As Safir Logo
المصدر:

حكايات القاهرة

أين تنتظر المافيا لتنطلق؟

طفل مصري يلهو على أرجوحة في وسط القاهرة أمس (أ ب)
المؤلف: عبد الفتاح وائل التاريخ: 2014-05-10 رقم العدد:12768

المافيا أنواع. لكن لا يمكن بالضبط معرفة اللحظة التي تتحول فيها الدولة بالكامل الى مافيا. في ايطاليا (موطن المافيا الأم وشاهدة تحولها من مقاومة احتلال الى عصابة) يمكن أن تدرك لحظة الاتساع التي تجعل المافيا في التسعينيات تمسك مفاصل الدولة بما فيها الواجهات ومفاتيح الحكم. لكن مصر، الدولة التي يعبد (أو يكاد يعبد) سكانها الدولة، المعجزة الكبرى والهرم الافتراضي الذي يعيشون في حمايته وينامون في نعيم هندسته الاجتماعية. التحول في المافيا المصرية لا يكون من خارج الهرم، أو مثل إيطاليا عندما تحتل مجموعات المافيا جهاز الدولة بالقطعة. في مصر التحول تدريجي، وعلامته الكبرى في أجهزة الأمن حين تتحول «الدولة» بالكامل الى ادارة مصالح مجموعة ضيقة، لا يعرف سوى اصحابها اتجاهات مصلحتها، والمسافة تتلاشى ليحكم جهاز الامن ويتحول مع الزمن الى جهاز ادارة المصالح، بينما تتم الحماية عبر طبقات او مستويات من اجهزة امنية غير رسمية، ستسمى إعلامياً «عصابات»، ويطلق على قادتها اسم «البلطجية»، وهم في الحقيقة جزء من اللعبة، يقومون بما لا يستطيع جهاز الامن القيام به. إنهم اللاعب السري، او الجزء البعيد عن الاضواء من جسم الامن الذي يحمي المافيا التي هي الدولة بعد قليل جداً. المافيا لم تكن على هامش حكم آخر الجنرالات: مبارك. كانت أسلوب حكم، لمن يفرد جهازه الاداري جناحه البيروقراطي على كل متر في البلاد، لكنه في الوقت نفسه عاجز عن استكمال مشروع «الدولة الحديثة»، لا منذ أيام محمد علي، ولا بعد العام 1952، ظلت الدولة الحديثة أسيرة نخبتها، وأحلامهم ومغامراتهم الفردية على أرض بدا أن هرمها (الدولة) في انتظار طويل لهندسة جديدة قطعتها ثورة العام 1919 بإعلان المصريين قدرتهم على حكم أنفسهم. عاش «مشروع الدولة» على شحنات من أيديولوجيا عبد الناصر ومن بعدها وعود السادات بالتحول الديموقراطي على الطريقة الأميركية، وبقي «حكم الشلة» أسلوباً مميزاً استخدمته دراسات غربية لوصف نظام الحكم بعد قيام الثورة. جمال عبد الناصر كان يحب فكرة أهل الثقة، وهي شلة تعلمها عبد الناصر من محمد علي، الذي اختار مجموعة من عائلات قريبة منه ليمتلكوا الأراضي والاقطاعيات، وليكونوا طبقة مرتبطة به تحميه ويحميها. شلة عبد الناصر كانت من الثوار، ومعهم وبينهم عائلات كانت حاكمة قبل الثورة. عبد الناصر قرر إنهاء حكم العائلات الملكية، وقال إنها كانت «16 عائلة فقط». كان هدفه كسر احتكارها للسلطة والثروة. فكوّن عائلة من الجنرالات الثوار. العائلة سيطرت على البلد تحت قيادة الأب الكبير. شلة مؤمنة (أو تدّعي الإيمان) بمبادئ الثورة إلى جانب المصلحة. الأمر تغيّر إلى حد ما مع أنور السادات، الذي اختار شلة جديدة غالبية أفرادها من عائلات المال القديمة التي عملت تحت غطاء الثورة وفي خطوطها الفرعية (عائلات عثمان وسيد مرعي وعبد الغفار... وغيرها). السادات فتح مع عائلات المال خطوط مصاهرة منحت النفوذ للعائلات وخطوط الأمان والسيطرة للرئيس. هناك عائلات استمرت عبر العصور عبر قانون الحفاظ على القنوات السرية بين المال والسياسة. عائلات عابرة للعصور (مثل عائلة غالي الذي كان أحد نجومها يتصور أن الوزراء يتخرجون من كليات بعينها)، وأخرى متعددة الانتماءات (عائلة محيي الدين تضم اشتراكيين وليبراليين حكوميين ومعارضة. وأباظة نصفهم «وفد» والنصف الآخر حكومة). شلة مبارك مميزة، وأهم مزاياها أنها لا تلتف حول مشروع كبير، مشروعها الوحيد هو المصلحة ولا صوت يعلو فوق صوت المصلحة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة