As Safir Logo
المصدر:

أحمد فؤاد نجم ضيف »ساعة صفا« صوت السعال يتفوق على صورة الفضائية

المؤلف: بزي جهاد التاريخ: 2000-09-13 رقم العدد:8703

من حارة شعبية ما، وعلى امتداد حلقتين متتاليتين، كان احمد فؤاد نجم ضيفا لبرنامج »ساعة صفا« الذي يحمل اسم مقدمته صفاء ابو السعود، يومي السبت والاحد الماضيين. إستطاع الشاعر العجوز »بجلابيته« البيضاء ومخزونه الهائل من الثقافة المبطنة بلغة ابن البلد، أن يحتكر الضوء الذي تتقاسمه مقدمة البرنامج مع ضيوفها في العادة. فحكى كما كان الشيخ إمام يغني، بالسخرية القاسية ذاتها، وبجرأة استدعت توظيف موسيقى تصويرية هادئة لتحل محل »التوت« المعتمدة في حذف المقاطع التي تخدش حياء الأذن السياسية للمستمع العربي. ومع غرابة هذا النوع من الاخراج التقني للرقابة بدا نجم، وهو يتكلم من دون صوت ملوحا بيديه، كالمستعاد بحنين من الذاكرة، ليتابع صوته بعد إيقاف الموسيقى شارحا حالة فرح لا توصف للسجين الذي كانه وهو يعلم بخبر اغتيال السادات. رقابة غير مبررة لحوار مسجل، كانت بمفهومها العام بابا لنقاش مستفيض بين نجم وبين أبو السعود دافعت فيه الاخيرة عن دور الرقيب المفترض ان يقف حاجزا امام ما قد يعبر الى »أخلاقيات« المشاهد العربي، في حين ان نجم كان في الوادي الآخر يسأل عن مواصفات الرقيب ويحاول إيضاح ابسط مبادئ الديموقراطية. أضعف الخلل الاساسي بين طرفي الحوار وانتماء كل منهما الى ثقافة مغايرة كليا للآخر، فرصة نادرة أمام المتبحرين العرب في فضائياتهم للتعرف إلى خطاب سياسي »مختلف« وصريح، كلماته مفهومة لا تشبه بشيء ما تقدمه البرامج السياسية الفضائية بشقيها، الممل العاجز عن استبقاء مشاهده، والمثير الذي يمر كل الموجودين فيه يصرخون في الوقت نفسه. غابت، إذاً، الافادة من حوار بانسياب منطقي مع الشاعر يؤدي الى فهم اعمق لتجربته الشعرية الضخمة ولنضاله العتيق مع رفيقه الشيخ في أكثر ايام العرب غليانا. وتقطعت إجاباته تبعا لتدخل دائم من أبو السعود إما لابدائها، ضاحكة، ذهولها من أسلوبه غير المتوقع في الاجابات نفسها، او لطرح سؤال بعيد تماما عما كان غارقا في الكلام عنه. وأفردت، بطبيعة الحال، مساحة واسعة لفاكسات المشاهدين فكان لا بد من السؤال/ الاتهام عن شيوعية الشاعر وإلحاده، لتفاجأ ابو السعود »بإعلان« نجم انه ليس شيوعيا، ولم تلاحظ أنه انطلق من التعريف الماركسي للشيوعي. وأصيبت بالدهشة لكونه ليس ملحدا مع إبداء ارتياحها الشديد لانه، »خلافا لتوقعاتنا جميعا«، يؤمن بالدين، »الملاذ الاخير للانسان« على حد وصفه. لم يحك أحمد فؤاد نجم إلا قليلا مما يريد. غير أنه، في اعوامه التي قفزت عن السبعين، كان واحدا من أولئك الديناصورات العنيدين لصدق قناعاتهم ولذكائهم المتقد سخرية وثباتا على المبادئ. أما الفضائية، وبرغم أقمارها الاصطناعية وصفاء صورتها، فلم تجار حوارا قديما خاضه الشاعر مع »مولانا« الضرير عماده تسجيل رديء وعود وسعال وزمامير سيارات، وبكاء اطفال وصوت أجش واحد لرجلين من عالم آخر.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة