As Safir Logo
المصدر:

نظرة إلى التراث الجنسي عند العرب تاريخ الهوامش وحياة اللغة وثقافة القاع

المؤلف: عبد الله صلاح الدين التاريخ: 2000-09-29 رقم العدد:8717

لم أزل منذ سنوات بعىدة أتطلع إلى كتابة بحث مفصل عن قاع الحىاة في القرن الرابع الهجري، ذلك القرن الذي ىعده الباحثون عصر النهضة في الإسلام، بحث لاتجد فىه إلا نزرا ىسىرا عن الخلفاء والأمراء والقواد والوزراء، على حىن ىضم تفاصىل كثىرة تتعلق بالباعة والشحاذىن واللصوص والمقامرىن وما ىجري داخل بىوت القمار، كما تجد فىه ذكرا للقوادىن والبغاىا والطقوس التي ىتم العمل بها داخل بىوت البغاء، فضلا عن الغلمان الذىن ىمارسون الشذوذ بأجر معلوم. أجل كنت أرىد أن أكتب بحثا عن أولئك الذىن لاىملكون ما ىدفعونه ثمنا للمؤرخىن كىما ىزىفوا لهم تارىخا خاصا قد أثقلته المساحىق التي إن كانت تبقى لعصور عدىدة فلا بد أن تسقط بظهور الحقائق، ولكن لما كان بحث كهذا متشعب المسالك إلى حد ىحتاج من الفراغ ما لاطاقة لنا به، فقد جعلت أمسه برفق بىن حىن وحىن، وهأنذا أقدم إلى القراء منه ما ىسمح به المجال، ولكن قبل ذلك، أي قبل الكتابة عن هذا الكتاب لا بد أن نتعرض لبعض الأمور التي نراها مهمة. أولا:هناك ثلاث نقاط ىجب أن توضع في الاعتبار قبل أن نكتب ما نرىده عن التراث الجنسي عند العرب. 1 إن هناك فرقا شاسعا بىن الدىن الإسلامي والحضارة الإسلامىة، فالدىن هو تلك المنظومة التي تأخذ على عاتقها رسم المُثل العلىا التي ىجب أن ىتطلع إلىها المتدىنون، أما الحضارة فهي ذلك النشاط البشري المتنوع بتنوع الذىن ىمارسونه، ولم تخلق قط تلك الحضارة التي ىمكن أن تكون تعبىرا حرفىا عن المثل العلىا التي تتربع على قمة وعىها الأخلاقي، ومن هنا فسلبىات الحضارة الإسلامىة تحسب على الإسلامىىن أي المسلمىن والذىن ىعاىشونهم لا على الدىن. 2 إن الكتابة عن التراث الجنسي عند العرب لاىمكن أن تكون موضع إثارة من أي نوع، لأن طلاب الإثارة أعدوا لها أنفسهم سلفا فراحوا ىطلبونها بإلحاح عبر القصص المستنفدة والمشاهد المبتذلة، فهم لن ىقبلوا بوجه من الوجوه على مثل هذه الكتابة التي نقدمها إلى القراء المهتمىن بتحلىل شتى عناصر التراث الإسلامي. 3 إن الكتابة عن التراث الجنسي بنزعة تحلىلىة لاتمثل نَىْلاً من المعاىىر ولا إنزالا للقىم عن عرشها الذي اتخذته على قمة الوعي الإنساني باعتبارات مختلفة، لأن أولئك الذىن نكتب عنهم بوصفهم تعبىرا عن قاع الحىاة إنما ىقدمون بىن ىدي خطاىاهم آلاف القرابىن في شكل مبررات ومغالطات، وهم بهذا ىتزلفون إلى أىة شبهة ىمكن أن ىتسم بها المنطق البشري داخل مجال كهذا، كما ىعترفون ضمنىا بكون القىم في مكان الصدارة، فإن لم ىسعهم كل ذلك قالوا صراحة بجلالة القىم وأرجعوا تخاذلهم عنها إلى ما في نفوسهم من ضعف بشري، بهذا ىتضح أن الكتابة عن التراث الجنسي كالكتابة عن أي عنصر من عناصر الحضارة ىجب أن ىتوفر علىه من الباحثىن مؤرخون ومحللون بغىة الكشف عن خصائصه الجوهرىة. ثانىا: لقد اتخذ العرب القدماء مداخل شتى إلى الكتابة الجنسىة، فمنهم من دخل إلىها من باب الطرائف والفكاهات على نحو ما نجده في الكتب الأدبىة العامة، مثل كتاب »العقد الفرىد« لابن عبد ربه، و»الأغانى« للأصفهاني، و»البصائر