As Safir Logo
المصدر:

حكايات القاهرة

طريق التضحية بين السجن والرقص

المؤلف: عبد الفتاح وائل التاريخ: 2014-05-24 رقم العدد:12780

ماهينور ليست وحدها. فتاة اسكندرانية تشبه أحياناً راهبات الجبال عاشقات الإنسانية، وأحياناً تشبه لاعبات القفز بالزانة. تثير تعاسة غريبة بدفعها إلى عتمة زنزانة عقاباً على تظاهرها من أجل استعادة حق خالد سعيد. ماهينور صاحبة الاسم الشاعري (ضوء القمر) تملأ فراغات الشارع وحدها، بطولها، وتعبر عن جيل استطاع تقديم معنى للتضحية، تلك القيمة التي أفقدها دخول العالم كله في ماكينات كبيرة. ليست وحدها. وكانت هذه أحد وعود «25 يناير»، حيث التضحيات الكبيرة من أجل السعادة. لم يكن صراعاً على السلطة، ولا تمجيداً في دولة تنهار كلما تضخمت قبضتها الأمنية، كلما احتاج حكامها إلى شغل الفراغ بخرافات عن بطولاتهم ونزولهم كمبعوثين من السماء. الحراس كانوا يقودون ماهينور إلى سجنها، بينما المرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي يقول للمتحاورين معه: «وصلت». كان يحكي لهم عن نبؤاته حول نفسه بعدما أثبت أنه تنبأ بـ«يناير» و«يونيو». قال لهم «سترون العجب وستنهزم العفاريت». يصدق السيسي أنه قادم في مهمة إلهية لإنقاذ مصر، وأنه ضحى من أجل مصر تضحية ستصل به إلى السلطة، بينما أدت تضحية ماهينور بها إلى السجن (بعدما رفضت الهروب وحضرت المحكمة لأنها تريد مواجهة مصيرها). تضحية ماهينور خلقت حزناً عمومياً بأن هناك من يدفع ثمن «الخروج الكبير» في «25 يناير»، بينما تضحية السيسي مصاحبة بظاهرة تعبر عن رغبة في التعبير الجماعي. تلك الرغبة التي ولدت في كانون الثاني أيضاً، تحولت مع أنصار السيسي أو المحتمين به إلى حفلات رقص وغناء جماعي، كلما أتت سيرة السيسي أو طلب منهم تفويضاً أو انتخاباً، رقصوا رقصاً يشبه الهستيريا، خائفون يرقصون طلباً لمنقذهم. هذه الهستيريا الراقصة تسمى في شيفرة السيسي وطنية، وهي بتفسير ما «رغبة إنقاذ أو مكافأة السيسي على تضحيته لإزاحة الإخوان»، لكن هناك أيضاً الخوف الكامن، والمهمة الثقيلة على أي شخص وليس السيسي فقط. هذه ليست عبودية للبيادة، ولا ولعاً بالكاكي (كما يقول الغاضبون من هذه الهستيريا الجماعية)، ولا إخلاصاً لمرشح سياسي (كما يدعي المنضمون إلى طوابير السيسي)، إنها عودة إلى عصور عارية من الأمان، عصور بدايات الإنسان حين كان يبحث عن إله ينقذه من المخاوف المجهولة. وكما كان أتباع أبو اسماعيل يرقصون حوله رقصة «الشيخ والمريد»، فإننا أمام حالة جديدة تعبر عن بؤس عمومي.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة