقت الحاضر انتظارا لظروف معينة فإنه لا بد أن يكون مُستَقِرا لدى الجميع أنه يستحيل أن يكون هناك حل نهائى دون إسقاط ناصر من السلطة، فهذا وحده ما ينزع جذور وأسباب الخطر الذي يَتَهَدَّد إسرائيل. ب إذا كان من المطلوب إسقاط نظام ناصر فإنه من الضروري ولتحقيق هذه المهمة السعي إلى مواجهة حاسمة مع المصريين في وقت قريب... أقرب وقت ممكن، وإلا فإن التكاليف الأمنية قد تصبح عالية بالنسبة لهذا البلد (إسرائيل) لأننا إذا انتظرنا حتى يتم استيعاب صفقة الأسلحة التشيكية لمصر، فإن أى عمليات إسرائيلية ضد مصر سوف تكون غالية الثمن. ح إن الحكومة (في إسرائيل) مطالبة بأن تسعى للحصول على مَدَدٍ إضافي كبير من الأسلحة المتطورة وذخائرها قبل أي تاريخ يُحَدَّد للمواجهة، وعلى أي حال فإنه لا يجب ربط الأمرين لزاماً ببعضهما فى التوقيت (أي المواجهة الحاسمة مع مصر والحصول على مَدَد جديد من الأسلحة المتطورة). د إن هذا المفهوم يختلف عن المفهوم الذي ينادي بحرب وقائية ضد مصر لأن »الحرب الوقائية« قد تبدو حرباً عدوانية تشنها إسرائيل مباشرة، والدولة (إسرائيل) لا تستطيع أن تواجه العالم من موقف المعتدي! ه إن إسرائيل لا تحتاج إلى أية خطط لاستفزاز مصر لأن حكومة مصر نفسها كفيلة بعنادها ورفضها للحلول الوسط دائماً بأن تقدم أسباباً للاستفزاز تستغلها إسرائيل أى إن على إسرائيل أن تكون مُتَيَقِّظة لأن تكون المفَجِّر "detonator" عندما تنشب أي أزمة حتى تستطيع الإمساك بها وتحويلها إلى فرصة قابلة للتفجير إذا رُئي بأفضلية ذلك، وهكذا فإن التوصية التى تتقدم بها هيئة الأركان هي التَنَبُّه بطريقة واعية لأي استفزاز مصري، والإمساك به وتكبيره بحيث تكون الفرص مفتوحة أمام صانع القرار الإسرائيلى يَستَغِل منها ما يشاء فى التوقيت الملائم له! وعندما قرأ »بن غوريون« مذكرة رئيس الأركان كان طلبه أن تعد رئاسة الأركان وتعرض عليه خططاً بديلة: خطة لاحتلال غزة وفصل القطاع عن مصر. خطة لاحتلال شرم الشيخ والمنطقة المحيطة بها. خطة لاحتلال خط العريش رأس محمد في سيناء. وخطة لاحتلال سيناء كلها. وهنا تَظهَر في الوثائق الإسرائيلية لأول مرة بداية شعار »الأرض مقابل السلام«، ليَتَطَوَّر في ما بعد إلى نظرية كاملة. وقد شرح »دافيد بن غوريون« باستفاضة في اجتماع لهيئة الأركان فكرة وسياسة (ثم نظرية) »الأرض مقابل السلام« على النحو التالي: »عندما قامت قوات جيش الدفاع باحتلال منطقة العريش فى مصر في الأيام الأخيرة من حرب سنة 1948 (ديسمبر) فقد لاحظ أن الملِك »فاروق« ووزارته وكل أركان حكمه كانوا فى حالة يرثى لها. وقد هَروَلوا إلى سفارات بريطانيا والولايات المتحدة يطلبون تدخل حكوماتها بسرعة قبل أن تنكشف الحقيقة، وكانوا على استعداد لدفع أي ثمن حتى يتجنبوا فضيحة علنية أياماً أو أسابيع تبقى لهم فيها أرض محتلة. العرب يفعلون ما يشاؤون لكنهم يخشون من الفضيحة، وهنا فإن الضغط عليهم سهل خصوصاً مصر التي تعتبر نفسها أكبر وأهم دولة عربية. مصر لا تستطيع مواجهة العرب الآخرين وجزء من أرضها تحت الاحتلال خصوصاً إذا كانت القوة المحتلة هى إسرائيل الصغيرة التى يكرهونها ويتعاملون معها بأنفة وازدراء. وناصر شأنه شأن فاروق، وربما أكثر من فاروق، لن يستطيع تَحَمُّل فضيحة احتلال جزء من أرض مصر بواسطة إسرائيل، بينما هو يحاول إخراج إنجلترا من بلده بعد احتلال سبعين سنة. نحن هنا يقول »بن غوريون« أمام فرصة أو معادلة سياسية جيدة ونافعة. أرض. جزء من أراضيهم كبير أو صغير حسب الظروف يتم احتلاله بواسطة قواتنا. وإذا أرادوا أرضهم فعليهم أن يدفعوا الثمن«. ثم يضيف »بن غوريون« فى الخلاصة: »الأرض مقابل السلام«! (ويصير التعبير مَثَلاً، ثم شعاراً، ثم سياسة ونظرية كاملة طُبِّقَت فى حينه وما زالت تُطَبَّق حتى الآن!). ........................ ........................ ]ومن المفزع أن السياسة العربية الراهنة تستعمل الآن هذا الشعار وهذه النظرية وكأن كليهما من اجتهاداتها أو اختراعاتها، غافلة عن الأصل، وناسية تجارب عديدة جرى فيها الإمساك بمواقع متعددة كبيرة وصغيرة من الأرض العربية رهائن في مقابل فدية عودة أرض في مقابل تراجع حق![. ........................ ........................ 8 الحرب ومع بداية سنة 1956 فإن الوثائق الإسرائيلية تفقد خصوصيتها، ذلك أن الطريق إلى السويس بدأ، وفي طليعته مشت بريطانيا وفرنسا، وفرنسا سابقة بخطوة أو خطوتين وهي المحَرِّض والمنَظِّم لعملية السويس حسب ما تقول به الوثائق الإسرائيلية. والشاهد أن الطريق العسكرى إلى السويس بدا ظاهراً في وثيقة ذات أهمية خاصة تحكي تفاصيل لقاء بين »بورجيس مانوري« وزير الدفاع الفرنسى و»آبل توماس« مدير وزارة الدفاع الإسرائيلي. وفي هذا اللقاء فإن وزير الدفاع الفرنسى قام يرحب بضيفه مدير وزارة الدفاع الإسرائيلى، وبدلاً من التحية بادره طبقا لتقريره ضمن الوثائق الإسرائيلية قائلا: »والآن قل لي يا عزيزى توماس، ما هو الوقت الذى يلزم للجيش الإسرائيلى لكي يدخل إلى سيناء ويصل إلى قناة السويس؟ وما هي الطلبات التى نستطيع تقديمها لكم إذا كنتم على استعداد لهذا العمل؟«. ثم راح وزير الدفاع الفرنسى يروي لضيفه الإسرائيلى أن »فرنسا لم تَعُد قادرة على تَحَمُّل انتشار النفوذ المصرى في شمال أفريقيا، وتحريض ناصر اليومى لشعوب المغرب العربى حتى تتحرر من السيطرة الفرنسية إضافة إلى أن ناصر في ما يبدو يفكر فى التَحَرُّش بشركة قناة السويس وهي ملكٌ لفرنسا تحرص عليه وتقاتل من أجل الاحتفاظ به !«. وكانت هذه المبادرة هى التى قادت إلى مؤتمر سري فرنسي إسرائيلي في قلعة »فيرمار« (قرب باريس) يوم 24 يونيو 1956 وقد تم الاتفاق فيها على أكبر صفقة سلاح حصلت عليها إسرائيل، وكانت مُكَوَّنة من 27 طائرة من طراز »ميستير«، ومئة دبابة من طراز"AMX" والهدف المشترك هو العمل »لإسقاط ناصر ونظامه« وكان الإغراء الأكبر الذي قدمته فرنسا لإسرائيل حتى تَقبَل دورها فى مغامرة الوصول إلى قناة السويس رَدَّا تَلَقَّته الحكومة الإسرائيلية بالإيجاب على طلب قدمه »شيمون بيريز« مُلِحًّا فى ختام مؤتمر »فيرمار«، ووفقاً لهذا الرد الإيجابى فإن فرنسا تَعَهَّدت بأن تعطي لإسرائيل مفاعلا نووياً من طراز »إى. إل. 3« "E.L.3"، وأن تشارك في توفير 10 أطنان من الماء الثقيل جاءت في ما بعد من النرويج ثم إن فرنسا سوف تساعد على تركيب المفاعل وتشغيله! ........................ ........................ ]إن الظروف مشت بعد ذلك إلى سحب عرض قدمته الدُوَل الغربية (الولايات المتحدة بريطانيا ومعهما البنك الدولي) يَحمل تَعَهُّدًا بالمساعدة في تمويل السد العالي الذى أصبح حلم الوطنية المصرية. وقد جرى سحب العرض في ظروف مهينة، إذ ادعى البيان الصادر عن وزير الخارجية الأميركي »جون فوستر دالاس« وقتها أن »المشروع أكبر من قدرة الاقتصاد المصري على تحمله«! وردت مصر بتأميم قناة السويس.[ ........................ ........................ وطبقاً للوثائق الإسرائيلية فقد ذهب »موشي ديان« يوم 29 يوليو 1956 أي بعد ثلاثة أيام من تأميم القناة إلى مقابلة مع »دافيد بن غوريون« وبحضور »شيمون بيريز« ليعرض عليه خطط جيش الدفاع للعمل الفورى ضد مصر، ويطلب توجيهه في شأنها، وأيها أكثر ملاءمة فى الظروف المستجدة: احتلال غزة أو احتلال شرم الشيخ أو احتلال سيناء كلها وفوجئ »ديان« على حد ما تروي الوثائق الإسرائيلية ب»دافيد بن غوريون« يطلب إليه »أن يهدئ أعصابه لأن إسرائيل لم تَعُد فى المقدمة، ذلك أن بريطانيا وفرنسا دخلتا بشدة على خط المواجهة، وإسرائيل الآن تملك »فرصة وترف« أن تفكر على مهلها وتقرر لنفسها كيف تتصرف »لمساعدة الدولتين الكبيرتين«. ثم يلتفت »دافيد بن غوريون« إلى »بيريز« ويقول له: »المهم أن نحصل على المفاعل النووي الذى وَعَدوك به«. وتمشي الحوادث كما تروي الوثائق من مؤتمر »فيرمار« إلى مؤتمر »سيفر« الشهير يوم 22 أكتوبر 1956، وقد شاركت فيه بريطانيا مع فرنسا ضمن مؤامرة تواطؤ على غزو مصر تقوم فيها إسرائيل بدور الاستفزاز وتخترق حدود سيناء داخلة إلى عمقها في اتجاه قناة السويس لكي تعطى للدولتين الكبيرتين فرصة للتدخل بتوجيه إنذار إلى مصر بإخلاء منطقة القناة كلها. ........................ ........................ ]وتلك من أولها لآخرها أسرار لم يبق منها في الخفاء شىء، حتى نصوص معاهدة »سيفر« السرية والموَقَّعة من الأطراف وهي أول مرة توقع فيها الدول في العصر الحديث مؤامرة مؤامرة مكتوبة فى صَكٍّ مَمْهور بإمضاء وقد جرى نشر صورة هذه المعاهدة السرية حين عَثَر باحثون من هيئة الإذاعة البريطانية أثناء إعداد فيلم تسجيلي عن حرب السويس على النسخة الخاصة ب»دافيد بن غوريون« من هذه المعاهدة السرية، وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد طواها بأصابعه ووضعها في جيبه واحتفظ بها في أوراقه[. ........................ ........................ وربما أن أهم ما بقي في الوثائق الإسرائيلية من تلك الفترة أنه بعد الغضب الأميركي من عملية السويس لأن الحلفاء الأوروبيين وإسرائيل تصرفوا دون استشارة واشنطن وإذنها ثم بعد الإنذار الروسي الذي وجهه »خروشوف« إلى الأطراف والذي كان له أثره ثم بعد صمود مصري للإنذار البريطاني الفرنسي يوم 29 أكتوبر وللحرب في مواجهة القوى الثلاث المعتدية من أركان المؤامرة الثلاثية ثم بعد مُساندة هائلة من الأمة العربية ومن كل بلدان آسيا وأفريقيا فإن إطلاق النار على جبهات القتال تَوَقَّف يوم 6 نوفمبر 1956، وكانت المؤامرة قد فشلت تماماً، وبات على العدوان الثلاثي أن ينسحب. وكان »بن غوريون« طبقاً للوثائق مَمروراً وساخطاً يشعر بأنه أدّى نصيبه في اتفاق »سيفر«، لكن الآخرين تخاذلوا ووقفوا في منتصف الطريق، وسحبوا جيوشهم من بور سعيد، وتركوا إسرائيل وحيدة وسط سيناء. ثم حدث أن »بورجيس مانوري« وزير الدفاع الفرنسي تولى رئاسة الوزارة بعد سقوط رئيسه السابق »غي موليه«. وقام »مانوري« بدعوة »بيريز« إلى باريس ليقول له إن »فرنسا لم تغير أهدافها، وأنها ما زالت مصممة على دعم أمن إسرائيل إلى النهاية، وأنه من ذلك قرر أن المفاعل النووي الذي تقدمه فرنسا لإسرائيل يجب أن يكون بضعف طاقة الأول »حتى تستطيعوا أن تفعلوا ما تريدون«. وكان ذلك أقصى ما يحلم به »دافيد بن غوريون«، وقد أدرك (كما تُوَضِّح الوثائق) أن إسرائيل علىها الآن أن تبتعد عن الواجهة في الشرق الأوسط، وأن تقبع بعيداً وتنكب صامتة على تشغيل مفاعلها النووي وإنتاج قنبلتها القادرة على الحسم النهائي قبل الدقيقة الأخيرة. وعندما أعلن الرئيس الأميركي »دوايت أيزنهاور« مسؤولية الولايات المتحدة عن المنطقة بمقتضى إعلانه الشهير يوم 5 يناير 1957، فقد بدا مُحققاً ل»بن غوريون« أن انتقالا إمبراطورياً كبيراً تم في المنطقة، وأن نجم فرنسا قد أفل، وأن الشمس البريطانية على الشرق الأوسط تدحرجت إلى حافة الغروب، وأن عصراً جديداً قد بدأ وقيادته للولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك فإن على إسرائيل أن تخلي الساحة وتنتظر شكل الحوادث المقبلة، وتقرر من مكمنها طريقة تدخلها مستفيدة من الأحوال المستَجَدَّة! 9 الملوك تبدو الوثائق الإسرائيلية أو على الأقل ما هو متاح منها هادئة وتكاد تكون فاترة على امتداد فترة السنوات من منتصف سنة 1957 إلى منتصف سنة 1963، والأسباب في ما تقول به الأوراق كما يلي: 1 أنه في تلك الفترة كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تقود المعسكر الغربي كله في التعامل مع حركة القومية العربية، وكان إحساس إسرائيل بأن أي ظهور لها في الحملات السياسية والنفسية الكبيرة المحتدمة على ساحة المنطقة يُعَقِّد المسائل ولا يُسَهِّلها. 2 أن إسرائيل كما يتبدَّى من الوثائق تركت قلب العالم العربي للولايات المتحدة وتفرغت هي لما أسمته »محاولة بناء طوق خارجي حول الطوق العربي المحيط بها«، وبذلك فهي تُحَوِّل العرب الذين يحاصرونها إلى عرب محاصَرين. وسبيلها إلى ذلك إقامة علاقات تعاون وثيق مع دول الحافة الخارجية للعالم العربي، وبالتحديد: تركيا، وإيران، وإثيوبيا. 3 أن تلك الفترة شهدت نشوء واشتداد نوع من الحرب الأهلية العربية عرباً ضد عرب كما كان »بن غوريون« يريد ويتمنى. فالملِك »سعود« أغضبه تأميم قناة السويس دون تشاور مسبق معه، وكذلك أحرجه التقارب المتسارعة خُطاه بين مصر وسوريا، ثم تَوَرَّط الملِك في محاولة لضرب الوحدة المصرية السورية، واغتيال »جمال عبد الناصر«، وفشلت المحاولة وانكشفت ونُشِرَت وثائقها، وساءت علاقة مصر بالسعودية. ثم حدث بعد ذلك أن الوحدة السورية المصرية نفسها انتهت بانفصال شاركت في الترتيب له ودعمه عناصر عربية مجاورة وقريبة دَفَعَت وجَنَّدَت وحَرَّضَت حتى انفك الرباط بين دمشق والقاهرة. ثم إن النظام الهاشمي الذي سقط في العراق بثورة 14 يوليو 1958، حَلَّ محله حُكم »عبد الكريم قاسم« الذي أثبت بسيطرة الشيوعيين علىه أنه أكثر عداءً لحركة القومية العربية من كل العروش! 4 وكان أن الحرب الأهلية العربية التي دارت بالتآمر وبالمال وبالتحريض تفاقمت لكي تصبح حرباً مسلحة في اليمن، وقد جرى استئجار آلاف المرتزقة الأجانب (إنكليز وألمان وأسبان وفرنسيين) لكي يتولوا شن حرب عصابات حديثة ضد القوات المصرية بقصد إنهاكها في اليمن، وكان أهم الضالعين في تنظيم حرب إنهاك الجيش المصري في اليمن هو اللورد »جوليان إيمري« وكان وزيراً سابقاً للحرب في حزب المحافظين (وزوجاً لابنة رئيس الوزراء أيامها »هارولد ماكميلان«)، وهو لم يكن يهودياً فقط، وإنما كان إلى جانب يهوديته صهيونياً مُتَعَصِّباً، وفي نفس الوقت صديقاً مقرباً من بعض الملوك العرب، وقد التقاه الملِك »حسين« باسمه ونيابة عن آخرين (طبقاً للوثائق) عدة مرات سنة 1965، وتَمَّت اللقاءات في بيت »جوليان إيمري« في »إيتون سكوير« قلب بلغرافيا ووسط لندن، وقد وضعت تحت تصرف اللورد »إيمري« ولجنة من أصدقائه اعتمادات مفتوحة! وكان لإسرائيل في العملية دورٌ مُحَدَّد، هو أن يقوم طيرانها بمهمات منتظمة لإمداد قوات المرتزقة الأجانب بالمهمات والذخائر من