حكايات القاهرة
«طاطا.. أنت بطلة الفيلم» هكذا قالت لها تهاني راشد خلال فترة التعرف الأولي (استمرت بين 5 او 6 شهور). تهاني راشد مخرجة أفلام وثائقية خرجت من مصر أولا إلى بيروت، ثم استقرت في كندا منذ سنة 1972. وطاطا بطل فيلمها الثاني عن مصر، الذي قدمته العام 2010 تحت عنوان «البنات دول». لا بد من إشارة إلى أن مزاج تهاني راشد يساري، وبحساب السنوات فهي من جيل السبعينيات (ولدت في العام 1947) الذي حلم بتغيير العالم وتحويله إلى جنة اشتراكية يسودها سلام اجتماعي بين كل الطبقات. الحلم لم يخص فقط المنتمين إلى تنظيمات اليسار، لكنه كان المزاج العمومي... والصورة السائدة التي لم تكن تعرف أو تستوعب فكرة وجود فجوة هائلة بين الناس في مدينة واحدة... كان الفقر عموميا. والستر عمومي أيضا. الآن.. القاهرة مختلفة. قطعة إسفنج كبيرة مليئة بالثقوب.. يعيش الناس في ثقوبها بقوانين منفردة، لا يربط بينها إلا عسكري البوليس الذي يطارد الجميع، الأثرياء من اجل الرشوة، والمشردين من اجل فرض الوصاية. وهكذا بدت فكرة البنات الساقطة من الفجوة بين الطبقات مغرية للعائدة من هجرة طويلة. «طاطا» هي فاطمة.. امرأة قبل أن تكمل العشرين بدت علامات الزمن الثقيل على وجهها. لكن دمعتها قريبة. تحكي عن حبيبها الغائب في السجن، وبطولاتها للدفاع عن شلة الصديقات. لا شيء يهمها إلا الحفاظ على وجهها، وعندما تحاصرها الحكومة تخلع ملابسها وتقف بـ«السوتيان». هي «الفتوة» و«زعيمة» عصابة من قطط الشوارع. لها أخلاقها واتفاقاتها السرية وتقاليدها في الحماية.. عصابة هي عائلة بديلة.. تحافظ على خط الحياة الأخير. طاطا تحمي الجميع. لا فرق بين صبيان وبنات. زميلها في سكن الشارع حكى أنها ظلت تجري وراء السيارة التي اختطفته، وظلت تضرب في الخاطفين حتى استعادته.. و«من يومها وأنا مستجدعها جدا». هذا هو قانون الشارع. هذه المنطقة الفقيرة بجوار بيوت الحي الراقي (المهندسين) تحولت إلى بيت جماعي، يلم مراهقين ومراهقات، هاربين أو مطرودين من جنة العائلات التي لا ترحم. هم مدمنو شم «الكلة» (الغراء الأبيض) وضرب البرشام. مريم ورضا وعبير ودنيا. هذه الأخيرة ترفض أن تعود إلى البيت مع أبيها. تشعر بالاختناق من زوجة قاسية ومناخ مخنوق. تنجح الوساطة وتعود، لكن الشلة متأكدة: «ساعة أو ساعتين وتعود. باختصار لن يطلع النهار الا ودنيا هنا». اشتياق أم مصير..؟! تسحب البنت نفسا عميقا من سيجارة بانغو. وتسند ظهرها إلى السيارة القديمة (هي في الوقت ذاته غرفة نوم فخمة لواحدة من البنات) وتحلم لطفلتها، التي ولدتها قبل أيام في الشارع. بيتها المفتوح: «نفسي تكبر، وقبل كده اطلعلها شهادة ميلاد علشان ادخلها المدرسة.. يا سلام بقى لو ادخلها المدرسة. دي حاجة جامدة جدا، واعمل لها ضفيرتين وأشوفها وهي رايحة وهي جاية من المدرسة». حلم بسيط، لكنه بعيد وكبير لبنت تعيش في الشارع، بلا شيء تقريبا غير جسدها وشراستها المختفية خلف وجه الملائكة. هي في النهاية ام، وفرحت بهدية الجار الذي غسل صندوق فلين ابيض وجهزه ليكون سرير المولودة (أو تابوت الفرعون كما وصفه الذكي اللماح من رفاق الشارع). ابنة من..؟! هل يمكن أن تسأل ..؟! انها «ابنة الشعب». تسخر البنات من حكاية النسب. تمثل دنيا انها حامل، وتمثل انها تحاول تذكر اسم الاب. تتداول الاسماء، وترتفع الضحكات وهي تقول لهم: «كل حتة فيه ها تكون من واحد». ابن الشعب ليست مجرد سخرية، فالجيل الثالث من سكان الشوارع نتيجة علاقات جنسية مفتوحة. الجنس هو المتعة الوحيدة، او العملة الوحيدة التي تشتري بها البنت حاجاتها، أو هروبها من «التعوير أو التخزين». التعوير هو ترك علامة في الوجه على البنت لا تمحى الى الابد، والتخزين هو حبسها في عشة بعيدة عن اعين البوليس. خوف آخر.. ومشاعر لم يجربها سكان البيوت المغلقة. الشارع بيت مفتوح لأجيال مشردين يميتون إحساسهم بقسوة الحياة عن طريق إدمان مخدرات من اختراعهم. إحساس ميت يكبر ويتضخم على هامش الأحياء الراقية. تعودنا عليه. نرى الشوارع وقد تحولت إلى بيوت مفتوحة، ودفعات مراهقين تتخرج في جامعة الحياة الشرسة. نعرفهم لكنهم مازالوا بالنسبة إلى تهاني راشد «البنات دول». بداية من الاسم اختارت تهاني راشد فكرة: الفرجة. وهي هنا تتخيل أنها تصدم العالم المستقر الذي يعيش في أبراج عاجية ..تقدم له بطلات ناعمات. ومن بين 58 ساعة تصوير اختارت التفاصيل التي تجعل من مراهقات الشوارع بنات عاديات. تحب وتكره وتتواصل مع العالم بطريقتها. واختارت أيضا أن تحكي حكايتهن مع الست هند. المرأة الطيبة الباحثة عن تعويض للأمومة قبل أن تنجح في الإنجاب هي ممثلة الوجه الطيب الرومانسي من المجتمع، وظيفتها هي إعطاء النصائح وفق أخلاق وقانون قطط البيوت الأليفة، وليس قطط الشوارع التي تعلمها التجارب اليومية كيف أن حياتها مهددة كل لحظة، وان الحكومة شبح مرعب، تظهر عندما تريد تطهير الشوارع، وتختفي حين يطالب أبناء الشوارع بالحقوق وفرص الحياة من دون طابور الشؤون الاجتماعية. الفيلم بالغ في رغبة ظهور التفاصيل الناعمة .صحيح أن «البنات دول» ظهرن بصورة إنسانية. صورة ضحايا، لكل منهن شخصية وملامح خاصة. مريم تحب أن تختار الملابس، ودنيا تحب الرقص، وطاطا تحب مظهر الفارسة على حصان أجرته 50 قرشا في اللفة الواحدة. الفيلم اعتمد على تقديم شخصيات. بطلات في فيلم عن الحياة في الشوارع الخلفية لمدينة بلا قلب. لكنه فيلم فرجة يصلح لمن لا يلتقي البنات دول في الشارع. لمن يعيش في أنفاق مكيفة، ولا يرى الكائنات التي تلف وتدور حوله تقتنص لقمة من الزبالة، وتنتظر ربع جنيه، وتبيع أي شيء لتعيش.. من لا يرى هؤلاء سيصدمه وجود البنات دول على بعد خطوات منه. ومن لم يعرف أن المتشردين لهم قانون وأخلاق خاصة، وأنهم بني ادمين يحلمون ويرسلون رسائل غرام ويبحثون عن أمان مفقود. من لا يعرف أن كل هذا بالقرب منه سيبكي، ويمسح دموع التطهير مع موسيقى السيرك (ألفها تامر كروان) التي أكدت فكرة الفرجة على استعراضات بنات الشوارع. لم أحب التسمية لأنها تعبر عن إحساس طبقي مزعج. فنحن أبناء مدينة من مدن كبيرة، ويمكن أن نطرد من رحمتها في أي لحظة. ولا اعرف لماذا لم تهتم تهاني راشد (المغرمة بالتفاصيل والحكي الذي يدخلك إلى العالم بكل تناقضاته) بملامح القسوة والعنف.. ملامح تعيش بيننا ونتحملها. نقترب في هذه الحالة من اميركا اللاتينية حيث يقتل البوليس المشردين، لانهم يزعجون نظرات السادة الاثرياء. بالضبط مثل كلاب الشوارع.. نحن نقترب من هذه الحالة. وجيوش المشردين في مصر ليسوا مجرد ابناء «الاندر غراوند» والشوارع الخلفية، بل علامة قاسية على مستقبل قريب. وهنا لا يكفي مخرجة مهمة (استطاع أن يعرض في ثاني أهم برنامج في مهرجان كان) أن يكون التعاطف هو سقفها. التعاطف شعور سابق على حالة لا بد أن تترك بصمتها على أجسادنا وأرواحنا أكثر من مجرد الرقص في الشوارع، والغناء النشاز بكلمات أغنية «مواطن ومخبر وحرامي». نحن متورطون أكثر من الحالة التي نخرج بها من فيلم «البنات دول». ورطتنا اكبر بكثير من المشاعر المخملية التي كانت صدمتها الكبيرة في اكتشاف كتالوغ الحياة في الشوارع، بمشاعرها الحادة وأرواحها الهائمة ومشاعرها التي تصل إلى اليأس الكامل... انه شعور اللاعودة. والخوف كل الخوف من فكرة الاستغلال. والرعب ليس في عدم العثور على لقمة عيش أو مكان نوم، بل في حرب يومية لاقتناص مساحة في الحياة. هذه المشاعر هي التي كان يمكنها أن تبقى. لا حكم ومواعظ وتفسيرات مريم (التي حلقت شعر رأسها لتتشبه بالصبيان ولا تغري بالاغتصاب)، ولا ذكر محاسن طاطا. هناك شيء أعمق من الفرجة عليهن، أو متابعة تحويلهن ارض الشارع إلى ملعب حياة ضائعة. شيء مازال يترك بصمته في نفسي منذ أن شاهدت مثلا فيلما روائيا برازيليا اسمه «مدينة الله» في برنامج مهرجان «كان 2002» أبطاله من شوارع المنسيين في مجتمع يتعامل مع المشردين بنفس طريقة التعامل مع الكلاب الضالة. ملامحهم القاسية وفورة الغضب التي تجعلك تخاف منهم وأنت تشعر أنهم ضحايا. هذا الارتباك أقوى من مجرد التعاطف المجاني.