إثنان وعشرون عاما على غياب أحد أبرز كتاب المسرحية المصرية: نجيب سرور، ولد في حزيران 1932 في الدقلهية وتوفي في 24 أيلول 1978 في مدينة دمنهور. هنا مقالة تحية. لا تمحى تجربة نجيب سرور بسهولة. الذاكرة تحضنها، الذاكرة تحميها وتفردها بأصواتها الحقيقية. وهي أصوات عالية، غير متعالية، ونابرة بدون تجريح. خفقة في الأذن، تعيد النداء، حيث تدفع الموت الى النبض من جديد، فارداً صور الحياة القديمة. الرافض الدائم، المتوحّد، الهامشي، توفي يوم 24 أيلول 1978، مختتما حياة اضطهاد وجوع وتشرد وطرد وفصل. إذ فصل من اكاديمية الفنون، حيث عمل استاذاً للاخراج والتمثيل، وأدخل مرات عدة الى مستشفى الامراض العقلية. اثنان وعشرون سنة على وفاته، ولا تزال نصوصه، ساخنة طازجة، وكأنها مكتوبة بقلم اليوم وحبره. أبرز العاملين في مجال المسرحية القصيرة، او مسرحية الفصل الواحد، دأب في نعي ما تبقى من الطبقة الوسطى. نعاها، لا لكي ينعيها فحسب، بل لكي يحيل أبناء اللحظات القلقة والحرجة في تواريخ الأمة العربية الى نماذج للمواطنين الثائرين على مفاهيم الاسترقاق والاسترجاع. تصدّر نجيب سرور قافلة الاصوات الرافضة للوقائع المحمّلة بالبيروقراطية والقمع والهزائم. محترف مسرح في هيئة مناضل، تجلّت بواكير انخراطه في شكل طوعي ومجاني، في أسراب الثورة على الفساد، مسنودا الى مخيلة خصبة مسنودة الى ذاكرة، مسنودة بدورها الى الحكايات والالحان والاشعار الشعبية. صادق ومؤثر في استلهام الصوت الشعبي، في أداء درامي معبر وشجي، ثم توظيفه دوماً في سياسة قطب غير مخفية، بعكس ما درجت عليه النصوص المسرحية في تلك الآونة او الحقبة. أي في أواخر خمسينيات وبداية ستينيات القرن العشرين. لذلك، بدت الخضرة القصوى في مسرحيات الآخرين، رماد مسرحه وحرائقه الآفلة. بساطة ولا مواربة انطبعت مسرحياته في البساطة واللامواربة. نصوصه مباشرة بدون خطابة وحريصة ذات دلالات تدفع الى التوغل في الدواخل بعيدا عن الشروحات والاسهابات والتفسيرات. القضية قضية عنده، وليست حجة. لا قولبة ولا تهويم ولا وقوع في قيد المباشرة الواضحة. الايقاع واحد من أبطال مسرحياته. وكذلك الكثافة او التكثيف. لأنه أدرك ان الشرح المستفيض، يفقد المعنى ولا يعمّقه. الدراما عنده في الاختزال. لا إضحاك مجانيا لديه ولا قصد تخفيف من وطأة الصراع الدرامي او ملء الفراغ بدورات الوقت الزمنية الباهتة والمكشوفة او بالافيهات. الواقع ابتكاره، في استدراجه الى جوه الشعبي في توظيفات بقيت مثار إعجاب كبير من النقاد والمسرحيين في آن. لا ادعاء ولا تضخيم، بل وجه مصري في فضاء العالم، يدوم البحث في هويته بدون إغلاق او انغلاق. هكذا هو، هكذا بقي في »يسين وبهية« و»آه يا ليل يا قمر« و»يا بهية وخبريني« المنتقدة. المنهج الاخراجي الذي اتبعه جلال الشرقاوي في »آه يا ليل يا قمر« كاتب يسلم نصه الى مخرج، ولا يلبث ان يهجوه في مسرحية، هو نجيب سرور ولا أحد غيره. المسرحية الهجاءة رسم إخراجها