As Safir Logo
المصدر:

دير العشاير لا تستغني عن الرئة السورية

في خرائب قلعة دير العشاير (كامل جابر)
مشهد عام لدير العشائر اللبنانية (كامل جابر)
المؤلف: جابر كامل التاريخ: 2014-05-03 رقم العدد:12763

دير العشاير ـ كامل جابر لا يتناول أبناء دير العشائر كل مجريات حياتهم اليومية والسابقة، من دون ذكر أهمية ما تشكّله الرئة السورية من متنفس لهم على مختلف المستويات، المعيشية والدراسية والصحية والتجارية، التي أصيبت جميعها بنكسة كبيرة منذ اندلاع الحرب في سوريا، ثم مع التشدد في حركة الانتقال بين المناطق اللبنانية والسورية، لا سيما في عملية نقل البضائع من الداخل اللبناني نحو دير العشاير، ومن ثم نحو الداخل السوري، إذ صارت تلك العملية تخضع لتقنين شديد ومراقبة وتفتيش دقيقين على حواجز الجيش اللبناني التي باتت تعدّ «بالحبّة» بعض البضائع المنقولة إلى دير العشائر. «السفير» زارت القرية اللبنانية التي تقابلها وتجاورها قرية سورية تحمل الاسم عينه «دير العشاير»، إنما مسبوقاً بنعت «مزرعة». ذلك النعت الذي لا يحبذه السكان السوريون لقريتهم المزرعة، ويطلقون على قريتهم الاسم عينه «دير العشاير». وترتبط القريتان بأواصر مودة بعيدة عن المصاهرة، كون القرية اللبنانية درزية بغالبيتها والسورية سنية، ما يمنع الزواج بين الطائفتين. لكن ثمة علاقة تجارية تشكل من خلالها دير العشاير منفذاً للبضائع اللبنانية نحو القرية المقابلة، وبالتالي نحو الشام مروراً بجديدة يابوس، فضلاً عما يشكله سهلها الواسع «سهل دير العشاير» من نطاق عمل زراعي لأهل المزرعة وللعمال السوريين، وكباب نحو المراعي المتوافرة في الجهة اللبنانية أكثر منها في الجهة السورية. أما مزرعة الدير، فهي الشريان الأوحد لسكان دير العشاير نحو المتنفس السوري، الذي كان يعتبر سابقاً باباً واسعاً متاحاً للمواطنين اللبنانيين من أبناء الدير نحو العلاج والدراسة والتجارة، لا سيما في فصل الشتاء الذي تتعذر خلاله عملية انتقال أبناء الدير نحو الجهة اللبنانية بسبب تراكم الثلوج على الطريق الوحيدة التي تصل القرية بجوارها، العابر من تلال يصل ارتفاع بعضها إلى ما يزيد على 1500 متر. لذلك ومنذ اندلاع الحرب الدائرة في سوريا، باتت القرية اللبنانية التي يقطنها نحو 1100 مواطن لبناني، تعاني الأمرين في ما كانت تجده ملاذاً في سوريا، خصوصاً في الطبابة والدراسة، ما جعل عدداً كبيراً من العائلات ينزح نحو الجوار اللبناني، في راشيا وضهر الأحمر أو نحو عاليه، بحثاً عن التعليم الثانوي والجامعي. فتور ثلاثة حواجز للجيش اللبناني سجلت أسماءنا ورقم السيارة خلال عبورنا الطريق الممتدة من ضهر الأحمر، نحو كفرقوق، مروراً بالكنَيْسة (قرية قديمة لم يبق منها غير الأطلال)، وصولاً إلى دير العشاير، بمسافة 25 كيلومترا. وتتوزع الحواجز بين كفرقوق والدير وتمنع عبور السوريين في الاتجاهين. لكن وجود رئيس البلدية أحمد نصر برفقتنا في السيارة إلى جانب المسؤول في «الحزب التقدمي الاشتراكي» إبراهيم نصر، وهو أحد أبناء القرية، وشاب آخر من راشيا، منع عنا تفتيش الحواجز. يثني رفاق الطريق على ما قامت به وزارة الأشغال العامة أخيراً من توسيع الطريق وتعبيدها، بعدما كانت ضيقة جداً ومتعرجة لا تتيح مرور سيارتين في كثير من الأماكن، مع العلم أن السيارات التي تعبرها باتجاه الدير هذه الأيام شبه محدودة. «هذه تلّة الإذاعات» يقول رئيــــس البلدية ويشرح: «إنــــها أعمدة إرسال وبث موجودة هنا منذ زمن بعيد وهي تغطي سوريا قبل البث من خلال الأقمار الاصطــناعية». إلى يمين الطريق قبل الدخول إلى الحيز السكاني في دير العشاير تنتشر قطعان ماعز يؤكد من معنا أنها لرعاة سوريين، ويشير أحدهم نحو أقصى اليمين حيث تبدو بوضوح نقطة عسكرية سورية «إنما في الأراضي اللبنانية، وهي من ضمن النقاط التي يجري الحديث عنها في عملية ترسيم الحدود». وبعد مئات عدة من الأمتار تظهر الطريق التي تؤدي شمالاً نحو مزرعة دير العشاير، القرية السورية. بعد الأحداث الجارية في سوريا، شاب العلاقات بين أهالي دير العشاير وأهالي مزرعة الدير بعض الفتور، لكن العلاقات لمّا تزل قائمة، «فالسهل الكبير التابع للبلدة، غالبية اليد العاملة فيه من السوريين، حتى في رعاية المواشي، فإن عدداً كبيراً من السوريين يسرحون في مراعي البلدة. لكن غير مسموح لهم تخطي حواجز الجيش اللبناني باتجاه الأراضي اللبنانية الأخرى» يقول رئيس البلدية. ويردف: «في الحالات الطارئة أو في حال انقطاع الطرقات شتاءً بسبب تراكم الثلوج في المناطق العالية والذي يصل في بعض الأحيان إلى أكثر من ثلاثة أمتار، لا خيار أمام أهالي الدير غير سوريا. سابقاً كانت الشام ملاذ الأهالي في الطبابة والتعليم وخيارهم الأوحد، أما اليوم وبسبب ما يجري من أحداث في سوريا، صارت زيارات الأهالي قليلة جداً، وكان لا بدّ لهم من الاتجاه نحو المناطق اللبنانية، مع أن السوريين لا يمنعون أهل الدير من التوجه نحو الشام، لكن هناك اجراءات أمنية في إحدى نقاط العبور السورية، تخضع الزوار اللبنانيين لبعض التدقيق». كانت العلاقات بين القريتين أكثر من جيدة، لا سيما في الأفراح والأتراح، «كنا نذهب إليهم ويأتون إلينا، وبالأحزان أكثر، ولم يزل هذا الواجب قائماً، ربما ما يوازي 80 بالمئة من الأهالي في الدير يذهبون إلى المزرعة ويشاركون أهلها أحزانهم، لكن جميع أبناء المزرعة يأتون إلى هنا، فالطريق مفتوحة ونذهب بسياراتنا ويأتون بسياراتهم». هجرة نحو 800 نسمة يعيشون شتاءً في دير العشاير، وهم لا يحتاجون إلى مصاريف زائدة، إذ يموّنون للشتاء كل ما يحتاجونه، لكن تبقى عقبة المدارس والجامعات، ويشير نصر إلى أن «هناك باصاً يخرج يومياً من دير العشاير نحو الثانويات والمدارس، لكن تبقى المشكلة عند طلاب الجامعات، إذ لا تساعدهم مسافة الطرق والتشديد على الحواجز على الانتقال يومياً نحوها، فيضطرون إلى ترك البلدة والسكن في خارجها. هناك عدد من أبناء الدير يقطنون في راشيا وضهر الأحمر وفي عاليه، وهذا كله بسبب التعليم والجامعات. إن الهجرة الداخلية بسبب الجامعات أكثر منها لأسباب أخرى. وهكذا يفعل أبناء ينطا جارة الدير إذ لا تتعدى مدرستها المرحلة المتوسطة». تصرف أموال البلدية في بعض المشاريع الإنمائية المحدودة «على قدر موازناتنا»، كجدران الدعم وأقنية التصريف، وإنارة القلعة الأثرية، وتنظيفها، فضلاً عن تنظيف الطرق والأحياء. في الدخول إلى ساحة القرية تنتصب في وسطها القلعة الرومانية، أو بالأحرى ما تبقى من القلعة، بعدما غيبت التعديات أكثر معالمها وبنيت بعض البيوت على جدرانها وحجارتها الضخمة من دون وجود رادع يردع «أزلنا بعض التعديات عن قلعة الدير الرومانية، ونمنع أي تعديات جديدة، لكن هناك تعديات كبيرة وتحتاج إلى قرارات ربما أكبر من قدرة البلدية، لأن ثمة بيوتا يجب هدمها، ولا يمكن لنا التعويض على أصحابها من أموال البلدية». ومن الساحة حيث ينبعث بعض ضجيج الصبية، يمكن رصد مساحة السهل الواسع، سهل دير العشاير، الذي كان إنتاجه الزراعي يذهب بمعظمه نحو الشام. أما اليوم فيذهب جزء منه نحو البقاع أكثر منه نحو راشيا، لا سيما نحو برالياس وزحلة. وتعتبر مواسم السهل الزراعية ممتازة وجيدة «ويباع معظمها في الشام إذ لها زبائنها هناك وباتت معروفة عندهم وميزتها أنها من سهل دير العشاير، كونها في منطقة مرتفعة وتروى بمياه نظيفة من آبار ارتوازية تقع في قلب السهل». لكن لا بدّ من شكوى عند بعض المزارعين الذين التقيناهم مفادها أن مواسم العام الحالي من زيتون وكرمة وغيرها تعرضت لموجة صقيع حادة تسببت في يباس أكثر الأشجار «لكن من سيسأل عنا في هذه الأماكن النائية؟»، يقول أحدهم. ستة حوانيت ومتاجر في دير العشاير، وكانت هناك رخص تجارية (يؤمنها السياسيون) تسمح للأهالي بنقل البضائع من لبنان إلى سوريا، تحولت لاحقاً إلى فوضى استدعت تدخل السلطات اللبنانية وإيقافها. مع بداية الأحداث في سوريا، كان مسموحاً نقل 200 صندوقة بيرة و100 صندوقة سجائر لكل تاجر يحمل رخصة، فيما كمية السمانة مفتوحة أمام الجميع. اليوم لا يسمح بنقل أكثر من مئة صندوقة بيرة، ومئة تبغاً لجميع التجار في الشهر الواحد، وهذه الإجراءات بدأت منذ أكثر من سنة. أما معظم هذه البضائع فتباع للسوريين. ويقول صاحب أكبر متجر يقع في ساحة الدير، سعيد نصر: «إن حركة البيع هذه الأيام لا توازي 5 بالمئة مما كانت عليه سابقاً، وتمر أيام لا نبيع فيها شيئاً، خصوصاً في الأيام التي تفتح فيها أبواب المصنع على مصراعيها، فتنتقل البضائع اللبنانية من هنا إلى قلب سوريا، لتتراجع تجارتنا وقد أضحت لنا ديـون على المشترين السوريين بسبب قلة انتاجهم». ندخل إلى منزل إبراهيم نصر، وهو من الداخل على الطراز القديم، من عقود عالية. في أحد أركانه صورة لوالده، أحد مشايخ الديــــر يصافح فيها الرئيس الراحــــل جمال عبد الناصر وبجـــــانبه الزعيم الراحل كمـــــال جنبلاط. وصـــــورة أخرى لجنبلاط في ساحة الدير مع عدد من مشايخ المنطقة. وبسبـــــب خلاف سياسي مع السوريين، كان نصر يقصد منزله اختلاساً، ولا يبيت فيه ليلاً. ويشير إلى أنه «من الممــــكن جداً لرجال المخابرات الســــورية أن يحضروا إلى القرية، ويمكن أن يكونوا في السهل». سنة 1958 شكلت دير العشاير منطلقاً للثورة الشعبية، وفي سنة 1972 تعرضت لغارات عنيفة من طائرات العدو الإسرائيلي تسببت بسقوط 16 شهيداً وشهيدة بينهم أطفال، وكانت تلك الخسارة الجماعية تشكل نحو 5 بالمئة من سكان الدير (كانوا نحو 250 نسمة).

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة