الفنان هو الإله الذي لا يصدر أحكاماً
فريبرز عرب نيا هو من بين الممثلين الأشهر والأعلى أجرا في ايران. بدأ التمثيل السينمائي مع بداية تسعينيات القرن الماضي وعرفه العالم العربي في العام 2010 من خلال أدائه دور البطولة في المسلسل الإيراني التاريخي «المختار الثقفي». هنا نص مقابلة أجريناها معه: ^ لنبدأ من آخر دور لعبته في السينما وهو دور مصطفى شمران في فيلم «Tche» (نسبة إلى اللفظة الفارسية للاسم، تشمران)، وقد أزيل الفيلم من الصالات الإيرانية بداية هذا الشهر بعد عرض دام ثلاثة أشهر. الشخصية معروفة من الإيرانيين واللبنانيين على حد سواء، ما الذي اكتشفته عن هذا الشخص وأنت تقوم ببحثك لأداء شخصيته؟ ـ أول وأهم شيء يمكنني أن أقوله عن شمران هو أنّه لم يكن شخصاً عاديا بل كان صاحب شخصية معقّدة وعميقة. هناك حقائق عدّة مرتبطة به، مثلاً كونه نابغة في العلوم الفيزيائية والرياضية وفي الوقت ذاته كان «عارفاً»، رجل حقيقة. وطبعاً هذا بغضّ النظر عن الحقائق الأخرى حول حياته الشخصية والعائلية. لكن من غير الممكن أن نقول أو نعرض كل تعقيدات الشخصية، عندما نصنع فيلماً حول شخص مثل شمران، لذا علينا اختيار التركيز على شيء واحد أو أشياء معيّنة في شخصيته. لكن الأشياء التي اختار الفيلم أن يقولها عن الشخصية، ليست تلك التي أؤمن بأنه يجب قولها أو لم تعرض بالطريقة التي كنت أودّ قولها بها، لذا أنا للأسف غير راض عن الفيلم. ^ أنت الآن تخوض تجربة إخراجية مع مسلسل تلفزيوني يحمل عنوان «لون الشك»، لو كنت مخرج «Tche»، كيف كنت لتروي القصة، بعد أن اختار مخـــــرجها ابراهيم حاتمي كــــيا أن ينحاز إلى الجزء من حياة شمران المتعلق بالدور الذي لعبه الأخير كوسيط في محاولة إخماد الثورة المسلحة التي قادها الأكراد في ايران للانفصال، عام 1979؟ ـ أفضل عدم الخوض في الموضوع. برأيي تمّ تصوير هذا الفيلم من وجهة نظر واحدة، لكن عندما نريد أن نصنع فيلما، خاصة إذا كان حول شخص مثل شمران، يجب أن نصوّره من عدّة زوايا أو وجهات نظر. هذا الفيلم لم ينجح بفعل ذلك ولهذا السبب أفضل فعلا عدم الحديث عنه. ^ حسناً لنتحدث إذاً عن الدور الذي قدّمك وشهرك في العالم العربي، المختار الثقفي في «مختار نامه». تاريخياً شخصية المختار الثقفي هي شخصية جدلية، لكن حين قدّمت الدور أصبح ذاك البطل في مخيّلة الناس. هل تشعر بالمسؤولية، خاصة حين تؤدي دور شخصية تاريخية، حيال الصورة والأفكار التي تخلّفها حول الشخصية أم أنك تنظر فقط إلى العمل على أنّه سيناريو وعمل فني جيد؟ ـ هذا سؤال صعب لأنه يقود إلى أماكن حساسة جدا. لكن التمثيل كما أعرفه أو أحبه هو ليس حول المسؤوليات، هو فقط متعلق بالحرية والنقاء. نحن كممثلين حين نؤدي دورا، لسنا نحكم على الشخصية أو نحبها أو نكرهها، يجب علينا فقط أن نعرفها، وإذا كنت ممثلاً جيداً أقدّم شخصية بشكل جيد وبطريقة لا تشي بأي حكم من قبلي عليها، لأتيح بذلك للجمهور أن يتعرف الى الشخصية أو على الأقل أن تنتابه الحشرية حولها. وهذا هو التمثيل.عندما نشاهد ممثلين كبارا مثل دانيل داي لويس وروبرت دي نيرو أو كايت بلانشيت وغيرهم يمثلون، إنّهم لا يحكمون على الشخصية، بالتالي الجمهور لا يمكنه أن يحكم عليها. عليهم فقط أن يشاهدوا، وبعد ذلك يمكنهم أن يروا الجانب العاقل كما ذلك المظلم من الشخصية ومجددا هذا هو التمثيل. إذا كنت تشعر بمسؤولية إقناع الناس بجانب معيّن من الشخصية، فهذا ليس تمثيلاً، هذه سياسة. على كل حال هذا ليس التمثيل كما أفهمه. ^ هل هذا يشبه مثلا كون الفريق الإيراني يشارك اليوم في كأس العالم، والعالم يرى الموضوع من المنظار السياسي؟ الرياضة مثال جيد، خاصة كرة القدم إنها تشبه السينما. نحن لا نحكم على الرياضيين إنّهم فقط يلعبون. إذا استمتعنا بالمباراة، يكونون قد قدّموا ما عليهم وإذا فكّرنا بأي شيء غير متعة اللعبة فهذا خطأ كبير. ـ عادة في كثير من دول المنطقة يخاف الممثل من لعب أدوار الشرّ. وقد حصل جدال كهذا أيضاً في إيران. كيف تنظر إلى هذا الموضوع؟ حسناً، لنتحدث عن أداء أدوار الشرّ في السينما. عندما نتحدث عن الجانب المظلم من العالم، الظلال، يجب أن لا ننسى أنّها جزء من هذا العالم، جزء من الله. إن كنّا نهمل هذا الجانب، أو لا نستطيع أن نراه فإذاً نحن نخسر الكثير. نخسر جزءا مهما جدا من الله، العالم، ومن الطبيعة والروح البشرية. لكن لنقل إنّ لعب هذه الأدوار، النابعة من الجانب المظلم من العقل، هو أمر غاية في الصعوبة لكنه ممتع جدا في الوقت ذاته، لأنها تخوّلنا أن نمثّل أحداثاً لن نعيشها على الأرجح. لكن يصعب لعب هذه الأدوار في دول تعطي هذه الأهميّة لما هو صحّ وما هو خطأ وفيها هذا القدر من التابوهات. في هذه الدول يصبح مشاهدة الجانب المظلم من الخلق، مخيفا بعض الشيء للناس. ^ من يشاهد فيلمك «شوكران» قد يستغرب جرأة الموضوع بالنسبة إلى السينما الإيرانية، خاصة أنّه أنتج في العام 1998. انها امرأة تعبّر، لرجل متزوج، عن رغبتها بعلاقة جنسية، ما يقود إلى إجرائهما عقد متعة بسبب تديّن الرجل. لكن هناك من يقول أيضاً انّ عهد الرئيس خاتمي عرف بتساهل الرقابة مع السينما. كيف تلقّى الجمهور والرقابة على حد سواء الفيلم؟ ـ الحديث عن «شوكران» أو أفلام كهذه يتطلّب بعض المعرفة بالثقافة والمجتمع الإيرانيين. هناك دول قليلة في العالم تسمح بالزواج من امرأتين أو ثلاث، لذا يصعب فهم هذا الأمر على الكثير من الناس. لكن في إيران هذه المواضيع والأفلام ليست بهذه الغرابة بما أنّ الناس يعيشون هذه الحالات في مجتمعهم وحياتهم اليومية. لكنني أفضّل أن أرى الفيلم كعالم خاص، عالم فريد من نوعه، وإن المخرجين والكتّاب كما الممثلون والممثلات يصنعون هذا العالم. عالمهم له قواعده، التي يمكن أن تكون جيدة أو سيئة، صحيحة أو خاطئة لكنه يصبح فريداً من نوعه إن كان فيلماً جيداً ومحبوكاً بعناية. لا أحبّذ أن نشاهد فيلماً على أنّه نواة عالم آخر، هو عالم بحدّ ذاته لنسبح ونستمتع به. أعتقد أنّ «شوكران» كان أحد هذه الأفلام المحبوكة جيداً. ^ وكيف تتغيّر أحوال السينما بين الحكومات المتعاقبة بين إصلاحيين ومحافظين؟ ـ أعتقد أو أؤمن بأنّ الفن هو أعلى شأناً بكثير من السياسة أو أي شيء آخر. لأنّ الفن هو الشعور بالله ومحاولة إظهاره. السياسة والسياسيون لا يتصرّفون بهذه الطريقة، يريدون غزو الله، غزو العالم. وللأسف ليس هناك من طريقة لفعل ذلك سوى بالتدمير. لكن الفن ليس كذلك. بالنسبة إليّ، الفن هو أجمل جانب في عقل الإنسان وروحه، هو المحاولة لنشبه الله. عندما ننظر إلى العالم، نرى أنّ كل شيء فيه له الحق بالوجود، من دون أن نحكم عليه. حتى القاتل له الحق بالوجود. الله لا يقتله لأنه ارتكب جريمة، لكن مع ذلك هناك قواعد معيّنة، فإذا قمت بسلب حياة أحدهم، فعليك تحمّل مسؤولية العيش بالطريقة التي اخترتها. لكن الله لا يحاكم أحداً، وأعتقد أنّ الفنان الحقيقي يحاول الاقتراب من هذه الصورة الإلهية. ^ سؤالي الأخير هو لم برأيك نجحت الدراما التركيّة بغزو المنطقة بينما لم تستطع بعد الدراما الإيرانية فعل ذلك؟ ـ هناك عوامل عديدة مؤثرة في الموضوع، لكنني في الحقيقة لا أعتقد أنّ المسلسلات التركيّة، هي مثلاً، اليوم، أفضل أو أكثر انتشاراً من المسلسلات الكوريّة أو العربية. هناك اختلافات ثقافية كبيرة بين البلدان، كما انّ الجمهور يختلف كثيراً بين الهند والدول العربية مثلا. لكن العالم لا ينفك يصبح أصغر بسبب الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، والجمهور لديه اليوم خيارات أكثر بكثير ممّا كان لديه قبل 10 أو 15 سنة. لذلك أسوأ ما يفعله صانعو الدراما أو حتى السينما اليوم، هو أنّهم وهم يحاولون الوصول إلى ثقافات وشعوب مختلفة، يجعلونها متشابهة. وهذا ليس أمراً جيدا على الإطلاق. لأنّ كل شيء في العالم له خاصّيته وشكله المختلف ونحن إذا كنّا كسياسيين أو فنانين نحاول جعل الثقافات المختلفة متشابهة، فهذا أمر خطير جداً. أجرت الحوار: زينب مرعي (طهران)