دمشق ـ سناء علي من ضجيج الشارع، ومن صخب المدينة الذي لا يهدأ طوال النهار، تدخل من باب من أبواب دمشق القديمة، لتشعر وكأنك انتقلت من زمن إلى آخر، إلى عالم آخر ملؤه الخصوصية، وإن كان هو بحد ذاته «مكان عام». في أول سوق «ساروجا»، مقابل سوق «الخجا» الواقع في نهاية جسر «الثورة»، يجذبك بناء دمشقيّ عتيق، بنوافذ عالية ونباتات زينة تحرس مدخله الجانبي. في داخل ذلك العالم الذكوريّ البحت، نستعلم من «أبو الكرم» عن حمّامه «الخانجي». الحمام مرتّب بدون تكلّف، تتوزع في أرجائه تحفٌ وشرقيات يعود بعضها إلى مئات السنين، وتتماهى في معالمه روح القدم الأصيل مع زينة الحداثة العصرية. يقول أبو الكرم، صاحب الحمام، إن «البعض يعتقد أن زمن حمامات السوق قد انتهى، لكن هذه المفردة التاريخية هي جزء من الذاكرة الدمشقية التي يجب أن تبقى حية، وهذا ما حاولت جاهداً أن أكون وفياً له». ويتابع أبو الكرم حديثه بمتعة واضحة على وجهه: «هنا في الحمام، حديث السياسة ممنوع، وكل الزبائن متساوون في الأهمية، وأحاول توفير كل وسائل الراحة الممكنة للزبائن من تسلية ومشروبات وطرب وجلسات سمر، ليس لغاية ربحية، إنما حباً بهذا التقليد الشعبي من جهة، ورغبة في التخفيف عن زوّاري بعض أعباء الحياة التي نقاسيها هذه الأيام من جهة أخرى، ورأس مالي النظافة، وإرضاء الزبائن، والاحترام المتبادل». زبائن الحمّام من جميع البيئات والانتماءات والطبقات الاجتماعية. ومن الذين حضروا الحديث، يندفع يوسف ليروي أسباب مجيئه إلى الحمام. يقول الشاب، مرتدياً لباس الحمام الذي يلفه حوله: «أنا شرطيّ، مهجّر، ومكان عملي لا يتيح لي الحصول على النظافة التي أحتاجها، لذا آتي إلى حمام السوق، وأنا زبون أبو الكرم منذ ثلاث سنوات، هنا تحصل على بعض الرفاهية الإنسانية البسيطة، فتخرج وفي داخلك شعور بالسكينة الروحية». ونسأل العم أبو محمد، وهو أحد الزبائن أيضاً، عن سبب مواظبته على ارتياد حمّام السوق، فيجيب بأن هذا المكان يحيي في داخله «ذكريات أيام مضت»، ويبقيه «على صلة بدمشق» التي عاشها مع آبائه وأجداده. في زمن مضى، كان «حمام السوق» تقليداً شعبياً، وجزءاً من النسيج العمراني الذي لا غنى عنه في حارات دمشق القديمة، ولطالما نقلت بعض مسلسلات البيئة الشامية صورة صادقة عن هيكلية الحمام من الداخل، لكن تبقى العين قارئة أصدق وأمتع لصاحبها. ويعود «الحمام الخانجي» إلى العهد المملوكي، ويقارب عمره الـ 572 عاماً، وهو لا يختلف في تصميمه وتوزيع مقصوراته من الداخل، عن النمط المعروف عموماً لحمامات السوق، إلا أنه يمتاز عنها بركن مجهز بوسائل تسلية وجهاز تلفاز، وجهاز تسجيل موسيقي تنبعث منه أغان طربية، ليشبه في كينونته غرفة منزل عادية يشعر فيها الزبون وكأنه في بيته. ويدخل الزبون إلى الحمام، ليقوم أولاً بتفريغ محتوى ملابسه في خزنة للأمانات، ثم يتوجه إلى «المصطبة»، وهي مكان مرتفع نسبياً عن أرض الحمام، حيث يحصل على لوازمه وحاجياته الشخصية، يساعده في ذلك «المصطبجي»، ليدخل بعدها إلى مقصورة الحمام أو ما يعرف بالـ«الجواني». بعد الانتهاء، يعود إلى مقصورة أقل حرارة من «الجواني» تسمى «الوسطاني»، حتى لا يتعرض الزبون لأذى التغير المفاجئ في حرارة الجسد، ثم يرجع إلى «المصطبجي» ليستلم «الكسوة»، وهي عبارة عن مناشف جديدة عوضاً عن تلك المبللة. وقديماً في دمشق، لم تكن الحمامات موجودة في البيوت، لذا كان لزاماً أن يتواجد الحمام الشعبي في كل حارة. ولكن، ومع التطور العمراني، بدأ هذا التقليد يتلاشى، ليقتصر على بعض الحمامات التراثية التي احتفظت بأصالة الروح الدمشقية القديمة. ومن حمامات دمشق الشهيرة، هناك «حمام الملك الظاهر» الواقع بجانب المكتبة الظاهرية، والذي يعود بناؤه إلى مئات السنين، ويتميز أيضاً بزخارفه الجميلة وعمارته التراثية. وهناك «حمام الورد» الواقع في وسط سوق «ساروجة» خارج سور المدينة القديمة، وحمام «الجوزة» في حارة جوزة الحدبا في ساروجة، والمقابل لمقاهي ساروجة الشهيرة، وهناك أيضاً «حمام العفيف» الذي كتبت على لوحة في مدخله عبارة: «من يطلب العافية من رب لطيف، فليقصد حمام العفيف»... ومن حمامات دمشق أيضا «حمام السروجي» في حي الشاغور، و«حمام الشيخ حسن» في منطقة السويقة، و«حمام عز الدين» في منطقة باب سريجة التاريخية التي ترتبط بمنطقة باب الجابية. ومن الحمامات المعروفة أيضاً، «حمام القرماني» قرب ساحة المرجة الشهيرة، وفي حي العمارة القديم داخل السور هناك «حمام أمونة». أما حمامات منطقة باب توما الشهيرة، فهناك «حمام البكري» مقابل فندق بيت المملوكة، و«حمام الشيخ رسلان» في حارة الجوزة، وعمره يتجاوز الـ800 سنة، أما «الخانجي»، فكلمة فارسية تركية، وتعني صاحب الخان أو مالكه. وعلاوة على جمال تصاميمها، وعراقة ماضيها، وكونها إحدى أهم المعالم السياحية التي تجذب زوار دمشق، تلعب هذه المرافق اليوم دوراً جديداً يتمثل في كــــونها ملاذاً للتخلص من ضغوط الحياة اليومية التي تحاصرها تفاصيل الحرب، ووسيلة لأولئك المهجرين والنازحين الذين أجــبرتهم الأحداث على الخروج من مدنهم أو بيوتهم للحصول على النظافة وبعض السكينة، كما استعادت الحمامات بعض الحنين لعادات وطقوس الماضي الجميل كإقامة الأعراس الشعبية، وملتقى للأصدقاء. وإذا كان «حمام السوق» صنف من الرفاهية الشعبية البسيطة، أو مجرد طقس متوارث يذكّر بالآباء والأجداد، لكنه يبقى «حاجة» تقتضي البحث بجديّة في وسائل لإعادة تفعيل هذا المرفق التراثي والاجتماعي والشعبي الأصيل. أليس كل من قال: «نعيم الدنيا... حمام» صدق؟