أول ما يقف عنده زائر معرض الأخوين الألمانيين ويليام (1835-1767) والكسندر (1859-1769) هامبولد الذي افتتح الشهر الماضي في مرصد باريس[ هو التساؤل عن سبب نسيان العالم لهذين الكاتبين وإغفال أعمالهما القيّمة في حقل العلوم الإنسانية. قد يكون من الصعب الإجابة عن هذا السؤال، خاصة اذا علمنا أن الشقيقين الألمانيين اللذين عاشا منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر تميزا بعدد كبير من الاهتمامات العلمية، فضلاً عن دور سياسي لامع لعباه في تسهيل المفاوضات بين الدول الأوروبية المتعادية والمتناحرة. تميز الإرث العلمي للأخوين وتعددت اهتماماتهما، بدءاً من علم الفلك والجغرافية إلى علم النبات والألسنيات، إلى أدب الرحلات والانثروبولوجيا والتي استحوذت على اهتمام الكسندر ودفعته إلى السفر بعيداً عن القارة الهرمة نحو الأراضي الجديدة في أميركا اللاتينية والجنوبية. وقد نُظّم هذا المعرض في وقت تحتفل فيه أوروبا (الحلفاء) بالذكرى السبعين لدحر الجيش النازي الألماني من فرنسا، ومن أجل تلك الذكرى حضر الرئيس الأميركي والملكة البريطانية وزعيم روسيا النزق، بالإضافة إلى المستشارة الألمانية إلى باريس ضيوفاً على الرئيس الفرنسي. فعاليات أخرى تقام بمناسبة الذكرى السبعين لبداية هزيمة الجيش النازي، إلا أنها فعاليات تذكّر وتمعن في التذكير بفجاجة الحكم النازي وجنونه الذي أدى إلى تدمير بلده وبلدان أوروبية أخرى. لكن يبدو لي أن معرض هامبولد بقي خارج حمى المعارض المترافقة مع ذكرى الحرب العالمية الثانية، بل أتى وكأنه ليذكّر فرنسا بأن تاريخ العلاقات بين البلدين لا تختزله ذكرى بداية هزيمة الجيش النازي في النورماندي، وان عالمين مميزين مثل الأخوين هامبولد قد رسما من خلال أبحاثهما مستقبل علوم القرن التاسع عشر في أوروبا، أي مستقبل علوم قارة واحدة. ذاكرة أخرى تعود إلى السطح أثناء التجوال في المعرض أمام الكم الهائل من المخطوطات والكتب والمنشورات، هي ذاكرة ربما نسيها الفرنسيون أو يعمدون إلى تناسيها وهي أن ألمانيا ما قبل الحرب العالمية الثانية ليست هتلرية وان التاريخ بينهما ليس عنفاً وحروباً فحسب بل اكتشافات وعلوم إنسانية وصداقات وحوار، خاصة اذا علمنا أنه لسنين عدة اتخذ الكسندر هامبولد من باريس مقرا لسكنه وإقامته الدائمة. كذلك الأمر مع ويليام. كان لالكسندر مهام ديبلوماسية في فرنسا أوكله بها الملك البروسي فريديريك غليوم الثالث ابتداء من عام 1807 ولعقود من الزمن، حيث يتمتع الكسندر بروح متعاونة ومدينية. لكن انفتاحه على الجو الثقافي والسياسي في فرنسا أوقعه في سوء تفاهم، فهو من جهة نظر اليه في بروسيا أنه يدافع عن مصالح فرنسا، ومن الجهة الفرنسية لحقته نظرة ارتياب واتهام مضمر بالجاسوسية. لكن رغم أن تقاريره الديبلوماسية التي كان يرسلها إلى برلين عام 1830 أظهرت إعجابه بالنظام الليبرالي للملك الفرنسي لويس فيليب، إلا أن ولاءه النهائي بقي للبلاط الملكي في بروسيا. الشقيقان بارونان متحدران من عائلة برلينية نبيلة سخّرا حياتيهما للعمل الفكري وأحبا الإقامة أحيانا في باريس. طور ويليام أفكارا أساسية حول التعاون بين الدول الأوروبية عُدت كنقطة انطلاق لبناء نوع من التوازن السياسي بين القوى الأوروبية. لم يكن غريباً على مثقف وعالم مثل الكسندر هامبولد أن يواجه سوء فهم، وخاصة أنه كان رائدا في نظرته السياسية إلى الدولة والى الروح الأوروبية عامة. في الوقت نفسه تقريبا انتُدب شقيقه ويليام هامبولد من الملك البروسي لحضور مؤتمر فيينا ولمناقشة القضايا المتعلقة بالحدود بين بروسيا واتحاد الدول الألمانية. في الكتاب الذي صدر عن الأخوين هامبولد ذهبت الكاتبة ومنظمة المعرض بينيديكت سافوي إلى حد القول ان الأسس التي أطلقها ويليام هامبولد شكلت نقطة ارتكاز وبناء سياسيا لشكل أوروبا الحديثة. لقد ابتكر في كتاباته السياسية ونشاطه بين الدول في أوروبا لغة ديبلوماسية وطرائق للمفاوضات، كما لعب الدور الأساسي في إنجاخ مفاوضات أوروبية عدة مثل التوصل إلى إنهاء تجارة الرقيق في أوروبا أو استرداد الإرث الثقافي والفني الذي نهب من ألمانيا وإيطاليا إبان حملة بونابرت. ولم يكن ويليام ديبلوماسيا فحسب بل جزءا أساسياً من المشهد الثقافي في فرنسا حيث كان مشاركا دائما في صالون مدام دو ستايل وهو الذي أدخل فلسفة كانط إلى تلك الصالونات الفكرية في وقت لم تكن فرنسا قد سمعت باسم كانط من قبل. تعددت اهتمامات وليام هامبولد إلا أن شغفه الأساسي كان في البحوث الانثروبولوجية وعلوم الألسنيات دفعه إلى السفر إلى أميركا اللاتينية والتي شكلت في ما بعد ركيزة مهمة لأبحاث لاحقة من بعده. أما الكسندر فقد قضى جزءا كبيرا من حياته في الأسفار وفي زيارة بلدان جديدة لم يزرها ألماني من قبل، إلى جانب خرائط العالم يعد إرث الكسندر هامبولد العالمي والفني والانثروبولوجي من أهم المعارف الأوروبية في القرن التاسع عشر والتي اعتمدها الكثير من العلماء وخاصة الاركيولوجيين في أبحاثهم العلمية. للأديب الالماني غوته تاريخ مشترك مع الأخوين هامبولد خاصة في إنجاز خرائط عديدة عن البلدان التي قاموا بزيارتها. التقى الثلاثة على هوايات متعددة، شارك غوته ويليام هامبولد ولعه بالعصور القديمة وآثارها كذلك بالألسنيات وعلوم اللغة، كما شارك الكسندر حبه لعلم المعادن والنبات. ومن الأعمال المثيرة التي أنجزها غوته مع ويليام كانت وضع خريطة للغات ولهجات العالم كله مع ويليام ، بالإضافة إلى تنفيذ خريطة تشمل كل قمم العالم مع الكسندر. عملان كبيران أُنجز كل منهما على حدة، إلا أنهما يتكاملان من حيث إرادة الثلاثة في إبراز العالم وحقائقه العلمية بوسائل مبتكرة وسهلة شكلت نقطة ارتكاز لتطور الأبحاث الجيولوجية والانثروبولوجية في ما بعد. وما كتاب الأخوين «كوزموس» إلا نتيجة عمل طويل في اكتشاف وتقديم العالم عبر الخرائط والأبحاث في التاريخ والاركيولوجيا ليشكل قاعدة انطلاق لعلوم القرن التاسع عشر. قد يكون أفضل ما يخرج به زائر المعرض هو فقدان لأي شعور أنه زار معرضا لباحثين جالا العالم واقتربا منه من خلال منظار كولونيالي فوقي. بل جاءت أبحاثهما لتطرح نظرة مخالفة تماما للبحوث في العلوم الإنسانية ذات الطابع الكولونيالي والذي اشتهر به البحاثة الفرنسيون والانكليز. وقد يكون التساؤل الذي طرحته في بداية هذا المقال وجد جوابا له اذ ان ما وصلنا من بحوث في العلوم الإنسانية في القرن التاسع عشر وجزء من القرن العشرين كانت بأغلبـها ذات روح كولونيالية عميقة. أستطيع القول هنا ان عبارة «أنا ابن العالم كله ولا أنتمي إلى بلد معين قد يكون رائدها هو ويليام هامبولد». ففي رسالة بعثها لزوجته كتب يقول «أشعر بنفسي أنني ابن العالم، فأنا لاتيني أميركي وفرنسي وبروسي في الوقت عينه». (باريس) [ يستمر المعرض في مرصد باريس حتى 11 تموز 2014