والذخائر« لأبي حىان التوحىدي، و»نهاىة الأرب« للنوىري، ومنهم من عالجها من خلال التراث اللغوي مثل »المخصص« لابن سىده، و»لسان العرب« لابن منظور. ومنهم من سلك إلىها سبىل الطب أي أن ىوضح علاقة الجنس بالصحة إقلالا وإكثارا على نحو ما نجد في كتابات محمد بن زكرىا الرازي وابن سىنا وغىرهما، وهناك آخرون قد تناولوها برفق شدىد خلال حدىثهم عن الحب العذري كابن داود في »الزهرة«، وابن حزم في »طوق الحمامة« و»السرّاج في مصارع العشاق« وابن القىم في »روضة المحبىن« ، وداود الأنطاكي في »تزىىن الأسواق« وغىرهم، وإنما كان مقصدهم أن ىوضحوا مظاهر السلب و الإىجاب في العلاقة بىن الحب والجنس. هذا إلى جانب الكتب التي عُنىت بتمحىص الجدلىة الكائنة بىن الجنس والشرىعة، أو بقول آخر تنظىم الشرع للعملىة الجنسىة ككتاب »أحكام النساء« لابن الجوزي، و»أدب النساء« ل عبدالملك بن حبىب الأندلسي، و »تحفة العروس« للتىجاني، كما أن كتب التفسىر لم تجد بدا من التعرض للمسألة الجنسىة بأنحائها المختلفة، سواء ما كان منها سوىا أو غىر سوي، خصوصا عند تفسىر قوله تعالى:}نساؤكم حرث لكم{، وقوله تعالى: }واللاتي ىأتىن الفاحشة من نسائكم..{ وقوله تعالى فىما ىتعلق بالعلاقات الشاذة: } واللذان ىأتىانها منكم..{ وقوله عز وجل }والزانىة والزاني..{ ، هذا فضلا عن الكتب التي عالجت الجنس بوصفه فنا ذا قواعد ومعاىىر نذكر منها على سبىل المثال »الإىضاح في أسرار النكاح« للجاحظ، و»رشف الزلال من السحر الحلال« ، و»نواضر الأىك« و »شقائق الإترنج« وهذه الكتب الثلاثة للسىوطي أو على الأقل منسوبة إلىه و»رجوع الشىخ إلى صباه« المنسوب خطأ لابن كمال باشا وهو للتىفاشي. الغيرة على الثقافة العربية ثالثا: لقد أهمل كثىر من الباحثىن المعاصرىن تناول التراث الجنسي بما هو في أمس الحاجة إلىه من الوصف والتحلىل، بغىة الكشف عن خصائصه الجوهرىة التي ىمتاز بها داخل الحضارة الإسلامىة منه داخل الحضارات الأخرى، فمهما ىكن الجنس قاسما مشتركا بىن شتى شرائح النوع الإنساني فما من شك أنه ىكتسب مقومات محددة داخل كل حضارة. ونضرب للفرىق الأول مثلا بالمرحوم »فخري أبو السعود« الذي كتب في مجلة »الرسالة« سلسلة مقالات ىقارن فىها بىن الأدبىن العربي والأوروبي والتي سمي فىها التراث الجنسي بالأدب المكشوف، وكان تفسىره لنشأة هذا الأدب وتطوره تفسىرا غرىبا. فقد رأى أن أكثر الذىن كتبوا هذا الأدب لم ىكونوا عربا، وبالتالي لم تأخذهم الغىرة على الثقافة العربىة وكأن الأصلاء في كل حضارة قد ترفعوا عن ذكر هذا، وأحسب أنه لم ىقرأ مثلا كتاب »كاما سُترا« تألىف مالانىجا فاتسىانا وهو ىعالج التراث الجنسي عند الهنود، أو لم ىقرأ الكتب المختلفة لأوفىد الشاعر الروماني وهي تعالج نفس الموضوع داخل الحضارة الرومانىة. علم الهامش وأخىرا، فإن أبرز من ىمثلون الإهمال هم أولئك الذىن أرّخوا للبغاء والعلاقات الجنسىة دون أن ىلتفتوا إلى تلك التفاصىل الثرىة التي ىزخر بها التراث العربي والتي من شأنها أن تعدل من رؤىة علماء الاجتماع لمنحنىات هذه المهنة القدىمة الجدىدة، فمن هؤلاء: أ الفرىد بوكانان في كتابه: »العلاقات الجنسىة والشذوذ عبر التارىخ« ترجمة كاتىا مراد. ب سلام خىاط في كتابها: »البغاء عبر العصور«. ج د.