As Safir Logo
المصدر:

»الذاكرة التاريخ النسيان« لبول ريكور التاريخ يقوم على الغائب والذاكرة على النسيان

المؤلف: حبش اسكندر التاريخ: 2000-09-14 رقم العدد:8704

بول ريكور، قد يكون اليوم، واحداً من العلامات البارزة في الفكر الفرنسي والعالمي الراهن. كان بدأ مشروعه الفكري غداة الحرب العالمية الثانية، في العام 1947 مع كتاب حول كارل ياسبرز. ومنذ ذلك الوقت لم يتوقف عن اجتياز العصر »فلسفياً وتاريخياً«، معتمدا على مراجع كثيرة، متنوعة. آخر كتب ريكور (الصادرة حديثا) كتاب »الذاكرة، التاريخ، النسيان«، يشكل مدماكا أساسيا في مسيرة هذا المفكر البالغ اليوم 87 عاما، وهو كتاب، شهد مؤخرا، العديد من النقاشات والحوارات، حتى ان »الماغازين ليترير« خصصت ملف عددها الاخير، حوله. هنا مقالة معدّة عن الصحف التي تناولت الكتاب. بالتأكيد ان الكلمة الاخيرة لم تُلفظ بعد، الا ان الساعة الراهنة هي ساعة القيام بخلاصة ما. من هنا، كانت حياة بول ريكور (87 عاما)، حياة من أجل الفلسفة، وقدره الفلسفي نجده هنا، في النهاية، قدر يقع تحت الشارة المثلثة »للذاكرة والتاريخ والنسيان«. من الصعب على القارئ ان لا يرى في عنوان مماثل، استعارة عن رحلة طويلة كانت بدأت غداة الحرب العالمية الثانية، حين نشر ريكور في العام 1947 كتابه الأول عن كارل ياسبرز. كتابه هذا كان أهداه الى ذكرى زوجته وهو يحمل على سبيل التمهيد، جملة للرائع جانكيليفيتش: »الذي كان لم يعد يستطيع أبدا، وبدءاً من الآن، ان لا يكون، ان هذا الواقع الغامض والقائم لن يكون ليس سوى زاده الاخير للأبدية«. ان ننسى الذي كان، لا يُغير شيئا من واقع انه كان. ومع ذلك، كيف نتذكر كل الاموات؟ ان هشاشة الذي يستحق الذكر، وبعيدا عن الرغبة في طردها، يضعها ريكور على العكس من ذلك بمثابة رواق تدخل منه الى كتابه. الذاكرة لا نملك أفضل من الذاكرة كي نتأكد من ان شيئا حدث، لا شيء أفضل من هذا الاستعداد الغامض الذي يجعلنا نرغب في تقديم شيء غائب، مشتهى. كيف نعهد ذلك؟ يستعمل أفلاطون الذي يتوجه إليه ريكور كقارئ مخلص صورة »البصمة«، الآثار الموضوعة فينا كتلك الموضوعة على الشمع. ها هي اللغة الصامتة لهذه الرموز الهيروغليفية؟ قال سقراط أيضا، ان »روحنا تشبه كتابا«. ما يروي هذا الكتاب بالضبط؟ الى أي درجة نستطيع ان نضع أنفسنا فيه؟ هذه الاسئلة القديمة، قد تدهش عصرنا الذي أصبحت الذاكرة بالنسبة إليه نوعا من إلاهة ضرورية، اننا نعطيه بذلك قدرة لا يمتلكها. لم يكن ريكور الشخص الاول الذي تبصّر ذلك، هناك العديد من المؤرخين مثل بيير نورا على سبيل المثال الذين لاحظوا هذه الحاجة لإحياء الذكرى، إذ انه من الموضوعات التي تسبب الكثير من سوء الفهم. على كل، ليست المرة الاولى التي تكون فيها الذاكرة موضوعا ل»طلب« كهذا. يبدو ريكور محقا في استدعاء »فن الذاكرة« هذا الذي يعيد مصدره الى أسطورة يونانية او الى شاعر تعود اليه سلطة »تذكر كل شيء« بعد خراب الأسماء واندثارها. إنها سلطة »مدهشة« حتى وان كانت طوباوية معاصرة لذاكرة اصطناعية اذ من المستحيل عدم الشعور بالدهشة أمام التطلعات التي تحملها، كما وفي الوقت عينه، عدم تبيان تناقضها الكبير: لأن الرغبة في تذكر كل شيء انكار للذاكرة نفسها، انكار للشرط الانساني الخاص. حفظ النسيان هو ايضا حفظ الذاكرة. عندئذ، هل سيكون عندها فضيلة ما للنسيان؟ من لن يرى صعوبة فرضية كهذه، وان كانت صعوبة تاريخية؟ هذا ما نشعر به في القسم الاول من الكتاب، حيث يعود ريكور ليخصص الصفحات الاخيرة من الكتاب، وهي بالمناسبة، الصفحات الاقوى والأجمل والأكثر إحفافاً بالمخاطر. ذكرى الأحداث من الذاكرة الى التاريخ، نجد هذه الخطوة التي يجتازها المؤرخ الذي يجتهد في إعطاء شكل ذكرى الاحداث. إذ أننا معه ندخل في متاهة الأرشيف المفخّخة، في متاهة »النضال ضد الوثيقة« الذي تحدث عنه مارك بلوك. ان شرط المؤرخ يكمن في تشييد بناء انطلاقا من أرض متحركة، مع العلم اننا نعرف ان الزمن أصبح بعيدا حيث كان يستطيع فيه المؤرخ ان يزدهي بسلطة التقديم شبه العجائبية (كما كان عليه الأمر في العصر الكبير وحتى ميشليه). لقد عرف فوكو وسيرتو (وهما وجهان أساسيان في تأمل التاريخ الذي يجعلهما ريكور مرجعا على سبيل التحية) كيف يشاهدان هذه السلطة والى أي درجة كانت خاضعة لوهم عابر. وكما ان الذاكرة تولد من المشتهى، فان التاريخ بدوره يتأسس على الغائب: »انها لا تعيد أي شيء بل تعطي شكلا لما حدث ولما لم يعد موجودا«. يشكّ المرء دائما في ان تأخذ اعتبارات كهذه، نتوءات خاصة، ما ان يتعلق الامر بتاريخ عصرنا، كقصة محرقة اليهود على سبيل المثال. لم يعد المشروع التاريخي، صراحة، مفصولا عن المجال الأخلاقي فكل ما يجري ويحدث يبدو كأنه يدفع واجب التجرد لأن يراقب نفسه بدون توقف. ومثلما يقول ريكور: »ان الصعوبة تحديدا تكمن في ممارسة الحكم التاريخي بروح متجردة تحت شارة الحكم الأخلاقي«. من هنا، هل علينا ان نذكر دائما اذا ما تعلق الامر بمجازر اليهود ان ذلك، يظهر الخوف من ان يبدو النسيان اقوى؟ ثمة تناقض غريب حين نفكر بذلك. تناقض في ان يقتصر الامر على حفظ حادثة لا تنسى من النسيان. يعني ذلك ان هناك ضعفاً ما في الذي لا يُنسى. عندها، ثمة سؤال يُطرح أمام المؤرخ ويكمن في معرفة الى أي درجة يفرض هذا الامر في الحماية، على نفسه، ما يسمّيه ريكور »عملا أكثر من »واجبا«، حين نرفض ذلك، فاننا نفتح الدرب أمام كل القضايا النسبية، أمام كل الانحرافات وصولا الى اسوأ أنواعها: الإنكار المطلق. اما حين نوافق عليها بشكل مطلق، فاننا نستطيع عندها ان نشرعن شكلا من الكسل الثقافي، ومن عودة الى عمل على علاقة »بعناية رجل أخلاقي ساكن على نفسه«. انه درب ضيق، لكن هل هناك غيره؟ المجازفة يشكل هذا الامر مجازفة حقيقية، وبخاصة في القسم الاخير الذي يعالج »التسامح الصعب«. من هنا، يتذكر ريكور هذه الجملة الجميلة لجاك دريدا: »لا نستطيع ان نحصل على تسامح حقيقي الا عبر الذي لا يسامح«، ولذلك ايضا، يميزه عن النسيان الأعمى. التسامح خيار طوعي، لا ينظر أبدا الى الاستهلاك الذي يفتح ربما الدرب أمام »ذاكرة سعيدة«. ان ريكور في انحرافه عن اقتراح »النهاية السعيدة«، يبدو وكأنه يتمسك بشيء أبسط، ربما بشيء »أكثر عقلانية« وصولا الى هذا الذهول الذي تحدث عنه كيركغارد: شيء جدير بأن »يجعل الانسان يتفحص كم هو رائع ان يكون انسانا«. بدون شك، ان حالة مماثلة ممنوعة علينا حالياً. ان »عمق الخطأ« يتطلّب »ارتفاعا في التسامح« يبدو متعذرا. قد يقال اننا نعيش هذه اللحظة حيث يتوجب علينا ان نتحول عن الميت كي نعود مجددا الى الحي. ان نتحول من دون ان ننسى، ونحن نسامح. كيف نعيش اذاً بشكل مختلف؟ على الأقل، نجد ريكور يفتح لنا هذا الطريق الممكن من دون ان يتناسى اي متطلبات. ثمة نُبل هنا، او بالاحرى، ثمة نزاهة في التفكير يشرّف الذي يحمله. ومع ذلك، ثمة ندم واحد نجرؤ عليه: ان هذا التفكير الشديد، لم يجد لغته، أسلوبه، مثلما نجد أسلوبا ولغة عند جانكيليفيتش. ثمة ندم في أن يكون هذا الكتاب كتاب »عمل« وليس كتابا »مفضلا«. ومع ذلك، نجد ان هذا الندم يلطّف نفسه: ثمة جمال خاص بهذه النزاهة، لنصل الى حدود التقشف الاكثر تقشفاً، اذ ان الفاكهة التي تحتويها ليست سوى فاكهة نفيسة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة