قيل مرة »ان هناك حنينا ونزوعا دائما بين العرب للبحث عن بطل«، وربما كان جمال عبد الناصر أشد الشخصيات العربية في التاريخ الحديث والمعاصر اقترابا من شخصية البطل التي سعى اليها العرب من المحيط الى الخليج.. جمال عبد الناصر، مالئ الدنيا وشاغل الناس في حياته وبعد وفاته على مدى أكثر من نصف قرن، كان الشخصية العربية الوحيدة، من بين مائة شخصية اختارتها مجلة »تايم« الاميركية على انها الشخصيات الأكثر تأثيرا من الناحية السياسية في مسار القرن العشرين. وربما كان عبد الناصر أول زعيم عربي تزين صوره أغلفة المجلات الغربية الرئيسية، فهو كان دائما بالنسبة الى الدول الغربية الكبرى عدوها الأول وبالنسبة الى العرب زعيمهم الأوحد، منذ ان أطاحت ثورة 23 يوليو 1952 بحكم أسرة محمد علي، وحتى يوم الثامن والعشرين من أيلول 1970. ثلاثة عقود كاملة مرت على رحيل جمال عبد الناصر، ومع ذلك فإن حضوره ما زال ملموسا في كل مكان على امتداد الساحات العربية، واساسا في اذهان المواطنين العرب الذين رأوا في عبد الناصر وسياساته وشجاعته املا وحلما طالما حنوا ونزعوا اليه. اختيار »التايم« لعبد الناصر كأحد أبرز شخصيات القرن، لا يعتبر شيئا بالنسبة الى حجم ما أثاره عبد الناصر وما طرحه من قضايا، وما خاضه من مواجهات وحروب وما حققه من تنمية، وما تسبب به من تغييرات عالمية واقليمية ومحلية في الفترة ما بين 1952، و1970، عندما رحل مثقل القلب بهموم العرب وخلافاتهم ونزاعاتهم، وبالقلق على القضية الأكبر والأهم، فلسطين. لم يسبق ان نجح زعيم في حشد الناطقين بالعربية خلفه، ربما منذ البدايات الاولى للدولة الاسلامية العربية، ولم يسبق ان أشعر غياب شخص ما، العرب جميعا باليتم والخيبة، أكثر مما فعل غياب الرئيس عبد الناصر. كانت ليلة الثامن والعشرين من أيلول 1970، ليلة مشهودة في تاريخ كل عربي، فكل من عاش تلك الليلة، يذكر حجم الذهول والوجوم والحزن الذي أصاب الامة بأكملها وهي تسمع اذاعة القاهرة تنعي الرئيس والقائد.. خرجت القاهرة بأكملها الى الشوارع ناحبة نادبة، وخرجت معها ومثلها كل المدن والقرى والدساكر العربية.. لا شعور سوى باليتم الأليم والحيرة، لغياب رجل اعتمد عليه الجميع وحملوه ما لا تحتمله الجبال.. بيروت التي سارت خلف عبد الناصر منذ اللحظة الاولى لانطلاق ثورته وخطابه الثوري، كانت بين الأكثر حزنا، وانتفاضا، فلحظة إعلان النبأ في حوالى الساعة التاسعة مساء، اشتعلت اجواء المدينة بطلقات الرصاص، واحتشدت الناس في مختلف الشوارع والاحياء، والجميع غير مصدق.. وكان نهار التاسع والعشرين من أيلول، نهار ألم لم تعش المدينة مثله في تاريخها. كان ذلك الحدث نهاية لما يقرب من السنوات الثلاث من القلق على عبد الناصر الشخص والقائد، بعد حرب العام 1967.. فمنذ ان اعلن عبد الناصر في العاشر من حزيران تحمله المسؤولية عن الهزيمة وعزمه على الاستقالة، والانظار متجهة اليه اكثر من اي وقت آخر.. كان ذلك الامل والرهان احد ابرز الدوافع وراء حرب الاستنزاف في العام 1968، التي انتصرت فيها مصر والعرب وانتصر فيها عبد الناصر، وجرى فيها الرد على الهزيمة، بالتصميم والدم، وكانت بداية التحضير لثأر العبور. لم يكن الناس، عندما فاجأهم نبأ الوفاة، قد استفاقوا بعد من هول إعلان العزم على الاستقالة.. وهو الاعلان الذي أخرج العرب من المحيط الى الخليج من القاهرة وبيروت الى أبعد نقطة يقطنها الناطقون بالعربية للاعلان عن رفض الاستقالة، والتأكيد على السير خلف عبد الناصر وخلف خطاب الكرامة وخطاب الوحدة والتطوير والتحرير.. كان حدث العاشر من حزيران امتحانا لقوة وصلابة علاقة الناس بقائدهم، تلك العلاقة التي قلما شهد التاريخ مثيلا لها، وكان حدث الثامن والعشرين من أيلول، في بعده الآخر، تجديدا للبيعة لسياسات وفكر الشخص الذي ملأ سماء العرب عزة ونخوة واملا على مدى عقدين من الزمان. يختلف الكثيرون بشأن الجذور الفكرية لجمال عبد الناصر، فالبعض يرى ان تأثره الاساسي كان بجماعة »الاخوان المسلمين«، وآخرون يرون ان الاساس في هذه الجذور التأثر بخط »الوفد« والوطنية المصرية، والبعض الآخر، يرى ان التأثير الكبير عليه كان من التيارات والافكار القومية، وآخرون يناقشون في بروز التوجهات الاشتراكية والتأثر بالاشتراكيين اكثر من اي شيء آخر في توجهاته. الا ان عبد الناصر كان مزيجا من كل هذا وغيره، كان من طينة اختصرت توجهات الامة كافة.. هذا التنوع والاتساع، بدأ منذ الايام الاولى لقيام حركة الضباط الاحرار، التي لم تكن ذات خط حزبي محدد، بل كانت كما أرادها زعيمها جمال عبد الناصر، تمثل التيارات المصرية كافة، الاسلاميين والوفديين والقوميين والشيوعيين.. وهو من العوامل التي جعلت الغالبية العظمى من الناس، تشعر منذ اللحظة الاولى بقوة انتمائها للحركة التي قادها عبد الناصر، وقوة انتماء تلك الحركة اليها.. كان عهد عبد الناصر منذ اليوم الاول حتى اليوم الاخير، حركة عمل متواصلة، لتحسين اوضاع الناس وبناء الاقتصاد وتمتين البلد ودوره اقليميا ودوليا وتعزيز الروابط العربية وهدف الوحدة ودعم حركات التحرر. هذا الالتصاق والترابط ما بين القول والعمل كان من أسرار تعلق الناس بعبد الناصر والثورة.. ففي السنة الاولى للثورة، تحقق الاصلاح الزراعي. يقول فكري أباظة في مقال في عدد »الهلال« (تموز 1953) أي بعد سنة من الثورة »أول ثورة فاجأت الجماهير كانت ثورة الاصلاح الزراعي، وتحديد الملكية وتخفيض الايجارات الزراعية وتحديد أجر العامل الزراعي.. لم نكن من أنصار تحديد الملكية على وضعه المعروف فاعتبرناه »طفرة«! او اعتبرناها جرعة دواء، كميتها اكثر من اللازم بكثير. كنا نفضل الضريبة التصاعدية ممزوجة بتحديد الملكية على آجال أطول لتعمر خزانة الدولة وتمتلئ ولتتفادى الثورة التحول الفجائي الخطر الشأن، ولكن للثورة منطقها وهو منطق له وزنه، لسان حالها كان يقول: ان ذلك القطيع من الغنم عانى قرونا وأجيالا، فإن لم يتحرر والسكين حامية أفلتت الفرصة ولم تسنح مرة ثانية فلنترك للتجارب والزمن الحكم على أي المنطقين اصح وابعد نظرا« يضيف »ولا شك ان تخفيض الايجارات الزراعية كان ضربة في الصميم وضربة موفقة كل التوفيق.. »إرفع رأسك يا أخي..« كان لصرخة »إرفع رأسك يا أخي، فقد ولى عهد الاستعباد والاستعمار..« التي أطلقها المارد الاسمر، مفعول السحر على الجمهور العربي.. كانت بمثابة تيار كهربائي سرى على مدى سنوات في أوصال كل فرد عربي، ومنذ العام 1953 تتابعت المشاهد والمواقع والأيام.. أيام ثورة عبد الناصر.. في العام 1954 كان استئناف العمل الفدائي ضد العدو الصهيوني في غزة، والذي شارك فيه شبان اصبح بعضهم لاحقا قياديين في حركة المقاومة الفلسطينية بمختلف اطرافها وتياراتها. وحمل ذلك العام بداية التحرك للثأر مما أحاق بفلسطين وبمصر وبالعرب في العام 1948. ورد عبد الناصر على الاعتداء الاسرائيلي والمجزرة في مخيم دير البلح، عام 45 بكسر احتكار السلاح، وعقد اول صفقة تسلح مع تشيكوسلوفاكيا، الدولة الاشتراكية آنذاك، ما افقد اسرائيل والغرب صوابهما، وباتت المؤامرات تحاك في العلن والخفاء ضد عبد الناصر.. حتى لاغتياله شخصيا. وكانت صفقة الاسلحة السوفياتية لمصر في 27 ايلول العام 1955، في نفس الفترة التي ضغط فيها الاميركيون على البنك الدولي لمنع تمويل مشروع السد العالي، بعد ان تراجعت واشنطن عن وعدها بتمويل السد الذي سيحمي مصر من الفيضان ومن الجفاف ويسهل تحقيق الثورة الخضراء، باستصلاح اراضي مصر الشاسعة بعيدا عن شريط الوادي.. جبل بنيناه بسواعدنا.. قلت لصديق مصري مرة: »ان ما ينقص مصر هو الجبال، فيها كل شيء ما عدا الجبال«، فرد: »أنت مخطئ لدينا جبل.. إنه السد العالي. بنيناه بأذرعنا وعقولنا، وتحدينا دول العالم الكبرى في بنائه«. كانت الطاقة الكهربائية التي ولدها السد والمياه التي خزنها مفتاح الثورة الصناعية والزراعية التي شهدتها مصر في الخمسينيات والستينيات. وتقول دراسات غربية عن دوافع واسباب عدوان العام 1967، ان من بين ابرز الاهداف كان تدمير القاعدة الصناعية المصرية، ففي ذلك العام بات لدى مصر اكثر من خمسمائة منشأة صناعية كبرى، بما جعلها تتفوق صناعيا على العديد من دول اوروبا، المتوسطة الحجم.. وكان هذا التوجه الصناعي مبعث قلق أساسي لاسرائيل اولا وللعالم الغربي ثانيا، وهذا فسر التركيز الاسرائيلي على تدمير اكبر قدر ممكن من المنشآت الصناعية المدنية وقتل المهندسين والعمال فيها.. ومع ان حرب العام 1967، ومن ثم وفاة الرئيس عبد الناصر أديا الى وقف هذه الانطلاقة الصناعية، إلا أن ما جرى أعطى مصر قطاعا عاما هو من بين الأهم في العالم. وبرغم الانتقادات التي لم تتوقف على مدى سنوات طويلة بعد وفاة عبد الناصر، للقطاع العام وضعف انتاجيته، إلا أن القليل يمكن ان يعارض حقيقة ان هذا القطاع العام كان وما زال ثروة هائلة للدولة المصرية، استخدمتها، حتى عن طريق البيع والتخصيص، من اجل الاستمرار والنجاة من الافلاس. وقد قدرت قيمة القطاع العام في مصر الذي بني في عهد عبد الناصر، بما يزىد عن ستين مليار دولار. ومنذ الأيام الاولى للثورة ركزت على نشر التعليم ومحو الامية، بما لم يسبق له مثيل في تاريخ مصر، وباتت مصر بعد سنوات قليلة »قوة تعليمية« عالمية، تزود مختلف الدول العربية والافريقية والاسيوية بالأساتذة والمدربين والخبراء في المجالات كافة. ومن سخرية القدر ان العديد من أشد أعداء عهد عبد الناصر، والذين انقلبوا عليه بعد وفاته، ما كان لهم ليبلغوا مواقعهم وليتعلموا اصلا، وهم في غالبيتهم من مناطق نائية وأسر فقيرة، لولا الثورة التعليمية التي اطلقها عبد الناصر. الانطلاقة من السويس وكان تأميم قناة السويس بمثابة ثورة هزت أركان عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. وبات معروفا ان هزيمة فرنسا وبريطانيا واسرائيل فيها، كانت النهاية للنفوذ الامبراطوري الفرنسي والبريطاني في الشرق الأوسط والعالم عموما. فقد أعاد