عينان ساحليتان، سكندريتان، فيهما بحر وميناء، وفنار وسفن وزوارق، وشباك صيد، ومئات من حميدو، ومينا البصل، والإسكندر الأكبر، وأنطونيو وقيصر، وسبارتاكوس محرر العبيد، وغرسون يوناني في حانة القط الأسود، وأحبة بنسيون رومية، والمعلمة فضة المعداوي ولورنس داريل بكل أبطال رباعية الإسكندرية: جوستين وبلتازار وكليا وليلى القبطية ونسيم ابنها والسفير الإنكليزي، وتاجر تحف وأنتيكات من حي العطارين، وزنقة الستات، وحي محرم بك بكل تجلياته المعمارية والبشرية وروافده: شارع عرفان، والرصافة، وترعة المحمودية، وأنجا هانم، وغيط الصعيدي، وشارع الأسكندراني، والبياضة، وسوق الحضرة، وكوم الدكة، والمسرح الروماني، ومسرح سيد درويش، والبهلون المدهش أحمد كشكش، والترماي أبو دورين، وقصر عرفان باشا وأضرابه من القصور القديمة ذات الطابع الروماني والحدائق الغناء، وكينغ مريط ببحيرتها الساحرة، وأرهاط من الحلاقين والطباخين والسفرجيّة والخضرية والفكهانية والسمكرية والعتالين والكمسارية والسواقين والجناينية والبقالين والخياطين والباعة السريحة، وفتيات الليل الضائعات بين أذرع الهوى الزائف المحموم، وأمهات مرضعات بائسات، وآنسات بقددو مائسة، وموظفون وموظفات، ووكلاء وزارات، وصعاليك ومن دراويش الفن والسياسة والأدب، وكفافيس بكل أشعاره، وراقصات باليه بحيرة البجع سلام يا جدع، وشخصيات أوبرالية، وسيرك عاكف، ويوسف وهبي وأمينة رزق وفاطمة رشدي وسليمان بك نجيب وشكري راغب والريحاني وعلى الكسار وحافظ إبراهيم وشوقي بك والبشري والمنفلوطي وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ومختار والعقاد وطه وبيرم، فضلاً عن المرسي أبو العباس والقباري والسلسلة، إنها عين بحر أوسطية فيها زخم كل حوض البحر الأبيض المتوسط ومزاجه على بينة متينة من طمي وادي النيل. يقوم بين هاتين العينين الحافلتين كجراب الحاوي أنف ضخم ذو شخصية كشراع مبروم على نفسه بعد أن هادنته الريح واصطلحت معه قرب شاطئ الأمان. أنف كعمود روماني، تحته شفة عريضة كرقعة يجرب عليها الألوان بالفرشاة، مزمومة فوق الشفة السفلى تشكل معها ومع الذقن هيئة زنبقة آخذة في التفتح فتراجعت أعطافها مكونة روح ابتسامة كبيرة مبهجة كثدي الأم في عين الرضيع. لكأنه وجه عروس النيل تنسدل على كتفيها طرحة الزفاف المشغولة بأسلاك من الفضة ومن فوق رأسها تاج وإكليل من الورود. القامة فارعة كنهر النيل تمتد من الحبشة حتى الإسكندرية حاملة في تكوينها كل عناصر حوض النيل ببلدانه وناسه ومناخه وثرائه. لو رأيته من بعيد ظننته أحد الخواجات، بقايا الخواجات الطلانية الذين استوطنوا الإسكندرية ذات يوم بعيد، ولا بد أن تعتقد بأنه فنان من عصر النهضة الأوروبية. ليس شعره المهوش الغزير فحسب هو الذي يؤكد الحدس بأنه فنان مشهور، إنما كذلك ملابسه الغربية جدًا ، التي تتناقض تماماً مع شعره الأشيب وملامحة الوقورة المهيبة. لوحة كرنفال من الألوان المتباينة: بنطلون أبيض، قميص أحمر وردي حرير، رباط عنق تركوازي مفتوح، سترة صفراء في لون نوار القطن، أحيانا أخرى بنطلون فزدقي، وقميص أسيور نصف كم مشغول بالزخارف صارخ الألوان أشبه في نقشته بالمفرش أو كوفرته السرير، بياقة أسبور نائمة على الصدر والكتفين عريضة، مفتوح الزرارين العلويين يكشف عن الصدر العريض الارز حيث سلسلة ذهبية معلقة في رقبته القصيرة التخينة، طويل الساعدين طولا مفرطاً، والأصابع طويلة، كل أصبع كعقلة القصب الصعيدى الجارم. لوحة سيريالية صارخة الألوان تمشي على قدمين في شوارع الإسكندرية، لوحة جذابة للعين رغم زحمة ألوانها الزاهية التي تخلب اللب، مع أن البعض قد يمتعض منها؛ بل لعل الكثير من الناس يمتعض منها، إلا أن الامتعاض ليس نابعاً من صراخ الألوان ولا غرابتها، لا ولا الادّعاء بأنها غير متسقة على رجل من المفروض أنه وقور يخطو في حقبة السبعينيات من العمر إنما الامتعاض نابع في الأساس من الحقد الاجتماعي على رجل يمارس مطلق حريته في لبس ما يشاء واختيار ما يروقه من الألوان. هم في حقيقة أمرهم يتمنون ممارسة نفس الحرية لكنهم أضعف وأشد اتقاءً لسخرية الناس منهم. ففي الواقع لا يستطيع ممارسة هذه الحرية سوى شخص قوي ذي حيثية، فمثله لا يجرؤ الناس على السخرية منه لأنه يؤثر في حياتهم بشكل ما، بالفن أو بالأدب، مثله لا يرى الناس ملابسه فلا يتوقفون عندها بالنقد أو بالإعجاب لأنهم لا يرونه إلا في إهاب النجم، وكل ما يرتديه النجم محبب قابل للاقتباس والتقليد والاقتداء. من هنا فهذا الفنان الكبير إذا مشى هكذا في شوارع الإسكندرية فإن الجميع ينظرون إليه بزهو وافتخار، يرمقونه بحب وإعجاب وحنو. فإن أنت سألت أي صبي في الشارع: من هذا الرجل يا فتى؟.. فإنه لابد أن يرمقك أولا بنظرة استنكار لعدم معرفتك به ثم يردف: إنه الأستاذ سيف.. سيف وانلي. ومن المؤكد أن مثل هذا الصبي الذي ربما كان سمكرياً أو غرسوناً ليس متذوقاً للفن التشكيلي، ولا يعرف شيئاً عن معارضه، لكنه يعرف بالسليقة أن هذا الفنان رسام كبير يرسم اللوحات عن الطبيعة والناس، وأنه رجل على درجة كبيرة من الأهمية، يعرفه العالم أجمع، ويتحدث عنه المثقفون في كل مكان، ويأتي إليه الزوار من جميع أنحاء المعمورة، واسمه مقترن بمدينة الإسكندرية كمعلم من معالمها البارزة، كقلعة قايتباي والشلالات وحديقة أنطونيادس وقصر المنتزه والمسرح الروماني والبحر الأبيض المتوسط، بل إنه الإسكندرية، والإسكندرية هو، سكندريته تكريس لها وله، ووانلية الإسكندرية تكريس لمصريتها ومصريته. نحن نتشدق اليوم بالعالمية، عَمّال على بَطّال، كل مطرب فسل يغني في حفلة في أي عاصمة دولية تصفه الأخبار الصحافية بالمطرب العالمي، وكل مخرج يحصل فيلمه على جائزة تزفه البرامج الإعلامية باعتباره الفارس المغوار الذي وضع مصر على خريطة العالم!! وننسى دائماً أن عظماء عمالقة من أمثال سيف وانلي استحقوا عن جدارة لقب العالمي ومع ذلك استنكفوه واستصغروه لأن قيمتهم الحقيقية تنبع في الأساس من مدى مصريته، وقد كان سيف وانلي مصرياً حميماً وإن أجاد التعامل بلغة عالمية هي لغة الخط واللون: نفس الخط واللون اللذين عبّر بهما عباقرة العالم أمثال رويتر وفان غوخ ومايكل أنجلو وبيكاسو وسلفادور دالي ورينوار وغيرهم، إلا أن المحتوى مصري صرف، وحتى المضمون الفني أيضا مصري حتى ولو رسم مشهداً من إحدى الأوبرات العالمية تجد في الخطوط وفي الألوان روحًا مصرية ساطعة ترد الرسوم إلى عائلتها المنقوشة على جدران المعابد والكنائس والمساجد. كذلك سيف وانلي نفسه، تراه فتظنه أجنبيًا لغرابة مظهره وثراء ملامح وجهه، لكنك إن جالسته أو لامسته، ولو من بعيد وضعت يدك في الحال على ابن البلد المصري السكندري بخاصة، نفس التطجين البلدي باللهجة السكندرية التي لا علاقة لها بالثقافة أو حذلقة المتعلمين، رغم أنه يجيد أكثر من لغة أجنبية يتكلمها بطلاقة ويقرأ ويتعامل بها مع