كرم مطاوع العام 1967 على خشبة مسرح الحبيب. ونشر نصها ضمن كتاب »حوار في المسرح« الصادر عن »دار الانجلو المصرية« عام 1969. نجيب سرور أصيل وغزير في كتاباته الاصيلة. »ألو يا مصر« له، وكذلك »ميرامار« و»الكلمات المتقاطعة« (1969) و»الكم قبل المداولة« (1969) و»البيرق الابيض« (1969) و»ملك الشحاتين« المقتبسة عن »أوبرا القروش الثلاثة« لبرتولد بريشت (1970) و»الذباب« الازرق (كوميديا سوداء كتبها عام 1971 عقب مذابح أيلول الاسود و»قولوا لعين الشمس« (1972) و»منين أجيب ناس« (1974) و»النجمة أم ديل« (1974) و»أفكار جنونية في دفتر هاملت« (1977). نقاؤه عنصر ثورته الاول. ثم اختزال المتعة الى حدودها الدنيا، بدون بهلونيات كلامية او بلاغيات او شرود الى حال ذهنية، بقي يمقتها الى اللحظات الاخيرة في حياته. تعميق حضور المعيش في المساحة والمدى والرؤى الشعبية، بشكل سلم درامات المتدرجة في أوضاع صراعية لافتة. هامشية لاهبة في جدية واضحة. مفارقة من عيار ثقيل. خطو مستمر خارج دوامة الاكاذيب. بحث متواصل في العلاقة بالجمهور، عبر مناطق التضاد الساخنة. ولعل ما لفت الى نصوصه في أوقات كثيرة، عزفه الحي على رومانسية الفعل الثوري. أنه نموذج نادر في دنيا العرب المسرحية. لم يصالح أحدا، حين رفض أن يركب مفهومين للثورة والثورية. عنده ان للثورة مفهوم واحد، وللثورية مفهوم واحد. فنان ذكي لماح، يطرب أمام الموضوعات الصعبة والمعالجات الصعبة للموضوعات الصعبة؟ أبطاله خائرو القوى. أبطال سلبيون، خائرون بين قلوبهم وعقولهم. حيرتهم هذه، هي مواقفهم المتبعثرة المتشتتة. القيم الانسانية يسبقها بالقيم الجمالية. لأن كل ما هو انساني جميل عنده. نقطة توازن جبارة، مكلفة، في سجل حافل، اسهم في تفجير قضايا خطيرة، كعلاقة المؤلف بالمخرج (اضاف وحذف على نصوصه، بحسب النقاشات التي دارت بينه وبين مخرجي نصوصه) ومنطق التفسير في الكتابة المسرحية وعلاقة الشكل بالمضمون، وكيف لا يصبح التراث سالبا لمقومات الشخصية، بل مؤكدا لها. وهي قضايا في الصميم، لأنها بقيت الخيط الأساسي في منظومة أعمال هذا الكاتب المخرج. تلك التي شكلت بحق ظاهرة، انطفأت سريعا في سماء المسرح المسرحي والعربي، إثر الوفاة المبكرة لنجيب سرور. فنان مهام صعبة فنان مهام صعبة، صاحب رسالة بغير المعنى التبشيري للكلمة، باعتماده قضايا الناس في قراءة مشاكلهم السياسية والاجتماعية والعاطفية وإلحاحه القوي على ان فن المسرح قادر على تحريك المجتمع والافادة على أرواح الناس، في الوقت الذي يقدم فيه المتعة والفرجة. لذا عقد العزم على خوض سيرته، مهما كلّفه الأمر من صعاب ومشاق. وكلما واتته الفرصة، لم يتردد، بل مضى بعيدا في خياراته ورهاناته، مودعا كل أشكال وأصناف المهادنة والتدليس. السياسة هدف عند نجيب سرور. إحساسه بالالتزام وانشغاله بقضايا ناسه وعصره وأرضه وبلده، ولدت لديه نصا اشكاليا، نأى عن الترشيد بالمفهوم الايديولوجي للكلمة. لم يصبه قصور حرفية الكتابة ولا أمراض الكتاب الآخرين. لم يكن مقلدا ولا مكررا في تكتيكه. ولم يكن يؤمن بالكليشيهات سابقة التوظيف ولا بالشخصيات المخزية الرخيصة. بقي ذلك في مبادئ منهجه وطريقته في العمل. أما اسلوبه، فأسلوب مسرحي تماما، في بعده عن الانشاء. لم يكن طبيعيا ولا طبيعانيا ولا واقعيا، بحرفية الطبيعية والطبيعانية والواقعية. الا انه لم يتنازل عن واقعية اسلوبه، في نفحات شعرية بديعة، لإيمانه بأن الواقعية هذه، هي هدف في حد ذاته، وعليها تكتمل صحة الاسلوب. وفي تصور الكثيرين، ان وعي نجيب سرور، للتفاصيل هذه، تتم عن قدرة متميزة في أسانيد العمل المسرحي. وهي قدرة لا يمتلكها الا المحنك. ولد نجيب سرور في الأول من حزيران 1932 في قرية إخطاب في الدقلهية. وكان لا يزال تلميذا صغيرا عندما بدأ يقول شعرا نضاليا. برزت ميوله المسرحية في مطلع شبابه. ترك دراسة الحقوق وهو في سنتها النهائية، حيث التحق بمعهد التمثيل (المعهد العالي للفنون المسرحية) وحصل على دبلومه العام 1956. عند تخرجه انضم الى المسرح الشعبي التابع لمصلحة الفنون، تحت إشراف مديرها القاص والروائي المعروف حسن حقي. اشترك في أعمال المسرح هذا، مؤلفا ومخرجا وممثلا. أواخر العام 1958، سافر في بعثة الى الاتحاد السوفياتي لدراسة الاخراج المسرحي. عام 1963، انتقل الى المجر وعاش هناك حتى العام 1964، ليعود بعدها الى مصر، حين شهدت القاهرة فترة ازدهار انتاج نجيب سرور المسرحي والشعري والنقدي. رصدت اعماله وقتها، بحسبانه أحد أهم فرسان المسرح المصري المتميزين في فترة الازدهار المسرحي العربي المدهش خلال الستينيات. وفي تفاصيل سيرته الشخصية، انه خلال وجوده في موسكو تزوج طالبة الآداب السوفياتية ساشا تورساكوفا ورزق منها بولدين، شهدي وفريد. درامي شعر، ومسرحي نثر نجيب سرور. أعماله الشعرية في مستوى اعماله المسرحية، ك»التراجيديا الانسانية« و»لزوم ما يلزم« و»الأميات« و»بروتوكولات حكماء ريش« و»رباعيات نجيب سرور« و»الطوفان الثاني« و»فارس آخر زمان« و»أعمال شعرية عن الوطن والمنفى« و»رسائل الى صلاح عبد الصبور« و»من الانسان الطيب«. ولطالما ساءل القيم والفرضيات الفكرية السائدة. سحب من غياهب الماضي وسراديب الذاكرة العربية، ما كاد ينسى طوّر القديم والموروث بالجديد المكتسب في جدول دائب، يرفض الجمود والتعنت والقولبة والتطرف المجاني. جاء مسرحه، في هذه الشروط، ملتزما وحرا في آن، ثوريا دون جدل عقائدي او فذلكة رومانسية. ابن فترة الانتقال التاريخية الثورية. وعى مسؤولياتها باستنارة وتحملها بجلد، حتى انهكته ومات في انهاكاتها. تحرير الكتابة المسرحية من الجمود لكأن فن هذا الراحل المبكر، بعد بين القديم والجديد بدون قطع او تعسف او افتئات. استخداماته للتقاليد والموروثات الشعبية، ساهمت في تحرير الكتابة المسرحية من الجمود ومواريث الشعبية للغرب وتسلط الماضي على الحاضر والنزعة السلفية، بدون ان يفقد النص حيويته العربية، وبدون ان يعزله عن التراث