As Safir Logo
المصدر:

الخرزة الزرقاء.. تقليد شعبي من ذاكرة الشام العتيقة

محل يبيع أشكالاً متعددة من الخرزات الزرقاء في سوق القباقبية
المؤلف: علي سناء التاريخ: 2014-06-26 رقم العدد:12806

دمشق ـ سناء علي «العين تأخذ حقها من الحجر... هذا أصل القصة»، يقول أحد الباعة، فـ«الخرزة الزرقاء» هي من حكايات الشام العتيقة، وتقليد شعبي من ذاكرة السكان، يعتقدون به أن حجراً صغيراً بلون الفيروز الأزرق يقي من الحسد والعين الشريرة. هي خرافة لا يزال الاعتقاد بها سائداً إلى يومنا هذا. وفي رحلة قصيرة إلى عمق دمشق القديمة، لا بد من أن تمر بسوق صغيرة نسبياً، خصصت مساحة كبيرة من معروضاتها لتلك التمائم، ويكسو أزرق الأحجار واجهاتها الزجاجية ورفوفها... إنها «سوق القباقبية». لهذه الأحجار على اختلاف أشكالها وصورها ومقاساتها حكايات مرتبطة بخرافات قديمة جداً. فعلى سبيل المثال، هناك من يشتري الأحجار التي نحتت على شكل فيل، لأن خرطومه المرفوع نحو الأعلى يوحي بحالة تعبّد وشكر للخالق. أما الكف الذي تتوسطه عين زرقاء، فهو لرد الحسد من العين الشريرة. في المقابل، يشتري زبائن آخرون التمائم الزرقاء للزينة لا أكثر، أو ربما لرأي شخصيّ في الموضوع. ومن وجهة نظر رنا، السيدة السورية التي كانت تتجول في السوق لتختار «خرزة زرقاء» تزين بها دارها، فإنّ لون الفيروز الأزرق تحديداً «يملك طاقة إيجابية تحصّن الشخص الذي يحمله من هالة الموجات السلبية التي قد يرسلها مكان أو شخص ما». أما المعتصم بالله فله رأي يلتقي في مكان ما، مع حكاية رنا، لكنه يأخذ منحىً مختلفاً بعض الشيء، يتخطى الحكاية الشعبية، إلى الاعتقاد بالماورائيات والطاقات الخفية التي قد تؤثر في الإنسان، من دون أن يملك لها تفسيراً منطقياً أو علمياً أحياناً. «لونها مريح لعين الناظر، وأحب أن أراها على أيدي الأطفال، ليس لإيماني أن الخرزة الزرقاء تملك قدرة على منع الأذى أو الحسد كما هو متعارف شعبياً»، يقول بدوره حيّان، «لكن ذلك تقليد وموروث كان أهلنا قبلنا يتبعونه، فنقلناه عنهم، كما فعلنا بكل العادات والتقاليد الأخرى». وللون الأزرق تاريخ فرعونيّ، حسبما تروي الأساطير، فهو مرتبط بزرقة السماء التي تسبح فيها الشمس (رمز الإله رع عند المصريين القدماء)، وتعيش فيها الآلهة وتحمي الإنسان وتباركه، وهو يخطف العين ويشد انتباهها، فيأخذ بالتالي شر عين الحاسد. أما الفيروز فقوته تستمد من الطبيعة المأخوذ منها، ويحتوي على طاقة مغناطيسية قوية تشد العين. من هنا، يوافق رأي خبراء الألوان والطاقة في الأزرق النظرة العامة، فهو «أفضل الألوان التي توحي بالهدوء والاسترخاء، وهو لون بارد يفيد كثيراً في الإقلال من التوتر العصبي، لأنه يخفض من الموجات التي تنشط الدماغ، كما أنه يوحي بالطمأنينة والسلام». وفي سوق القباقبية، تغرق العين في الأزرق الذي يزين أبواب المحلات القديمة. وبالعودة إلى السوق، فإنّ تسميتها تعود إلى ماض كانت فيه صناعة القبقاب الدمشقي الشهير مزدهرة في هذا المكان المتنوع حالياً. وتمتد سوق «القباقبية» من الغرب إلى الشرق مسايرة في امتدادها الجدار الجنوبي للجامع الأموي، ويعود إنشاؤها إلى العهد المملوكي، إذ كان الباعة متخصصون بصنع «القباقيب» الشامية المعروفة بصوتها المميز على الأرض، وبالصناديق المطعمة بالصدف. ولكن حالياً، تغيرت مهن هذه السوق، واستغل أصحاب المحلات كثرة عدد السياح الذين يتوافدون إلى المكان يومياً، كونه ملتقى للطرق الواصلة بين سوق الحميدية وأحياء دمشق القديمة خاصة حارة النوفرة، حيث يوجد مقهى النوفرة الشهير وحارة القيمرية، التي تحوّلت معظم بيوتها القديمة إلى مقاهٍ وكافيتريات ومطاعم وصالات عرض للفنانين التشكيليين. هكذا، بدأ تجار سوق «القباقبية» بعرض منتجات محلية طريفة لجذب السياح، منها مجسمات لكراسي القش وطرابيش دمشقية، ومرايا وصناديق خشب مطعمة بالصدف، بالإضافة إلى الخرزات الزرقاء بأشكال وأحجام مختلفة ومميزة، وقطع لتزيين المنازل، كمزهريات الرمل المرسوم داخلها مناظر طبيعية. وفي المكان الذي تفوح منه رائحة دمشق القديمة، محلات لبيع المنتجات الفضية والنحاسية، ومحلات بيع وشراء «الأنتيكا»، وأشياء نادرة جداً أخرى لا يمكن للباحث عنها إلا أن يجدها في سوق «القباقبية».

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة