لا يمكن أن يتخيّل أحد أن القرار الصادر عن «المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى» برئاسة مفتي الجمهورية الشيخ محمّد رشيد قباني بإلغاء القرار رقم 50/1996، يمكن أن يمرّ من دون أن يقيم «المستقبل» الدنيا ويقعدها. هذا القرار بالتحديد هو صنيعة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ودخل حيّز التنفيذ في العام 1996 من دون أي معارضة تذكر. كان هدف القرار الوحيد هو تعزيز السيطرة على أعضاء «مجلس الانتخاب الإسلامي» من خلال إعطاء صلاحية الدعوة لانتخابات مفتي الجمهوريّة إلى رئيس الحكومة حصراً، والأهم من ذلك تقليص عدد الهيئة الناخبة للمجلس. فالنفوذ السياسي لا يستطيع التحكّم بآلاف الأشخاص الذين يحقّ لهم انتخاب مفتي الجمهورية، ولكن هذا الأمر يصبح سهلاً عندما يتعلّق الأمر بـ104 عضواً غالبيّتهم من السياسيين والقضاة، وما يحيط بذلك من حبكة مصالح سياسيّة واقتصاديّة، بحسب مصادر متابعة. اجتماع السرايا إذاً، حمل «المجلس الشرعي» برئاسة عمر مسقاوي حمى هذا القرار، وسرعان ما لجأ إلى السرايا الحكومية. وبالفعل، لم يتأخر رؤساء الحكومات السابقون. فالجميع يرفض توسيع الهيئة الناخبة حتى لا تخرج عن السيطرة قبل ثلاثة أشهر من بلوغ قباني السن القانونية في 15 أيلول. وبالأمس، اجتمع رؤساء الحكومات في السرايا الحكومية برئاسة تمام سلام وحضور نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة (بصفته الشخصيّة وبالإنابة عن سعد الحريري)، في غياب عمر كرامي (الذي وافق على البيان) واعتذار سليم الحصّ عن الحضور. وبعد حوالي خمس ساعات على انتهاء اجتماع رؤساء الحكومات الذي حضره بعض أعضاء «المجلس الشرعي»، صدر البيان الرسمي عن مكتب سلام، متغافلاً عن ذكر حضور أعضاء «الشرعي»، إضافةً إلى منع المصورين من الدخول لتصوير الاجتماع. ببساطة، لم يحمل البيان اتخاذ تدابير قانونيّة جديدة واكتفى بتأكيد «المباشرة باتخاذ التدابير والإجراءات التي من شأنها ان تنأى بدار الفتوى عن الأهواء الشخصية وعن المصالح السياسية غير المتفقة مع المصلحة الإسلامية العليا»، واصفاً خطوات «مجلس قباني» بـ«المريبة والصادرة أصلا عن غير ذي صفة وتتعارض مع المسيرة التاريخية والوطنية لدار الفتوى، وهي تعبر عن إمعان من ارتكبها في التمرد على مفهوم الدولة والمؤسسات، وفي عدم احترام القانون ومبدأ الشرعية. والأخطر أنها تشكل منعطفا خطيرا وغير مسؤول، يرمي بإصرار إلى ضرب وحدة الطائفة السنّية، والانخراط في مخطط سياسي غير مسبوق يعمل على تفكيكها عن طريق زرع بذور الفتنة». مجلس مسقاوي يلتئم اليوم صحيح أن رؤساء الحكومات لم يتّخذوا خطوات عملانيّة بشأن «قرار الفتنة»، وفق ما وصفوه، إلا أن «مجلس مسقاوي» يبدو أنه سيتكفّل بالباقي بعد أخذ الغطاء الشرعي من «دولتهم» بالمضيّ قدماً نحو تدابير قانونيّة حاسمة. ويؤكّد عضو المجلس محمّد المراد أن «مجلس مسقاوي» سيجتمع اليوم بشكلٍ طارئ في مسجد «محمد الأمين» للتشاور، على أن يعلن المجتمعون الخطوات القانونيّة اللازمة. لم يحدّد المراد الخطوات، غير أن المصادر ترجّح أن يدعو المجلس الهيئة الناخبة القديمة (أي بحسب القرار 50/1996) للتشاور بشأن ما يمكن أن يُتخذ بحق قباني ومجلسه. هذا في العلن، أما من تحت الطاولة، فإن دعوة الهيئة هي أشبه بـ«بروفا أوليّة» ليتأكّد «التيار الأزرق» أنّ قدرة الحشد داخل الهيئة ما زالت كما كانت عليه إبّان التوقيع على عريضة عزل قباني من منصبه في تموز الماضي. خلال هذه الفترة، حصل «المستقبل» على حوالي 80 توقيعاً من أعضاء الهيئة الناخبة (الرقم هو تقديري لأن «المستقبل» والموقعين يرفضون حتى اليوم الإعلان عن هذه الوثيقة). ومن الأرجح أن يعيد التاريخ نفسه، ليحصل السنيورة من جديد على الرقم القياسي الذي يتيح له عزل المفتي أو انتخاب مفتٍ جديد بطريقة أسهل من «شربة ماء». طاقة الفرج وفي هذه الحالة، يبدو أن المرسوم 18 بالنسبة لـ«التيار الأزرق» في كفّة والمادة السادسة منه، في كفة أخرى. والمادة تنصّ على أنّه «ينتخب مفتي الجمهورية لولاية تنتهي ببلوغه سن الثانية والسبعين، على أن لا تقل في مطلق الأحوال عن خمس سنوات، ولا يعفى من منصبه إلا لدواع صحية تمنعه من حسن القيام بمهامه، أو لأسباب خطيرة، ويصدر قرار الإعفاء من مجلس الانتخاب الإسلامي بدعوة من المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى حال عدم اعتزال المنصب بالطوع والاختيار وذلك بأكثرية ثلاثة أرباع الأعضاء على الأقل..». هذه المادة هي «طاقة الفرج» في الوقت الحالي، طالما أن «المستقبل» يملك «السلاح النوعي» بإمكانه صبّ ثلاثة أرباع الأعضاء (أي 78 عضواً من أصل 104) في أي قرار يمكن اتخاذه.. حتى عزل قباني. ولكن ليس بالمادة السادسة وحدها يحيا «الزرق»، فالحسابات السياسية والشعبيّة قائمة في أذهانهم. هم يدركون أن العزل ستكون له نتائج سلبيّة ضدّهم، على اعتبارها سابقة بعد إعفاء المفتي الشيخ محمد علايا من منصب الإفتاء لدواع صحيّة في العام 1966، دون أن تُسجّل سابقة بإعفاء أي مفتٍ من منصبه «لأسباب خطيرة»، بحسب المادة. وبالتالي، فإن البعض يستبعد أن يسجّل «المستقبل» على نفسه «خطيئة العزل». فلو أراد ذلك فعلاً لكان فعلها منذ سنة، ودون الانتظار حتى تكون المدّة التي تفصل قباني عن إحالته على السنّ القانونية هي ثلاثة أشهر. وأمام هذه المعضلة، لن يقف السنيورة ومعه فريقه السياسي مكتوفي الأيدي. الموضوع بنظرهم خرج عن إطار «عضّ الأصابع»، فتوسيع الهيئة الناخبة ليس شأناً عابراً، كما أن عليهم التصرّف على عجل قبل أن يؤتي قرار إلغاء القرار 50 ثماره بين معشر العلماء ورجال الدين الذين كانوا دائماً يطالبون بإعادة حقّهم بانتخاب مفتٍ للجمهوريّة. يخاف «المستقبل» أن تأكل «عائشة بكّار» الأخضر واليابس بقرارها، ليكون أوّل الغيث بالأمس هو زيارة أكثر من 250 من علماء الدين دار الفتوى للترحيب بتوسيع الهيئة الناخبة. وبهذا الواقع، سيكون «الزرق» و«المجلس الشرعي» المحسوب عليه أمام خيار يرجّح اعتماده. إذ ترجّح مصادر موثوقة أنه ربّما سيقرّرون انتخاب مفتٍ جديد، في ظلّ المعلومات أن «المستقبل» قرّر أن ينحو نحو الحسم قبل شهر رمضان. طبعاً المفتي الجديد لن يدخل دار الفتوى قبل رمضان ولا سيعلن رؤية الهلال، بل سيكون هدف الانتخابات «إراحة أنفسهم» من قرارات قباني، وتكليف الأخير بتسيير أعمال «الدار» إلى حين خروجه حتى يستلم المفتي الجديد مهامه في 15 أيلول. في حين أن «عائشة بكّار» لن تقبل على الأرجح بهذا الخيار، على اعتبار أنها لا تعترف بالهيئة الناخبة التي سينتخب بها المفتي الجديد بعد أن قرّرت توسيع الهيئة الناخبة والبدء بتحضير لوائح الشطب. وبذلك ربما ستكون النهاية المنطقية لهذا السيناريو: مفتيان للجمهوريّة، أحدهما يواظب على عمله في «الدار» وآخر خارجه. لا شيء مستبعد بعد أن صار للطائفة السنية مجلسان شرعيان وهيئتان ناخبتان وربما داران للفتوى أيضاً في المستقبل القريب، بعد تحوّل كلّ المعنيين في الملفّ إلى طرفّ يشدّ للجهة التي يؤيدها. لقاء العلماء في دار الفتوى وفيما كان رؤساء الحكومات مع بعض أعضاء المجلس الشرعي يناقشون القرار الذي سيتخذونه، كان قباني يلتقي حشداً من علماء الدين ويشنّ حملة عنيفة على رؤساء الحكومات، وقال: «هل هذا تهديد لنا؟ اذا اجتمعت مجموعة أعضاء المجلس السابق في السرايا، نحن تخيفنا السرايا؟ لا تخيفنا السرايا ولا من هو في السرايا ولا من هو على رأس السرايا ولا من يحمي السرايا». وأوضح قباني أن «إعادة العمل بالمواد السابقة التي ألغيت عام 1996 وقت انتخاب مفت للجمهورية هي الهيئة الناخبة الحق». وقال: «هم الذين يثيرون الإشكالات، هم الذين يسبون ويشتمون في صحفهم، هؤلاء هم الذين يمثلون المسلمين السنة؟ الذين يشتمون مفتيهم؟ حتى لو كان صحيحا ما يقولون.. هذا عيب. يمكن الحل بطريقة أخرى، فكيف اذا كان ما يقولونه كله كذبا، وما يثيرونه كله كذب للتشهير لإسقاط كلمة مفتي الجمهورية»، مضيفاً: «هناك كثير من الالتزامات يتعاقد معها المرء ويختلفون مع بعضهم، ولكن يكذبون ويكذبون ويكذبون، هم تيار المستقبل وعلى رأسهم رئيس تيار المستقبل فؤاد السنيورة». وأشار قباني إلى أنّ «تيار المستــقبل ورئيس تيار المستقبل الذي هو فؤاد السنيورة، هم من يعطــلون انتخابات المجلس الشرعي منذ عام 2009».