الجو، وذلك لأن الإمداد عن طريق الجوار اليمني من عدن الخاضعة لوزارة المستعمرات البريطانية مكشوف ثم إن اكتشافه (إذا جاء من سهول »تهامة« الجنوبية، أو من »جيزان« و»نجران«) مُؤدٍّ إلى عواقب سياسية مٌعَقَّدة! 5 والظاهر من قراءة الملفات وما تحمله من إشارات أن إسرائيل في تلك الفترة انهمكت في حملة من نشاط المخابرات يستهدف العُلَماء الألمان الذين استعانت مصر ببعضهم لدعم برامجها في صنع السلاح غير التقليدي، وهكذا فإن هؤلاء العُلَماء تَعَرَّضوا لحملات من القتل والتشهير والمطاردة. وكان المشرف على هذه الحملات هو »إيسر هاريل« مدير »الموساد«. وتشير الوثائق الإسرائيلية من بعيد إلى أن خلافاً وقع بين مدير المخابرات الإسرائيلية العامة (الموساد) »إيسر هاريل« وبين مدير المخابرات العسكرية (أمان) »مائير آميت« موضوعه كما يلي: مدير »الموساد« يرى أن برنامج التسليح المصري يدخل إلى مناطق أصبحت تشكل خطراً على إسرائيل. ومنطقه: أن مصر عَرَفَت بأمر مفاعل إسرائيل النووي (الذي حصلت علىه من فرنسا) وبادَرَت تَستَعِد مُدرِكَة أن إسرائيل بهذا المفاعل الكبير سوف تسبق إلى صنع القنبلة، ولهذا فإنها (مصر) من باب التعويض وحتى تتمكن من سَدِّ الفجوة التي يصنعها السبق النووي الإسرائيلي تُرَكِّز الآن على نوعين من السلاح: السلاح الكيماوي (غاز السارين أو القنبلة النووية للفقراء كما سُمِّيَ السلاح الكيماوي وقتها). والسلاح الجرثومي (ابتداءً من جراثيم الحُمَّى الصفراء إلى الطاعون). (ومع أن إسرائيل لديها ما يكفي من هذين السلاحين الكيماوي والجرثومي فإن تَوَصُّل مصر إلى هذه الأنواع من الأسلحة، والتَوَسُّع في إنتاجهما، له على إسرائيل مخاطر هائلة بسبب رقعتها المحصورة وتَكَدُّس الجزء الأكبر من سكانها داخل مُثَلَّث القدس/ تل أبيب/ حيفا). وبالنظر إلى ما حققته مصر وفاجأت به العالم وإسرائيل معه في يوليو 1962 من إطلاق صواريخ متوسطة المدى تطول كل إسرائيل، فإن تقديرات إسرائيل كانت أن الأسلحة الكيماوية والجرثومية في حال تهديد خطير بالصواريخ يمكن أن تكون رادعاً حقيقياً يُعَطِّل استعمال القنبلة النووية الإسرائيلية التي لم يتم صنعها بعد، وإنما هي في قلب المفاعلات سِرٌّ لن تظهر آثاره قبل سنة 1968 أو بعدها على الأغلب. (وتشير الوثائق الإسرائيلية إلى أن الصواريخ المصرية كانت تعاني من مشكلة لم يتيسر حلها، وهي مشكلة أجهزة التوجيه لكن مشروع الصواريخ كله وإشراف العالِم الألماني الدكتور »بيلز« علىه كان مرفوضاً من إسرائيل جملة وتفصيلاً والملاحَظ (طبقاً للوثائق) أن إسرائيل هي الأخرى كانت لديها في ذلك الوقت مشكلة في أجهزة التوجيه). واستنادا إلى ذلك فإن إسرائيل كذلك رأي مدير »الموساد« لا بد لها أن تشن حملة »قتل« ضد العُلَماء الألمان العاملين في مصر، وإذا أدى ذلك إلى مشاكل مع الحكومة الألمانية خصوصاً وأن بعض هذه العمليات ضد العُلَماء الألمان سوف يتم في ألمانيا (أثناء وجودهم هناك لمهِمّات أو إجازات) فإن حكومة إسرائيل يجب أن تكون حازمة وأن تُذَكِّر الحكومة الألمانية إذا »فَتَحَت فمها« ب»الماضي الأسود« للدولة والشعب في ألمانيا تجاه اليهود في التاريخ البعيد والقريب!! أما مدير »أمان« (المخابرات العسكرية) الجنرال »مائير آميت« فقد كان له منظورٌ آخر: فهو لا يقلل من خطر ما تصنعه مصر، لكنه يراه خطراً مؤجلاً لأن تحقيق المشروعات المصرية سوف يستغرق زمناً طويلاً. ثم هو يري أن الولايات المتحدة تشن حرب أعصاب قوية على مصر ]تَمَثَّلَت في تحذيرات من التوسع النووي (ومن الأسلحة غير التقليدية عموماً، وبينها الأسلحة الكيماوية والجرثومية) وكلها تحذيرات تضمنتها رسائل لم تنقطع من الرئيسين »كنيدي« و»جونسون« إلى الزعامة المصرية![. وفي هذه الرسائل فقد تَبَدَّى أن قلق الولايات المتحدة من مشروعات الأسلحة غير التقليدية التي تحاول مصر صنعها لا يقل عن قلق إسرائيل. وفي حين أن إسرائيل لا تملك تأثيراً يُذكَر على مصر فإن الولايات المتحدة تقدر على الأقل أن تُهَدِّد عند اللزوم بوقف شحنات القمح الأميركي إلى مصر. وأخيراً فإن إسرائيل في غِنى عن إغضاب ألمانيا في هذه الظروف، خصوصاً أنها قد حصلت على صفقة أسلحة هائلة منها استكمالا للتعويضات الألمانية، ساعد علىها أن »بون« ضاق صدرها بالسياسة المصرية التي اعترفت بألمانيا الشرقية، وينبغي تشجيعها وليس إحراجها! وكان القرار على المستوى الإستراتيجي في إسرائيل حلاً وسطاً بين الجنرالين: رئيس »الموساد« ورئيس »أمان«. أي إن الحل كان تَرْك »إيسر هاريل« يمارس نشاطه في إرهاب العُلَماء الألمان مُتَجَنِّباً قدر المستطاع أن تتم عملياته في ألمانيا، ومن ناحية أخرى واستجابة ل»مائير