التأميم ما كان فرطت به سياسات أسرة محمد علي وما نهبته بريطانيا على مدى سنوات. ويقال ان بريطانيا مولت الحرب العالمية الاولى بأكملها وجانبا كبيرا من الحرب العالمية الثانية بعوائد مرور السفن والتجارة عبر قناة السويس. كان العدوان الثلاثي والصمود العربي، بداية الانطلاقة الفعلية للحركة القومية العربية، وبات بعدها عبد الناصر زعيما على العالم العربي بأكمله. ويقال انه بكلمة منه توقفت المرافئ العربية عن خدمة السفن الاميركية ردا على امتناع عمال المرافئ في نيويورك عن خدمة سفينة تجارية مصرية، ما أجبر الاميركيين على إعادة خدمة السفينة المصرية.. يقول المناضل الثوري تشي غيفارا الذي زار مصر في العام 1966 والتقى عبد الناصر، ان المناضلين الكوبيين عندما هبطوا على سواحل كوبا في العام 1954 وطوال فترة الثورة كانوا يشعرون بإلهام ودعم عظيمين من عبد الناصر وحركته الثورية في مصر والعالم العربي. على مدى الخمسينات كانت مصر قلعة فعلية للثورة العربية والعالمية، والداعم الأول لحركات التحرر، الى حد انه يمكن القول ان حركة التحرر في العديد من الدول العربية، كالجزائر ودول أفريقيا وآسيا وحتى أميركا اللاتينية ما كانت لتنجح او على الأقل بالسرعة التي نجحت فيها لولا دعم مصر المباشر وغير المباشر. في عهد عبد الناصر استعادت مصر مجدا وموقعا عالميا كانت قد فقدته منذ أيام المماليك ومنذ أيام صلاح الدين الأيوبي، القائد الذي أحب عبد الناصر التمثل به، وسعى الى القيام بتجربة مماثلة، فكانت التجربة الوحدوية الوحيدة في الوطن العربي، تجربة وحدة مصر وسوريا. الوحدة الغالية كان الاعلان عن قيام الجمهورية العربية المتحدة في أوائل العام 1958 حدثا فريدا في تاريخ العرب، خصوصا، وانه ترافق مع انتصار مصر على حلف بغداد بتعطيله وإنهائه، فعاش الناس ساعات مجيدة بقيام وحدة مصر وسوريا وإندثار الآمال الغربية بإقامة حلف بغداد. في العام نفسه، في عز المد الناصري، سقط النظام الملكي الموالي للغرب في بغداد، وحاصرت القوى الوطنية نظام الملك حسين وتوجهاته الغربية في الأردن، ونجح الوطنيون في منع التمديد للرئيس كميل شمعون الموالي للغرب في لبنان. كان مشهد عبد الناصر يخطب بجماهير سوريا في دمشق في العام 1958 معلنا قيام الوحدة حدثا تاريخيا لا ينسى.. ما زالت الذاكرة العربية تعيشه كأحد أعظم المشاهد في تاريخنا.. كان ساعة مجد حقيقية للعرب ولعبد الناصر والناصرية. يتذكر الآلاف من اللبنانيين انهم ذهبوا الى دمشق وأمضوا طوال الليل في العراء ينتظرون حتى الصباح لاقتناص فرصة لرؤية المارد العربي وسماع كلماته. خطب عبد الناصر، كانت كلمات مقدسة في أسماع وقلوب الجمهور. قبل موعد القائها كانت تخلو الشوارع في العديد من الأحياء والمناطق خصوصا في مدينة بيروت مثل طريق الجديدة والبسطة.. كان الناس يتسمرون أمام أجهزة الراديو لسماع توجيهات وآراء قائدهم الذي خرقت هيبته وقيادته الحدود والأجواء على مدى البلاد العربية.. والاسلامية. يتباهى الزعيم الايراني آية الله علي خامنئي انه سجن في أيام الشاه لأنه ألف كتابا عن عبد الناصر. وكان النظام الشاهنشاهي يطلق على رجالات المعارضة والثورة مثله ومثل الشيخ رفسنجاني صفة »الناصريين«. وعندما نفي الإمام آية الله الخميني الى تركيا في العام 1962 سأله صحافي تركي: يتهمك الشاه بأنكم عميل لعبد الناصر؟ فرد الخميني بقوله، »هذا أفضل بكثير وأشرف من ان أكون عميلا للصهاينة والأميركيين..«. عبد الناصر الذي كان من المعجبين بأتاتورك وبنجاحه في الحفاظ على وحدة تركيا واستقلالها، بات في خلال أعوام قليلة بعد 23 يوليو 1952، قائدا ملهما للثوار والمعارضين واليساريين حتى في تركيا نفسها.. لم ينجح قائد عربي قبل عبد الناصر في جعل الأمة العربية لاعبا أساسيا على المسرح الدولي سواء في مقارعة الاستعمار او تقديم المثال في التحرر، او في إنشاء حركة عدم الإنحياز الى جانب نهرو وتيتو وسوكارنو وكبار أمم وقادة العالم النامي آنذاك. عبد الناصر، المتهم كثيرا بديموقراطيته، كان ربما الزعيم الأكثر شعبية في تاريخ العرب الحديث، كان اول رئيس لمصر يخرج من صفوف عامة الشعب ربما منذ الفراعنة.. لم يحصل ان سلم الناس امرهم الى زعيم كما فعلوا مع عبد الناصر.. فكان عهده عهد الجماهير بحق. إبن قرية بني مر في صعيد مصر، الوطني والعسكري والثائر والاسلامي والقومي والقائد المناضل العالمي، ربما كان أشد الرجال تأثيرا على المسرح العالمي طوال فترة الخمسينات.. برغم الانتكاسات، نتيجة تكاتف الأعداء الأقوياء من الدول الكبرى والعميلة لها، ونتيجة الخيبات الداخلية بقي عبد الناصر عملاقا ملتزما حتى الرمق الأخير بنهجه وخطه. يقول الكاتب أحمد حمروش، أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار، ان عبد الناصر عند اعلان الانفصال في 28 أيلول 1961، بكى ودخل الى غرفته وأغلق الباب على نفسه لمدة تسع ساعات.. كانت المرة الوحيدة التي بكى فيها قائد العرب. عبد الناصر الذي ركزت الدعايات المعادية على وصفه بالديكتاتور، أبى ان يحرك جنديا واحدا لمنع الانفصال، أراد الوحدة اختيارا وأباها فرضا وبقوة السلاح، كما أبى ان يكون أي شيء مفروضا بقوة السلاح على الناس، الذين كان دائما الى جانبهم وأرادهم دوما الى جانبه. لم يدخل عبد الناصر او نفوذه الى أي مكان من المحيط الى الخليج، الا وترك أثارا مباركة، من ثورة الجزائر الى ثورة اليمن الى لبنان وسوريا والخليج.. وبرغم كل الانتقادات لدوره وتدخله في اليمن، إلا ان ذلك التدخل كان العامل الحاسم في إنقاذ اليمن من غياهب الجهل والظلمات الى العهود الحديثة.. ويكفي عبد الناصر فخرا ان عهده كان العهد الوحيد في تاريخ مصر الحديث الذي خلا من الضغائن الطائفية وشعر الجميع بأنهم مواطنون متساوون وجنود لهم شرف خدمة الأمة. كل هذا على أهميته كان تفاصيل في حياة عبد الناصر أمام انهماكه العظيم، منذ حصار الفالوجة اثناء حرب 1948 وحتى اليوم الأخير من حياته في قضية فلسطين. يوم الرحيل كان في عز إنهماكه في تسوية الأزمة بين الحكم الأردني والثورة الفلسطينية، إنقاذا للثورة.. يوم الرحيل كان في اليوم نفسه الذي أعلن فيه الانفصال قبل ذلك بتسع سنوات. كان التوقيت مصادفة لكنه إرتبط بأغلى هدفين للرئيس عبد الناصر: هدف الوحدة وهدف تحرير فلسطين. .. ذلك الرحيل الذي لم يشعر العرب في تاريخهم باليتم كما شعروا عند سماعهم نبأه.. كان هادرا، ربما أكثر بكثير مما كانت ولادة الثورة التي أشعلها عبد الناصر، وبداية حضوره العظيم في المنطقة العربية والذي لم يغيبه الرحيل حتى بعد ثلاثة عقود من زمن الإنهاك بالصغائر ومن زمن الهزائم.