أهليها، تطجينه البلدي يذكرك بأبو حميدات الفتوّة، وكل فتوّات الإسكندرية في الزمن القديم اسمهم أبو حميدات، وبسيد درويش، وبيرم التونسي، والملحن محمود الشريف ولا يفصل بينه وبين عبد الفتاح القصري ومحمد رضا وعدلي كاسب سوى خيط رفيع جداً يشكل هامشاً ضئيلا من رقة الحاشية والدماثة والثقافة كفنان عالمي مرموق، لا سيما أنه كان نهماً في القراءة، لعله أشد المثقفين على الإطلاق نهماً للقراءة واحتفاءً بها رغم أنه في المقابل أغزر الفنانين على الإطلاق إنتاجاً، وأكثرهم خصوبة وتألقاً، فعدد اللوحات التي رسمها في حياته تكاد تصل إلى عدد القصائد التي ألفها الشاعر فؤاد حداد، كلاهما كان عظيمًا وغزير الإنتاج ولا ينتظر مجدًا أو مالاً أو شهرة بل يعتبر فنه كالليمون في كثرته وأهميته ونجاعته في شفاء الأمراض. أسلوب قطع سيف وانلي رحلة طويلة بين المذاهب الفنية إلى أن اكتشف أسلوبه الخاص، وكان الرسم بالنسبة له قد أصبح كالهواء الذي يتنفسه، لا يجد أدنى صعوبة في أدائه، يرسم كما يشرب الماء كما يدخن السيجارة التي يضعها بين شفتيه ويتركها تحترق حتى النهاية فيقبس جمرتها إلى سيجارة جديدة، مع فنجان القهوة السادة أي الخالية من السكر والتي لا تفارقه طوال جلسته أو وقفته، ما إن يفرغ الفنجان حتى يكون الآخر قد جاء، فيما هو يرسم ويتكلم ويدخن، يقول بعض تلاميذه في كلية فنون الإسكندرية، التي انتدب للتدريس فيها منذ افتتاحها رغم أنه بلا مؤهل علمي أكاديمي، إن طريقته في الرسم كانت «مزيكة» حركة يده، تصاحبها حركة من رأسه، تماماً كأنه يترتم بلحن يقوم هو بعزفه بالفرشاة على رقعة من الورق أو التيل أو الخشبة أو أي مساحة فارغة، يرسم على الحوائط إن لم تتوفر الورقة، يرسم حتى على مناديل الكلينكس الورقية لوحات بالألوان، حتى صفيحة القمامة رسم عليها فتحولت إلى لوحة ذات قيمة عالية، بالزيت يرسم، بالباستيل، بالطباشير، بألوان المياه، بالقلم الفحم، بالفلوماستر، يرسم بأي أداة على أي رقعة في أي مكان، ولا بأس عنده أن يترك ما رسمه للغير بدون مقابل، بل المؤكد أنه ينسى ما رسم، فكل هدفه في الحياة أن يضخ الرسم على الدوام، وأن يظل في حوار لا ينتهي مع الألوان والظلال، وتوقيعه على اللوحة لا بد أن يكون بلون متفرد، وأن يتحول التوقيع إلى جزء لا يتجزأ من اللوحة كأنه أحد عناصرها الأساسية. هو في رسمه للطبيعة والناس والأشياء لا يحاكي الطبيعة، لا يجتهد في أن يجعل رسومه مطابقة للطبيعة، فهو يعلم أن الطبيعة أقوى في التعبير عن نفسها بنفسها، لا يهمه في الإنسان ملامحه الطبيعية، ولا في الشيء وضعه الطبيعي، إنما يهمه الشكل الذي يبثه الإنسان والشيء على السواء، إنه يرسم الإشعاع الحركي، النغم الموسيقي الذي ينتج عن الحركة الإنسانية في مشهد من المشاهد، أو عن دخول الشيء في وضع من الأوضاع، ولقد شغف برسم مشاهد كاملة من الأوبرات والمسرحيات العالمية التي كانت تعرض في الإسكندرية، ولاعبي ولاعبات السيرك وراقصات الباليه في مشهد من المشاهد، فإذا به يريك الشكل الموسيقي للحركة، تنظر أنت في شكل الراقصة الساكن على الورق فلا تراه ساكنًا أبدًا؛ بل ترى نشوة الجسد وارتعاشة كل عضلة فيه على حدة، فيخيل إليك أن الصورة تنتفض على الورق، وتسمع بأذنيك إيقاع الأقدام على خشبة المسرح، ونغم الموسيقى في الخلفية القريبة. مقاطع من بورتريه كتبه الروائي الراحل خيري شلبي.. فى كتابه «برج البلابل» الصادرعن دار العين. (كاتب مصري)