آميت« فإن رئاسة الوزارة ووزارة الخارجية في إسرائيل علىهما العمل على زيادة التقارب بكل الوسائل مع »بون« (عاصمة ألمانيا الغربية) حتى تظل شحنات السلاح الألماني مُتَدَفِّقة. وكان هناك سبب آخر لإبقاء الأبواب مفتوحة في »بون«، فقد عَرَفَت إسرائيل بأمر عقد توشك مصر على توقيعه مع شركة »سيمنس« الألمانية لشراء مفاعل نووي يوازي المفاعل الإسرائيلي في »ديمونه« ويتفوق علىه، ويحل محل مفاعل »أنشاص« (السوفيتي الصنع) الصغير الذي أدى دوره وزيادة في تدريب وإعداد كادر إنساني مصري قادر كانت إسرائيل تخشي منه حجماً وكفاءةً (وكان لديها رصد دقيق لعدد من عناصره، وخطط للخطف أو الاغتيال يجري تحضيرها لبعضهم) وفي طلب إبقاء الأبواب في »بون« مفتوحة فإن إسرائيل كانت تُرَتِّب لحملة ضغط سياسي وإعلامي على ألمانيا الغربية يَتَصاعَد ويُؤدي إلى وقف عقد شركة »سيمنس« ! 10 هاملتون مع بداية سنة 1963 عادت إليّ الوثائق الإسرائيلية في حدود ما وصل إليّ كي تصبح نشيطة مرة أخرى ومثيرة، وقد ظهر فيها سياق وتفاصيل قصة تَتَكَشَّف مُقدماتها خطوة بعد خطوة: 1 كان »بن غوريون« قد بدأ يشعر بالتعب وربما بنوع من الملل سببه إرهاق السنين وضغط المسئوليات، ثم »القَرَف« على حد تعبيره من مناورات السياسات الحزبية في إسرائيل، وقد أحس بها مُثقَلة بالهموم و»تكاد تكون مُشَبَّعة بالسموم« (على حَدِّ قوله)! 2 وقد فكر »بن غوريون« بأن يبتعد لكي يريح ويستريح، وكان لديه ما يدعوه إلى الاطمئنان إلى أن مشروع إسرائيل النووي يمضي في طريقه، وأنه مهما كان جنوح وحماقات السياسة الحزبية الإسرائيلية فإن مؤسسة الأمن الإسرائيلية (جيش الدفاع مُمُثَّلاً بهيئة أركان الحرب وفروعها وأهمها التقديرات والعمليات والمخابرات العامة (»الموساد«) والمخابرات العسكرية (»أمان«) ومؤسسات العلوم والتكنولوجيا الواقعة تحت إشراف رئاسة الوزراء ومراكز البحث السياسي الإستراتيجي المعتمدة) هي المسؤولة دائماً عن تحديد مطالب »الأمن« في بلد يحتل »الأمن« فيه أكبر مساحة من اهتمامات السياسة. بمعنى أن الساسة في هذا الحزب أو ذلك، وفي هذه الحكومة أو تلك، وفي هذا الائتلاف أو غيره، ليسوا هُم المسؤولين عن تحديد مطالب »الأمن« الإسرائيلي، وإنما تحديد هذه المطالب مُتَجَدِّدة مع تغيير الظروف منوط بتلك الجهات الباقية والدائمة والمسؤولة وراء كل الأحزاب والوزارات والائتلافيات من أي ومن كل ألوان الطيف على أفق الحياة السياسية في إسرائيل (عَمَل ليكود شاس ميريتز وغيرهم جميعاً وبدون استثناء!). 3 وعلى نحو ما فإن »بن غوريون« راوده قبل أن يقرر الاعتزال نهائياً حلم التوصل إلى اتفاق مع مصر تَصَوَّرَ أنه إذا حَقَّقَه فقد خَلَّدَ اسمه على مدى التاريخ الإسرائيلي، ليس فقط باعتباره باني الدولة اليهودية وإنما بكونه صانع سلامها أيضاً. وكان تَقدير »بن غوريون« في ذلك الوقت سنة 1963 قائماً على أساس أن »جمال عبد الناصر« ربما كان مُهَيَّأً الآن كما لم يكن من قبل للوصول إلى تفاهم من نوع ما مع إسرائيل. وكانت أسباب »بن غوريون« كما شرحها بنفسه في حديث بينه وبين البارون »إدموند دي روتشيلد« الذي قام بتسجيلها على النحو التالي: رأى »د. ب« (دافيد بن غوريون) أن »ناصر« تَعَلَّم الآن بالتجربة ما لم يكن لديه حين سمح لنفسه بمعاداة إسرائيل إلى آخر المدى. هو الآن (في رأي »بن غوريون«) مجروح من الانفصال بين مصر وسوريا، وهذا الانفصال كان بالنسبة له مفاجأة هَزَّت هيبته. وقد ساعد »ناصر« على قيام ثورة في العراق لكن زعيم هذه الثورة »عبد الكريم قاسم« انقلب علىه. ثم إنه أي »ناصر« لا يثق بالملوك العرب، وهُم أيضاً لا يثقون به. وقد ذهب إلى مساندة الثورة في اليمن فاصطاده الملوك العرب وأصدقاؤهم الغربيون وسط جبالها الموحشة وحجزوا ثلث جيشه هناك. وقد تَوَهَّم أن بمقدوره أن يقود حلفاً عربياً كبيراً يواجه إسرائيل، لكنه وجد نفسه في النهاية يواجه الولايات المتحدة الأميركية وهي قوة لا طاقة له إزاءها. ثم إن لديه في مصر مشاكل داخلية لأن هناك من يساعد المسلمين المتعصبين حتى ينشطوا لمعاداة مشروعه داخل مصر نفسها. والواقع في تقدير »بن غوريون«، وطبقاً لما كتبه البارون »إدموند دي روتشيلد« وما وَرَدَ في وثائق إسرائيلية مُتَكررة أن »ناصر« يواجه عداء أهم حركتين منظمتين في العالم العربي: حزب البعث في سوريا والعراق والأردن، وحزب الأخوان المسلمين في عقر داره في مصر. وكان رأي »بن غوريون« كما سَجَّلَه عنه »إدموند دي روتشيلد« أن »ناصر« الآن رجل مرهق متعب، ومع أنه ما زال شاباً بعَدد السنين إلا أنه أصبح أكبر من عُمرِه بالهُموم التي يَتَحَمَّلها من الأعداء والأصدقاء على السواء، وهذا يجعله »مُحبَطاً«frustrated وكذلك فإنه قد يكون مستعداً لأن يصغي ل»صوت العقل« حتى وإن جاءه هذا الصوت من اتجاه يعتبره معادياً له، ومن ثم يعرف أن »أحلامه العربية وَهْم«، وأن »إسرائيل تملك على الأقل أن تمنحه الهدوء الذي يحتاجه، وتستطيع أن تُوَفِّر علىه الموارد التي يهدرها لكي يلحق ببرامج إسرائيل العسكرية، رغم عِلمِه أنها سبقته. وفوق ذلك كله فإن »ناصر« يمكن أن »يرى« الآن حقيقة أن إسرائيل وحدها تستطيع إصلاح علاقاته مع الأميركان«! ........................ ........................ ]وعند هذا الموضع من الوثائق الإسرائيلية يَظهَر مشهد وَجَدتُ نفسي طرفاً حاضراً في وقائعه ومشاركاً في حواراته! ففي ذلك الوقت (مارس سنة 1963) جاء لزيارتي في القاهرة واحد من أقرب الأصدقاء وهو السير »دِنيس هاملتون« وكان وقتها رئيساً لتحرير جريدة »الصنداي تيمس« على عهد ملكِية اللورد »روي طومسون« لها. كان »دِنيس« أيامها أهم رؤساء تحرير الصحف البريطانية، فقد استطاع صنع معجزة في »الصنداي تيمس« قفزت بها إلى صَفٍّ وحدها في مقدمة الصحافة البريطانية الجادة على استحق بالفعل وصف The Innovator أي »المجَدِّد« (وهو الوصف الذي أطلقه علىه سِجِلُّ تاريخ »التيمس« في القرن العشرين). وكان »دِنيس« شخصية إنسانية بديعة إلى جانب تميزه المهني. ثم إنه كان يملك وراءه تجربة ضخمة وغالية بدأت معه منذ شارك في الحرب العالمية كضابط مقاتل التحق بقيادة الماريشال »مونتغمري« أثناء غزو الحلفاء لأوروبا وِفق عملية »أوفرلورد« وبهدف تحريرها من سيطرة »هتلر«. وكان (»دِنيس«) واحداً من أول النازلين على شواطئ »نورماندي«، وأصابته هناك شظية قنبلة استقرت في رأسه وبقيت معه إلى آخر حياته، وكانت تسبب له مرات نوبات من الصُداع العنيف. وبرغم صُداعه المزمن كان »دِنيس« رجلاً سعيداً في حياته، محظوظاً بزوجةٍ ممتازة وأربعة أبناء ناجحين كلٌّ في مهنته. وكانت تلك عوامل ساعدت الرجل ليس فقط على تفوقه المهني وإنما أيضاً على مكانة سياسية واجتماعية مرموقة وغير مُختلف علىها، بالذات لأنه لم يكن صحافياً »يكتب« فيرضى عنه بعض الناس ويغضب علىه بعضهم الآخر، وإنما كان صحافياً »يُدير«، وقد تمكن من صنع النجوم الذين يكتبون حوله وأولهم وقتها وإلى اليوم »ويليام ريس موج« رئيس تحرير »التيمس« في ما بعد، و»هارولد إيفانز« الذي خَلَف »دنيس هاملتون« على رئاسة تحرير »الصنداي تيمس« نفسها، غير نجوم كبار مثل »فرانك جايلز« و»سيمون جينكينز«، وغيرهم! وهكذا فإن »دِنيس« كان في موضع يسمح له بالتأثير على الذين يكتبون، لكنه نفسه لا يكتب، ولذلك فهو لا يُلام على شيء، بل إنه المسؤول الذي يُرجى ويُشتَكى إلىه من هؤلاء الذين يكتبون إذا جَمَحوا أو لم يَجمَحوا! وكذلك كانت صلات »دِنيس هاملتون« طيبة مع كل القوى في العاصمة البريطانية وفي غيرها من العواصم بتأثير نفوذ »الصنداي تيمس« وكانت الأبواب مفتوحة له من قصر »باكنغهام« إلى مقر رئاسة الوزارة في »داوننغ ستريت«، ومن البيت الأبيض في واشنطن إلى الكرملين في موسكو! وكان ذلك الرجل »دِنيس هاملتون« هو الرجل الذي جاء لزيارتي في القاهرة في مارس سنة 1963 وظهر بعدها بالحجم الكبير في الوثائق الإسرائيلية، وسَحَبَني معه إلىها دون أن أدري حتى وَصَلَت هذه الوثائق الإسرائيلية إلى يدي ومَشَت عيناي على سطورها![ ........................ ........................ 11 السر وصل »دِنيس هاملتون« إلى مصر (يوم 12 مارس 1963) ومعه زوجته »أوليف« ضيوفاً علىنا، وبَقِيا معنا في القاهرة أياماً ثم أبدى »دِنيس« رغبته في زيارة الأقصر وأسوان بظن أنه هناك قادر على أن »ينام في الشمس« أياماً بغير أن يقاطعه أحد أو يستولي علىه خبر! ولم نستطع أن نذهب معهما لشواغل ألَحَّت. وبعد قرابة الأسبوع عادا، وطلب »دِنيس« مقابلة »جمال عبد الناصر«. ولم يدهشني طلبه رغم أنه جاء إلى مصر في زيارة شخصية، وتقديري أن »دِنيس« حتى وإن لم يكن صحافياً كاتباً فإنه كصحافي »يُدير« يحتاج دائماً أن يكون صحافياً »عارفاً«، كما يحتاج إلى صلة بصُنّاع الأخبار في العالم، وكانت القاهرة في تلك الأيام مصنعاً من أهم مصانع الأخبار في الشرق والغرب على السواء. ]وهكذا أخَذتُ »دِنيس هاملتون« وذهبنا معاً إلى موعد مع »جمال عبد الناصر« في بيته، وهناك دار حوار عام عن الأوضاع العامة في المنطقة وفي العالم لم يخرج عن المألوف في تلك الأيام، إلى درجة أنني لم أسجل من وقائعه فيما دَوَّنتُ عنه أكثر من سبعة سطور. لكن الوثائق الإسرائيلية أوراق بعد أوراق راحت تقول عن هذا الاجتماع شيئاً آخر بدا لي مُستَوْجِباً للدهشة حين أتيح لي الاطلاع علىه[. ........................ ........................ ويكتب »بن غوريون« في يومياته ما يلي: »اتصل بي إدموند دي روتشيلد من لندن يقول إن دِنيس هاملتون (صديق هيكل المقَرَّب من ناصر) قابل الرئيس المصري وسمع منه قوله إنه »إذا التقى هو وأنا في غرفة واحدة لعِدة ساعات فإنه واثق من أن كل المشاكل القائمة بين مصر وإسرائيل سوف تنتهي إلى حل يرضي الطرفين«. ........................ ........................ ]ولم يكن ذلك ما حدث. كان ما حدث، وقد حدث أمامي وحدث بمشاركتي، هو أن مقابلة »دنيس هاملتون« ل»جمال عبد الناصر« جرت كما أسلفت في الإطار العادي المألوف من قضايا تلك الأيام (تعقيدات الصراع العربي الإسرائيلي العلاقات بين مصر وسوريا والعراق، مع كلام زاد أيامها حول مشروع وحدة فيدرالية مُقتَرَحة بين الثلاثة ثم عن اليمن وعدن والخليج). وغداة المقابلة سافر »دِنيس« و»أوليف« عائدين إلى لندن. ومَرَّت خمسة أيام بالضبط وليس أكثر وفوجئت بتليفون من »دِنيس هاملتون« يقول لي من لندن إنه »قادم إلى القاهرة مساء غد ويريد مقابلتي فور وصوله«، وقلت له إن سيارتي سوف تكون بالمطار في انتظاره لتحمله إلى »الأهرام« (مكتبي) مباشرة. ويدخل »دِنيس« إلى مكتبي فيسألني: »هل المكتب مُؤَمَّن من ناحية الاختراق بالتَسَمُّع؟«. وأرُدُّ علىه بأن »ذلك ما أظنه«. وأضيف »أنني لا أستطيع أن أقطع ولا غيري في أي مكان في العالم بأنه ليس هناك من ينصت إلىه؟«. ويقول »دِنيس«: »إذن نخرج إلى الشارع، فهو »أفضل مكان مأمون«. واقترحت أن نذهب إلى بيتي، ولم ير »دِنيس« أن بيتي أكثر حصانة من مكتبي، وهكذا رحنا حوالى منتصف الليل نتمشى على رصيف كوبري قصر النيل جيئة وذهاباً لمدة أربعين دقيقة، وكان »دِنيس« يروي لي قصة أشبه ما تكون بالقصص البوليسية. سألني: »هل تعرف أين كنت أول أمس قبل أن أطلبك بالتليفون من لندن؟ وأجبتُ بالنفي. قال: »كنت في إسرائيل«! وأبديت دهشتي. وعاد »دِنيس« يؤكد: »نعم، كنت في إسرائيل مخطوفاً تقريباً. وهناك جلست ساعات مع رئيس الوزراء »دافيد بن غوريون« الذي سألني عن مقابلتي معك للرئيس »ناصر«، وسألني عنه، وطلب إليّ أن أنقل رسالة منه إلى الرئيس!«. ورَجَوتُ »دِنيس« أن يتمهل وأن يعود إلى القصة بالتفصيل. وكانت روايته أنه »التقى في اليوم التالي لعودته من القاهرة إلى لندن على غداء بالبارون »إدموند دي روتشيلد«، وعَرَفَ منه »روتشيلد« أنه كان قبل يومين مع »جمال عبد الناصر«، وقد وجه إلىه »روتشيلد« عدة أسئلة »عادية« و»طبيعية« عن المقابلة وما دار فيها، ثم عن شخصية »ناصر« كما رآها، ثم صداقة »ناصر« بي ومدى عمقها«. وفي مساء ذلك اليوم دُهِش »دِنيس هاملتون« حين تلقى اتصالا من البارون »روتشيلد« يرجوه فيه أن ينتظره في بيته على شراب for a drink في الساعة السابعة مساءً. وفي الموعد المحدد جاء البارون »روتشيلد« ولم يجئ وحده وإنما دخل ومعه السفير الإسرائيلي في لندن والملحق العسكري بسفارته. وقال »دِنيس« إنه لدقائق لم يكن قادراً على استيعاب المشهد، ولكن »روتشيلد« شَرَحَ له أنه كان يتحدث تليفونياً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ثم عرض استطرادا إلى ما سمعه من »دِنيس« عن لقائه مع »جمال عبد الناصر«، وإذا »دافيد بن غوريون« يهتم ويسأل عما دار، وما هي التفاصيل، و»هل كان هيكل وحده مع هاملتون أم كان هناك غيره؟. وأبدى »روتشيلد« أنه »هو الآخر« استغرب اهتمام »بن غوريون« إلى هذه الدرجة بلقاء »هاملتون« مع »ناصر«، وأنه عاد بعد أقل من ربع ساعة يطلبه على التليفون ويسأله: »هل يستطيع أن يرسل إلىه دِنيس هاملتون في تل أبيب، فهو يريد أن يلقاه، وأن يلقاه على الفور وكل شيء ما زال »طازجاً«! وقال له »روتشيلد«: إنه »لا يستطيع أن يضع »دِنيس« في طائرة ويشحنه إلى إسرائيل، ولا يستطيع أن يوجه إلىه دعوة باسم رئيس وزرائها«. ورَدَّ علىه »بن غوريون« بأنه »سوف يبعث بتعلىمات إلى سفير إسرائيل في لندن بأن يذهب إلى »دِنيس هاملتون« لإبلاغه بطلب رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يلقاه فوراً، ثم إن طائرة خاصة سوف تجيء إلى لندن في الصباح الباكر غداً لتحمل »دِنيس« إلى إسرائيل«. وقال لي »دِنيس هاملتون« وهو وأنا نتمشي على رصيف كوبري قصر النيل حول منتصف الليل إنه حاول أن يعتذر ل»روتشيلد« وللسفير الإسرائيلي، وكان موجب اعتذاره الرسمي أن »وراءه غداً اجتماعاً هاماً مع نقابة عمال الطباعة في جريدة »الصنداي تيمس«، وهذه النقابة تهدد بالإضراب إذا لم يستجب لمطالبها«. ولكن »روتشيلد« والسفير الإسرائيلي وملحقه العسكري راحوا ثلاثتهم يقنعون رئيس تحرير »الصنداي تيمس« بأن »سلام الشرق الأوسط وسلام العالم« أهم من السلام بين إدارة »الصنداي تيمس« ونقابة عمال الطباعة فيها! واستطرد »دِنيس« ونحن ما زلنا على كوبري قصر النيل يقول إنه »توجه إلى مطار »هيثرو« صباحاً برفقة الملحق العسكري الإسرائيلي في لندن، وعند الظهر كان جالساً على الغداء في بيت رئيس وزراء إسرائيل »دافيد بن غوريون«. وكان ملخص ما قاله له »بن غوريون« أنه »يعتقد أن الوقت مهيأ للبدء في صنع السلام بين مصر وإسرائيل«، وشرح له الأسباب ]وأولها ما يظنه عن مزاج »جمال عبد الناصر« المفعم بالإحباط، وما يعرفه (بن غوريون) من خيبة أمله في كل العرب، والمخاطر التي تهدده (ناصر) من ضغوط من الملوك ومن البعثيين ومن المسلمين المتعصبين، واستعداده (ناصر) نتيجة لذلك أن يركز جهوده كلها على الداخل في مصر، وأن ذلك يجعله مفتوحاً لتقارب مع إسرائيل !![. ثم قال »دِنيس« (ونحن على كوبري قصر النيل ما زلنا) إن »بن غوريون« طلب منه أن يتوجه إلى القاهرة وأن يتحدث معي، وأن يقابل »جمال عبد الناصر« في حضوري ويبلغه أن رئيس وزراء إسرائيل لديه ما يريد قوله له، وكله جديد يختلف عما سمعه »منا في الماضي«، وفيه كثير يهمه »كزعيم ووطني مصري« أن يسمعه، وسوف يكتشف (ناصر) بنفسه »إذا التقينا سِرًّا في أي مكان يختاره، حتى عند »صديقه تيتو« أن أمامه فرصة لا تتناقض مع طموحاته لمصر، بل العكس لعلها تحقق لمصر أكثر مما يحلم به«! واستطرد »دِنيس هاملتون« (على كوبري قصر النيل بعد منتصف الليل) أن »بن غوريون« أراده أن يركب الطائرة من تل أبيب إلى القاهرة رأساً، لكنه خشي أن يطلق المصريون علىها النار إذا لم يكن لديهم علم بمهمتها، وإذا وقع إخطارهم مسبقاً بمجيء الطائرة فقد يشعرون بأن الموضوع مُناوَرة مفتوحة، وأن القصد منه هو الإحراج ولهذا فإنه (بن غوريون) يرجوه (دِنيس) مهما كان في ذلك إرهاق له أن يعود إلىه في المساء ويكون قد فَكَّر في الأمر، ثم يعود بالطائرة الخاصة غداً إلى لندن. ومن هناك ودون انتظار يَتَوَجَّه إلى القاهرة عائداً إلىها في »مُهِمَّة سلام«. وقد كان. وهكذا عاد »دِنيس« إلى القاهرة وقد تَغَيَّرَت صِفَتُه من صديق وصحافي، إلى وسيط سياسي ومبعوث من رئيس وزراء إسرائيل! وسألني »دِنيس« في النهاية: »ما رأيك؟« ولم ينتظر ليسمع جوابي، وإنما استطرد قائلاً: »إن بن غوريون أبدى له وهو يُوَدِّعه مساء في بيته بعد لقائه الثاني معه في يوم واحد أنه بعث برسالة في نفس المعنى إلى »ناصر« عن طريق »تيتو«، لكنه يظن أن رسالته عن طريق »دنيس« وفي حضوري (صديق »ناصر« المقَرَّب) سوف تصل مباشرة، وجهاً لوجه، وبدون مراسم!«[. ........................ ........................ وفي الوثائق الإسرائيلية وفي يومياته يكتب »بن غوريون«: »لسوء الحظ أن دِنيس هاملتون عاد من القاهرة إلى لندن، ثم جاء من لندن ومعه روتشيلد ليقول إن عبد الناصر رفض ما عرضه علىه، وأن كل محاولاته (محاولات »دِنيس«) لمناقشة تفاصيل رسالتي لم تفلح، وأن ناصر كرر علىه الحجج المألوفة«. ويضيف »بن غوريون«: »خسارة أن تضيع هذه الفرصة الأخيرة. من الواضح أن ناصر غير مستعد لأي اتفاق رغم أنه الأقدر علىه ورغم أن الظروف المحيطة به الآن تجعل اتفاقه معنا أفضل الخيارات المتاحة له«. ........................ ........................ ]والغريب أن الوثائق الإسرائيلية لا تشرح كيف فهم »بن غوريون« من »روتشيلد« ما فهم أو ربما كيف فهم »روتشيلد« من »دِنيس هاملتون« ما نَقَلَه لرئيس الوزراء الإسرائيلي؟[. ........................ ........................ على أنه لم تمض غير أيام على هذه القصة كلها إلا وكان »بن غوريون« قد خرج من رئاسة الوزارة ساخطاً مرة أخرى على كل الناس! وانتقلت المسؤولية منه إلى »ليفي أشكول«. وكان »ليفي أشكول« مُختَلِفاً عن »بن غوريون«. لم يكن دوره في الحركة الصهيونية بناء دولة ولا صياغة نظرية أمن، وإنما كانت مسؤوليته في الوكالة اليهودية وبعد قيام الدولة في مجال توفير وإدارة موارد مياه لازمة لإسرائيل، سواء للمستعمرات الزراعية أو للمدن الصناعية الجديدة. ومع ذلك ففي عهد رئاسة »أشكول« للوزارة تَعَقَّدَت الأمور ووَصَلَت إلى الحرب في يونيو سنة 1967. وكانت مصادر المياه المطلوبة لإسرائيل هي المدخل إلى شلالات الدم التي سالت في ميادين القتال تلك السنة... وعلى نفس المستوى كانت قضية القنبلة النووية الإسرائيلية! ويَتَبَدّى جلياً في الوثائق الإسرائيلية أن »الماء« و»القنبلة« معاً هما العنصران الرئيسيان في تحديد موعد الحرب سنة 1967. ........................ ........................ وتواصل الوثائق الإسرائيلية عرض خفاياها، كاشفة من الضفة الأخرى مَشهَداً مختلفاً، وموقع نظر مغايراً يستحق الذهاب إلىه والوقوف عنده بعض الوقت دون أن يكون الوقوف زماناً ضائعاً!