رحل نبيل العلم. الرجل الذي خاض تجربة حزبية في الظل وعندما صار المنفى هويته الدائمة، صار هو الظل. كان لاعبا خطيرا في ساحات الامن والاستخبارات قبل الحرب الاهلية وبعدها. شارك في تصفية عدد من عملاء الموساد في بيروت في اوائل السبعينيات، وهو أسهم في تنفيذ عملية أمنية معقدة في القدس المحتلة «أدت الى وفاة عدد من الجنود الصهاينة مسمومين»، كما يقول أحد عارفيه. مع بداية الحرب الاهلية، اضطر العلم الى مغادرة «المنطقة الشرقية» في بيروت، بعدما أصبح مطلوبا من قبل «الكتائب» بسبب انتمائه لـ«الحزب السوري القومي الاجتماعي» (منذ العام 1968)، واثر تعرضه لمحاولة اغتيال نجا منها بأعجوبة في العام 1976 أمام مكتب المحاماة الخاص به في مدينة جبيل. مغادرة نبيل العلم، وفق مسؤول قومي، للمنطقة الشرقية لم تقطع علاقته بها، فهو عمل على تأسيس خلايا أمنية في مناطق الاشرفية وجبيل وكسروان تولت مراقبة مسؤولين كتائبيين وقواتيين كانوا يجتمعون مع مسؤولين إسرائيليين. يكشف المسؤول القومي السابق عن دور للعَلَم في تصفية أحد الضباط الاسرائيليين في أحد شاليهات جونية قبل ساعات قليلة من اجتماع بينه وبين بشير الجميل في العام 1979. يقول ان هذه العملية شارك فيها جهاز أمن «فتح» بقيادة «ابو جهاد» (خليل الوزير) وهناك أحد من اشتركوا فيها لا يزال على قيد الحياة. أصبح نبيل العلم محط أنظار عدد من أجهزة الاستخبارات العربية، ولا سيما الليبية والفلسطينية، التي سعت لاستمالته بهدف الاستفادة منه. يقول المسؤول القومي السابق ان نبيل العلم كان من الحذاقة بأن تعاون مع هذه الأجهزة وغيرها دون أن يصبح مرتهنا لها، ونفذ لها بعض ما طلبته مقابل تطوير قدرات جهاز الامن في «الحزب القومي» معلوماتيا وماديا. انفتاح العلم على أجهزة استخبارات خارجية، وفق المسؤول القومي، أزعج قيادة الحزب «القومي»، في تلك الفترة، وهذا ما دفع رئيس الحزب السابق إنعام رعد لمخاطبته مرة بالقول «الظاهر فاتح على حسابك يا حضرة الامين».. المحطة الأبرز في حياة نبيل العلم هي اتهامه بالتخطيط لاغتيال بشير الجميل في 14 ايلول 1982. ووفق المسؤول القومي السابق، فإن العملية بدأ الإعداد لها قبل حصول الاجتياح الاسرائيلي للبنان وعهد بها الى جهاز الامن في الحزب الذي كان يرأسه العلم (عضو مجلس أعلى في الحزب القومي، أي في أعلى سلطة حزبية). بقي التخطيط لاغتيال الجميل محصوراً ضمن حلقة ضيقة جدا لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة في الحزب وخارجه، ولم يكن بينها رئيس الحزب آنذاك إنعام رعد، يقول المسؤول القومي السابق، مرجحا وجود بصمات لأجهزة استخبارات غير لبنانية في هذه العملية، خصوصا أنه تبين وجود أكثر من مخطط لاغتيال قائد «القوات». بعد اغتيال الجميل، ألقي ألقبض على حبيب الشرتوني الذي اعترف بأنه نفذ العملية بدافع من قناعاته العقائدية وان نبيل العلم هو من أقنعه بالتنفيذ بعد عودته من فرنسا (كان يسكن فوق «بيت الكتائب» في الأشرفية)، وهو من دربه على استعمال جهاز التفجير الذي تم شراؤه من إحدى الدول الآسيوية. هذا التطور أدى الى ان يصبح نبيل العلم مطلوبا من القضاء اللبناني وان تُحال قضيته على المجلس العدلي. منذ ذلك الحين، انقطعت أخباره ولم يظهر اسمه إلا في أزمة «الحزب القومي» الداخلية في العام 1987 والتي أدت الى انقسام استمر 11 عاما. في تلك المرحلة، ظهرت رسالة موقعة باسم العلم وموجهة الى جبران جريج الذي انتخبه المجلس الأعلى رئيسا بعد إقالة عصام المحايري، يؤكد فيها له انه كان حاضرا في الجلسة التي عقدها المجلس وقررت إقالة المحايري الذي رفض القرار وطعن بدستورية الجلسة. ووفق المسؤول القومي السابق، فإن العلم بعدما أصبح مطلوبا للقضاء اللبناني، توزعت إقامته بين أوروبا الشرقية وأفريقيا وأخيرا البرازيل، ولم يستبعد أن يكون قد زار لبنان متخفيا باسم مستعار. يقول مسؤول قواتي سابق ان العلم كان رجلا زئبقيا لا يثبت في مكان، لذلك فشلت محاولات عدة لاغتياله، إحداها خارج لبنان، وجرى التعاون مع الاسرائيليين لإنجازها ولم يكتب لها النجاح.