الانساني التقدمي. جعل من وعيه وضميره مصفاة، لا يعبر من خلالها الا ما هو بناء في التراث والواقع، بعد تخليهما عن شوائبهما الايديولوجية الموروثة، في الطريق الى بنية فكرية تقدمية، محرضة. تحفظاته على الشكليات لم تعطل مشروعه. رفيق الكبار من كرم مطاوع الى جلال الشرقاوي، شاكر عبد اللطيف (مسرح الجامعة) وتوفيق عبد اللطيف وكمال ياسين وسميحة أيوب وسهير البابلي وعبدالله غيث ومحمد الطوخي وسعد اردش وحسن البارودي ومحمد الدفراوي والسير راضي. كتابة اكدت على ان الكتابة ليست مجرد سحر او بعث خيال او مجرد نشاط، بل كل هذه في دفعة واحدة. تكتيكاته وحرفية وآلياته، لا علاقة لها بالاعيب. انها نصوص محفزة، لا تسقط اليومي على السياسي ولا السياسي على اليومي، بل تتعاطى مع كل منهما بلغة غير تجارية. انفتاح على اسلوب ملحمي جديد، في أساليب جريئة او شديدة الجرأة. لم يتهاون أبدا أمام نبل الكلمة ونصاعة الالقاء وجمالياته الموسيقية، في منظومة متناغمة استندت الى احترام الكلمة والى مبدأ تعددية لغات المسرح. ورغم استفادته العميقة من تيارات التجديد في لغة الخطاب المسرحي، حرص دائما على العزوف عن البهرجة السمعية وعن الشكلانية والتغريب. مسرحه نافذة واسعة على الخصوصية والعالم، أرادت ان تصنع من المتفرج قوة ضاربة في مواجهة الفساد والواقع المهترئ. مسرحية ابنة شرعية لواقعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ذلك انه بقي دائما مؤمنا بعدم فصل المنتج عن ظروف انتاجه. كتب في النقد »رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ« و»حوار في المسرح« و»هموم في الأدب والفن« و»تحت عباءة أبي العلاء« و»هكذا قال جحا«. وله مقالات وقصائد كثيرة، لم يجمعها. وهي منشورة في العديد من الصحف والمجلات العربية ك»الثقافة« و»المجلة« و»الكاتب« و»الطليعة« و»الشعر« في مصر. ومجلات »الآداب« و»الثقافة الوطنية« و»الاخبار« و»الطريق« في لبنان. ومجلة »الثقافة« العراقية و»الدوحة« و»الموقف العربي« وغيرها. ممثل، مخرج أيضا، لمسرحيات »صلاح الدين الايوبي« (حديقة الازبكية 1958) لمحمد شعبان و»حب الأم« لأنور الشري (حديقة الازبكية 1958) و»شجرة الزيتون« و»بستان الكرز« (مسرح الحبيب 1964) و»الرجل الذي ضحك على الملائكة« لعلي سالم (مسرح الحبيب 1964) و»وابور الطحين« لنعمان عاشور (على مسرح التحكيم 1965) و»أ. ب« لناظم حكمت (على مسرح الحبيب 1966) والمصيدة (اتيليه القاهرة ارتجال 1975). بحث دائب في الحرية، تخلص من سيطرة الاقطاع والرأسمالية في ظروف تاريخية مستعصية، لكن هي عناوين في عناوين حياته الصعبة. مناهض للتناقضات الفكرية والتطبيقات الدرامية ومنطق النهايات السعيدة، على الطريقة المصرية. محتدم قتله احتدامه. ليس مفيدا بعد ان نذكر بأن نجيب سرور الذي مات وهو في السادسة والاربعين، اضطهد وجاع وتشرد وطورد وفصل وأدخل مرات عدة الى مستشفى الامراض العقلية، بسبب محنة المثقف والفنان الدائمة في العالم العربي.