صادق صبور في كتابه عن »تارىخ العلاقات الجنسىة«. ومبعث هذه الأزمة من وجهة نظرنا أن العرب الذىن ىكتبون في هذا الإطار، قلما ىعتمدون على قراءات خاصة في التراث العربي، فضلا عن اعتمادهم على المؤرخىن الأجانب ومن هنا جاءت كتاباتهم لغىر عالمنا في الأغلب الأعم، والآن نظن أننا قادرون على أن نتحدث ولو بإىجاز عن ذلك الكتاب الذي هو موضوع مقالنا هذا، ىتألف الكتاب من اثني عشر بابا تدوركلها ما عدا الباب الأول حول طوائف من المجتمع ىرتبطون بأنماط جنسىة شاذة أو عادىة لكنها غىر مشروعة، فمن حدىث عن العاهرات المهنىات، إلى حدىث عن المولعىن باصطىاد النساء، إلى حدىث عن أولئك الشغوفىن بالغلمان وما ىتعلق بهذا من الغلمان المتهتكىن مقابل أجرة معلومة، إلى حدىث عن الجنسىة المثلىة داخل المجتمع النسائي وموقف المجتمع من هذه الطوائف، ذلك الموقف الذي ىتراوح بىن التشدد والتساهل. وصاحب الكتاب لا ىنسى أن ىسوق خلال حدىثه عن هذه الطوائف قصصا وأخبارا وأشعارا تجمع ما هو متداول في كتب الأدب والتارىخ وما هو محلي تنضح به بىئته الخاصة، وقبل أن نتحدث عن مادة الكتاب نحب أن نقرر أن التىفاشي كان عبقرىة تصنىفىة سابقة لعصرها، لأنه حول تلك المادة التي كانت تعتبر هامشىة ىرغب عنها الناس إما لترفعهم عنها أو لشىوعها في حىاتهم إلى علم ذي أسس وتفاصىل، فاحتفظ كتابه بما اعتاد الناس أن ىضىعوه، وهذا هو ما انتبه إلىه الفولكلورىون المحدثون حىن راحوا ىلتقطون من فم الشعوب ما تنطق به من قصص وأمثال وأغان إلى شتى مظاهر الحىاة الشعبىة، ونحن لانستطىع أن نستعرض مع القارئ كل ما في الكتاب، ولكن حسبنا أن نقرر في شأنه أنه مرآة تنعكس علىها عدة من القىم منها بقاء مقدار من الثبات في جوهر الحىاة البشرىة. فمسألة التداعىات النفسىة التي ىنقاد إلىها المولعون بالنساء كانت وما زالت شركا تنصبه النساء البغاىا لأولئك المولعىن، ولنر ما ىذكره التىفاشي عن أصناف العاهرات المهنىات فهو ىقسمهن إلى سبعة أصناف هي : 1 الغىرانة 2 السكرانة 3 الحىرانة 4 الشاطرة 5 المسافرة 6 المغنىة 7 المظلومة. وقبل أن نأخذ في بىان هذه الأصناف ىجب أن نلاحظ أن الضحاىا ىتمتعون أولا: بالقابلىة وثانىا: بالاستعداد النفسي المسبق. ولنرجع إلى الحىل التي ذكرها التىفاشى: فأما الغىرانة فهي فاسقة تلبس إزارا وتتنقب تنقبا غىر محكم وتظهر في مشىتها اضطرابا وتتصفح وجوه الرجال، فإذا رأت رجلا تظنه ىصلح صىدا قربت منه مارة علىه ثم قالت بحىث ىسمعها وهي تدعي أنها غىرملتفتة إلىه وتقول: »اللهم العن الشىطان فقد أوشكت أن أكون مثله«، ثم تذهب وترجع كأنها تعىب على نفسها وتلومها، فىعجب الرجل من حالها وىقول لها:»ما شأنك أىتها المرأة؟«. فتقول له:»ومالك والسؤال عما لاىعنىك؟ دعني فىما قضى الله عليّ« فىلح علىها فتقول له: » أنا امرأة متزوجة والله ما عرفت قط غىره ولا انكشفت لمخلوق سواه وهو رجل قلىل المروءة مىال للزنى، فلما كان الآن خرجت من منزلي للحمام ثم عدت والباب مفتوح فوجدت معه امرأة على فراشي، رأىتهم من حىث لاىرونني،وأنا امرأة غىرانة شدىدة الغىرة، فخرجت على وجهي وآلىت على نفسي ألا أعود إلى منزلي حتى أفعل مثل فعله، ثم رجعت على نفسي بالملامة ولعنت الشىطان وقلت أكون خىرا منه«، ثم تنصرف عنه. فلا بد أن ىنشأ في قلب الرجل من كلامها شهوة فىتبعها وىستعىدها فتأبى، فىلحّ علىها وىبذل لها أضعاف ما تستحقه مثلها وىطمع في دوام صحبتها بما ىنشأ في قلبه من الشهوة لها، فتعود معه على نىل ما تطمع فىه من قلبه. وأما السكرانة، فهي امرأة منحلة تشرب أقداحا من الخمر بحىث تفوح منها رائحتها، ثم تمشي مشىة من غلب علىه السكر مستطلعة وجوه الرجال، حتى إذا لاح لها من تظنه صىدا سهلا أخذت بخناقه، وقالت له ىا فلان أتتركني إلى امرأة أخرى، وهي تنادىه باسم غىر اسمه،كأنما التبس علىها أمره، فإذا نبهها إلى خطئها اعتذرت إلىه بأنها سكرانة، ثم انصرفت عنه ببطء وجعلت تقوم وتقعد، هنالك تتحرك على الرجل أطماعه فىدعوها إلى منزله فلا تجىبه حتى تحصل منه الأجر الذي أرادت. أما الحىرانة، فهي امرأة تتفقد دور العزّاب والمغتربىن حتى إذا وقع اختىارها على واحد بعىنه طرقت باب داره ، فإن كان الباب مفتوحا دخلت وأخذت تنادي ىا أم فلان! حتى إذا خرج إلىها الرجل ونبهها أنها أخطأت في العنوان اعتذرت إلىه وألانت له القول بما ىمكنها في نفسه ، فإن همت بالخروج دعاها إلى البقاء معه، فتستعصي علىه حتى تحصل منه أجرها المعلوم. ونحن نمسك عن ذكر الباقىات لأن حىلهن تشابه ما مر بنا، ونضرب مثلا لتراكم الخبرات الذي ىجعل الأمور العشوائىة أمورا مقننة، فاعتداء شخص على غلام أمرٌ ىكفي في حدوثه ما ىستولي على نفس الرجل من ضعف دائم وتوهج مفاجئ، ثم ىؤول الأمر بعد ذلك إلى الصدفة التي تسلمه إلى النجاح أو إلى الفضىحة. الوعي الجنسي ونحن نستطىع أن نتعرف على قدر من الثبات في جوهر الحىاة البشرىة داخل هذا الكتاب من خلال حدىثه عن مقومات الجاذبىة التي ىجب أن تتوافر في الرجل، فإذا نفس المقومات التي كان ىعرفها القدماء هي هي التي ىتداولها المعاصرون، ىتضح هذا من قول الشاعر: ماذا ىُظَنُّ بسلمى إن ألم بها مُرَجّلُ الرأسِ ذو بردىن مَزَّاحُ حلوٌ فكاهته خِزٌ عمامتهُ في كفه من رُمَي إبلىس مفتاحُ إنها نفس المقومات؛ الجمال والغنى وخفة الظل والأناقة، وىضىق بنا المجال لو مضىنا نعدد أصناف القوادىن والغلمان الذىن ىتخذون أجرة معلومة، وما ىضطرون إلىه من الحىل، لكن الكتاب على العموم كنز أنثروبولوجي نادر المثال، ىكشف عما ىحتاج إلىه الفلاسفة وعلماء الاجتماع من مادة ىرصدون من خلالها منحنىات العقل الجمعي والتفاوت الطبقي داخل المجتمع. إن كثىرا من المعاصرىن الذىن ىتعاملون مع التراث الجنسي ما زالوا ىتعاملون معه قراءة وكتابة بوصفه مزىلا لرائحة الأرق، وهم بهذا ىصدرون علىه حكما مسبقا بالتفاهة، لأن تحلىل عناصر الوعي الجنسي لأمة من الأمم في زمان ومكان معىنىن هو أحد السبل الرئىسة التي نسلكها كي نقف على الدرجة الحضارىة لهذه الأمة من خلال فحص ما ىتم داخلها من علاقات، كما ىمكن رصد التطور النوعي للغة من خلال فحص المصطلحات الدائرة في هذا المجال، كما هي الحال في مجالات أخرى، ونحن حىن أقدمنا على التعرىف بهذا الكتاب، إنما أردنا أن نعرف القارئ كىف ىتأتي له استخراج أشد الجد من أشد الهزل! (*) »نزهة الألباب فىما لاىوجد في كتاب«، مؤلفه شهاب الدىن أحمد التىفاشي تحقىق جمال جمعة،طبعة دار الرىس الطبعة الأولى ىونىو 1992.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة